وقد تستعمل السموم في لفح البرد، وهي في لفح الحر والشمس أكثر 54، أي: العذاب الحار الشديد حرّه 55، و أصله: اسم للريح التي تهبّ من جهة حارّة جدًا فتكون جافّة شديدة الحرارة، وهي معروفة في بلاد العرب تهلك من يتنشّقها، وأطلق هنا على ريح جهنم على سبيل التقريب بالأمر المعروف 56.
2.حرور.
الحرور الريح الحارة وهي بالليل كالسموم بالنهار 57.
وقد ذكرت هذه الصفة في قوله عز وجل: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) } [فاطر:19 - 21] .
والحرور الريح الحارة بالليل، وقد تكون بالنهار 58، والقول في ذلك: أن الحرور يكون بالليل والنهار، غير أنه في هذا الموضع ... أشبه مع الشمس؛ لأن الظل إنما يكون في يوم شمس، فذلك يدل على أنه أريد بالحرور: الذي يوجد في حال وجود الظل 59.
جعل الله عز وجل في الريح بعض المنافع للناس، ومن تلك المنافع:
قال عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف:57] .
قرأه أكثر السبعة: {يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} بالجمع، وقرأه بعض السبعة: {يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} بالإفراد، وعلى قراءة الإفراد فالمراد الجنس، فلا تنافي قراءة الإفراد قراءة الجمع 60.
ومعنى هذه القراءات يرجع إلى النّشر، الذي هو خلاف الطي، فكأن الريح مع سكونها كانت مطوية ثم ترسل من طيها فتصير كالمنفتحة 61.
أي: إن ربكم المدبّر لأمور الخلق، هو الذي يرسل الرياح بين يدي رحمته، أي: بين الأمطار وأمامها حال كونها مبشرات بها، فينشئ بها سحابًا ثقالًا لكثرة ما فيها من الماء، حتى إذا أقلتها ورفعتها إلى الهواء ساقها لإحياء بلد ميت قد عفت مزارعه، ودرست مشاربه، وأجدب أهله 62.
يضاف إلى ذلك قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50) } [الفرقان:48 - 50] .
وهذا أيضًا من قدرته التامة وسلطانه العظيم، وهو أنه تعالى يرسل الرياح مبشرات، أي: بمجيء السحاب بعدها، والرياح أنواع في صفات كثيرة من التسخير، فمنها ما يثير السحاب، ومنها ما يحمله، ومنها ما يسوقه، ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشرًا، ومنها ما يكون قبل ذلك يقم الأرض، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر، ولهذا قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] أي: آلة يتطهر بها كالسحور والوقود وما جرى مجراهما، فهذا أصح ما يقال في ذلك 63.
وكذلك قوله عز وجل: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) } [فاطر:9] .
فالإثارة: رفع الشيء المستقر وقلبه بعد استقراره، أي: تسوقه وتدفعه من مكان إلى مكان، وأطلقت الإثارة هنا على قلب تراب الأرض بجعل ما كان باطنًا ظاهرًا وهو الحرث 64.
وإذ قد كان القصد من الاستدلال هو وقوع الإحياء وتقرّر وقوعه جيء بفعل الماضي في قوله: {أَرْسَلَ} ، وأما تغييره إلى المضارع في قوله: {فَتُثِيرُ سَحَابًا} فلحكاية الحال العجيبة التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وهي طريقة للبلغاء في الفعل الذي فيه خصوصية بحال تستغرب وتهم السامع 65.
وجاء به على جهة المضارعة والاستقبال بين فعلين ماضيين، وهما قوله: {أَرْسَلَ} {فَسُقْنَاهُ} ، والسر في مثل هذا، هو أن الفعل المستقبل يوضح الحال، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن الإنسان يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي إذا عطف؛ لأنه لا يعطي هذا المعنى ولا يدل عليه، فإذا قال {فَتُثِيرُ} ، على جهة الاستقبال بعد ما مضى قوله: {أَرْسَلَ} . فإنما يكون دالًا على حكاية الحال التي تقع فيها إثارة الريح للسحاب، واستحضار لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة 66.
فكانت الرياح التي تؤثر في هذا المطر معينة له في إحياء الأرض بعد موتها، حيث قال عزوجل: {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) } [الزخرف:11] ، وقال: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11) } [ق:9 - 11] .
من النعم العظيمة التي منّ الله عز وجل بها على عباده نعمة جريان الفلك في المياه بأمره 67.
والفلك: السّفينة، ويستعمل ذلك للواحد والجمع 68، وجاء عن مجاهد أنها السفن في البحار 69.
ومن الآيات التي تحدثت عن ذلك صراحة، قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) } [يونس:22] .
وهذه نعمة عظيمة أن كانت الريح سببًا لجريان الفلك، فإن الإنسان إذا ركب السفينة ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود، حصل له الفرح التام والمسرة القوية 70؛ فالذي أجرى الفلك في البحر لنيل الخير هو الريح الطيب، ولو اشتد بهم لكان به الهلاك.
وكذلك قوله عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) } [الروم:46] ، أي: {وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ} بهذه الرياح 71.
وقد وردت آيات أخرى امتن الله عز وجل بها على عباده؛ بأن جعل الفلك تجري بهم؛ لينالوا منافعهم في البر والبحر، ويعلم بها أن الفلك لا تجري إلا بمساندة الريح لها وذلك في قوله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) } [إبراهيم:32] . {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} أي: المزن {مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} أي: تعيشون به، {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ} أي: السفن {لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} أي بإرادته {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} أي: فتجري حيث تشاؤون من شرب وسقي وسواهما 72.
وقوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) } [النحل:14] .
{وَتَرَى الْفُلْكَ} أي: السفن والمراكب {مَوَاخِرَ فِيهِ} أي: تمخر في البحر العجاج الهائل بمقدمها حتى تسلك فيه من قطر إلى آخر، تحمل المسافرين وأرزاقهم وأمتعتهم وتجاراتهم التي يطلبون بها الأرزاق وفضل الله عليهم 73.
وقوله عز وجل: {رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (66) } [الإسراء:66] .
وقوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32) } [لقمان:31 - 32] .
أي: ليريكم بعض آياته، وهو جري السفن في البحر بالريح 74، وقوله عز وجل: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) } [فاطر:12] ؛ لأن المصلحة تقتضي أن تكون الأنهار عذبةً فراتًا، سائغًا شرابها، لينتفع بها الشاربون والغارسون والزارعون، وأن يكون البحر ملحًا أجاجًا، لئلا يفسد الهواء المحيط بالأرض بروائح ما يموت في البحر من الحيوانات؛ ولأنه ساكن لا يجري، فملوحته تمنعه من التغير، ولتكون حيواناته أحسن وألذ 75.
وقوله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) } [غافر:79 - 80] .
وعلى الأنعام، وعلى السفن تحملون على هذه في البر، وعلى هذه في البحر 76، وقوله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) } [الجاثية:12] .
يذكر تعالى نعمه على عبيده فيما سخر لهم من البحر {لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ} وهي السفن فيه بأمره تعالى؛ فإنه هو الذي أمر البحر بحملها {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} أي: في المتاجر والمكاسب، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: على حصول المنافع المجلوبة إليكم من الأقاليم النائية والآفاق القاصية 77.
وقد ثبت علميًا أن كل المراكب التي تستخدم كافة أنواع الوقود، وتتحرك بالمراجل البخاري، يمكن أن تتوقف تمامًا؛ إذا توقفت الريح؛ لأن وسيلة احتراق هذا النوع من الطاقة هي غاز الأوكسجين الموجود في الريح 78.
من المنافع التي ذكرها القرآن الكريم في حديثه عن الرياح، تلقيح السحاب لإنزال المطر وتلقيح النبات لإخراج الثمر، وذلك كما في قوله عزوجل: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} [الحجر:22] .
واختلف أهل العربية في وجه وصف الرياح باللقح، وإنما هي ملقحة لا لاقحة، وذلك أنها تلقح السحاب والشجر، وإنما توصف باللقح الملقوحة لا الملقح ... والصواب من القول في ذلك عندي: أن الرياح لواقح كما وصفها به جلّ ثناؤه من صفتها، وإن كانت قد تلقح السحاب والأشجار، فهي لاقحة ملقحة، ولقحها: حملها الماء، وإلقاحها السحاب والشجر: عملها فيه 79.
ومعنى الإلقاح: أن الرياح تلقح السحاب بالماء بتوجيه عمل الحرارة والبرودة متعاقبين، فينشأ عن ذلك البخار الذي يصير ماءً في الجو ثم ينزل مطرًا على الأرض؛ وأنها تلقح الشجر ذي الثمرة بأن تنقل إلى نوره غبرة دقيقة من نور الشجر الذكر فتصلح ثمرته أو تثبت، وبدون ذلك لا تثبت أو لا تصلح ... ومن بلاغة الآية إيراد هذا الوصف لإفادة كلا العملين اللّذين تعملهما الرياح، وقد فسرت الآية بهما، واقتصر جمهور المفسرين على أنها لواقح السحاب بالمطر 80.
وقد أثبت العلم الحديث أن من وسائل تلقيح النبات الرياح؛ لأنها تنقل الملقحات من عضو التذكير النباتي إلى عضو التأنيث النباتي 81.
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله عز وجل: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [فاطر:9] .
وقوله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) } [الروم:48] .
إن الحقائق التي ذكرتها آيات القرآن الكريم عامةً وما يتعلق منه بتأثير الرياح في إنشاء السحب وتلقيحها وتشكيلها، ثم نزول المطر أو البرد منها، هذه الحقائق من أعجب الأمور وأدقها ... والأصل في تكوين السحب على اختلاف أنواعها وأشكالها إنما هي الرياح.
وحقيقة أخرى أشارت إليها الآية الكريمة: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} [الحجر:22] .
فقد حملها كثير من المفسرين على أن الرياح اللواقح تلقح النباتات فتحمل الطّلع من الذكر إلى الأنثى فتلقح بويضاتها، والحقيقة أن هذا الأمر مما يتحقق بواسطة الرياح، إلا أن سياق الآية في هذا المقام لا يحتمل ذلك بل يشير إلى حقيقة أخرى أدق وهي تلقيح السحب.
وقد توصل العلم الحديث إلى أن نمو السحب ونزول المطر يتطلب أن تلقّح الرياح هذه السحب ... وعلى هذا النحو عرف الناس الآن أن الآية الكريمة إنما تشير إلى تلقيح الرياح للسحب ببخار الماء ... لكي تجود بالمطر 82.
فتأمل كم سخر للسحاب من ريح حتى أمطر، فسخرت له المثيرة أولًا فتثيره بين السماء والأرض، ثم سخرت له الحاملة التي تحمله على متنها كالجمل الذي يحمل الراوية، ثم سخرت له المؤلفة فتؤلف بين كسفه وقطعه، ثم يجتمع بعضها إلى بعض فيصير طبقًا واحدًا، ثم سخرت له اللاقحة بمنزلة الذكر الذي يلقح الأنثى فتلقحه بالماء ولولاها لكان جهامًا لا ماء فيه، ثم سخرت له المزجية التي تزجيه وتسوقه إلى حيث أمر فيفرغ ماءه هنالك، ثم سخرت له بعد إعصاره المفرقة التي تبثه وتفرقه في الجو فلا ينزل مجتمعًا ولو نزل جملةً لأهلك المساكن والحيوان والنبات، بل تفرقه فتجعله قطرًا، وكذلك الرياح التي تلقح الشجر والنبات ولولاها لكانت عقيمًا.
وكذلك الرياح التي تسير السفن ولولاها لوقفت على ظهر البحر، ومن منافعها أنها تبرد الماء وتضرم النار التي يراد إضرامها، وتجفف الأشياء التي يحتاج إلى جفافها، وبالجملة فحياة ما على الأرض من نبات وحيوان بالرياح؛ فإنه لولا تسخير الله لها لعباده لذوي النبات ومات الحيوان وفسدت المطاعم وأنتن العالم وفسد.
ألا ترى إذا ركدت الرياح كيف يحدث الكرب والغم الذي لو دام لأتلف النفوس، وأسقم الحيوان وأمرض الأصحاء وأنهك المرضى وأفسد الثمار وعفن الزرع وأحدث الوباء في الجو؛ فسبحان من جعل هبوب الرياح تأتي بروحه ورحمته ولطفه ونعمته 83.
من المنافع المهمة التي ذكرت في القرآن الكريم عن الرياح، المنفعة العظيمة التي كانت لنبي الله سليمان عليه السلام وذلك من تمام النعمة والملك الذي وهبه الله عز وجل إياه.
وسليمان عليه السلام هو: سليمان بن داود ... بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، ورث عن أبيه الملك والنبوة 84.
وقد ميّزه الله عز وجل بملك خاص عن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يوضح ذلك حديث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن عفريتًا من الجن تفلت علي البارحة - أو كلمة نحوها - ليقطع علي الصلاة، فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي) ، قال روح: «فرده خاسئًا» 85.
ومن ما جاء في حديث القرآن الكريم عن الريح التي سخرها الله عز وجل لنبيه سليمان عليه السلام قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) } [الأنبياء:81] .
أي: وسخرنا لسليمان الريح في حال كونها عاصفةً، أي: شديدة الهبوب ... تطيعه وتجري إلى المحل الذي يأمرها به 86.
فإذا أراد الإسراع في السير سارت عاصفة وإذا أراد اللين سارت رخاء، والمقام قرينة على أن المراد المواتاة لإرادة سليمان 87.
و {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} يعني: الشام بيت المقدس، وذلك أنها كانت تجري لسليمان وأصحابه حيث شاء سليمان، ثم تعود إلى منزله بالشام 88.
وقوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) } [سبأ:12] .
غدوها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر، ورواحها من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة شهر 89، فهي تسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين 90.
{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) } [ص:36] ، ليست بالعاصف ولا باللينة بين ذلك، ومطيعة له حيث أراد 91.
وسخّر له الريح بدلًا من الأفراس، فلا يحتاج في إمساكها إلى العلف والمؤن 92.
تنبيه: اعلم أن في هذه الآيات التي ذكرنا سؤالين معروفين:
الأول: أن يقال: إن الله وصف الريح المذكورة في سورة الأنبياء بأنها عاصفة، أي: شديد الهبوب، ووصفها في سورة (ص) بأنها تجري بأمره رخاء، والعاصفة غير التي تجري رخاء.
والسؤال الثاني: هو أنه في سورة الأنبياء خص جريها به بكونه إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين، وفي سورة (ص) قال: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} ، وقوله: {حَيْثُ أَصَابَ} ، يدل على التعميم في الأمكنة التي يريد الذهاب إليها على الريح، فقوله: {حَيْثُ أَصَابَ} أي: حيث أراد.
أما الجواب عن السؤال الأول فمن وجهين:
الوجه الأول: أنها عاصفة في بعض الأوقات، ولينة رخاء في بعضها بحسب الحاجة، كأن تعصف ويشتد هبوبها في أول الأمر حتى ترفع البساط الذي عليه سليمان وجنوده، فإذا ارتفع سارت به رخاءً حيث أصاب.
الوجه الثاني: هو ما ذكره الزمخشري قال: «فإن قلت: وصفت هذه الريح بالعصف تارة بالرخاء أخرى، فما التوفيق بينهما؟ قلت: كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة، على ما قال: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} ، فكان جمعها بين الأمرين: أن تكون رخاء في نفسها، وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان، وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم» 93.
وأما الجواب عن السؤال الثاني: فهو أن قوله: {حَيْثُ أَصَابَ} يدل على أنها تجري بأمره حيث أراد من أقطار الأرض، وقوله: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} ؛ لأن مسكنه فيها وهي الشام، فترده إلى الشام، وعليه فقوله: {حَيْثُ أَصَابَ} في حالة الذهاب، وقوله: {إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} في حالة الإياب إلى محل السكنى؛ فانفكت الجهة فزال الإشكال 94.
والأصل أنها ريح عاصف شديدة؛ ولما كانت مسخرة لسليمان عليه السلام كان زمام أمرها بيده، فلا تراها تسير إلا في أمور الخير.
من المعاني التي جاءت في القرآن الكريم مختصة بالريح، معنيان مهمان:
الأول: نصرة عباد الله المؤمنين بمساعدة الرياح لهم.
والثاني: هلاك الكافرين بتسليط الريح عليهم.
وبيان ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: الرياح نصرة للمؤمنين: