فهرس الكتاب

الصفحة 2408 من 2431

وبما أنَّ الله عز وجل لم يخبرنا عن السبب الحقيقي لغضب يونس عليه السلام، فهذا يعني أنه ليست هناك فائدة تعود علينا من ذكره لنا، ولكن المهمَّ أن يونس عليه السلام أحدث ذنبًا، فعاقبه الله تعالى عليه بالتقام الحوت إياه.

وبعد هذه الإطالة، فإن أكثر العلماء ذهبوا إلى أن غضب يونس عليه السلام كان بعد أن أرسله الله تعالى إليهم، فعاقبه الله عز وجل هذه العقوبة الدنيوية، وجعل الحوت يلتقمه 25.

وأشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله عز وجل: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 98] .

والمعنى: أنه لم تكن هناك قرية آمن أهلها عند معاينتهم العذاب، ورؤيتهم إياه بأم أعينهم، فينفعهم إيمانهم هذا إلا قوم يونس عليه السلام، فإنهم آمنوا عند رؤيتهم العذاب الذي توعدهم به نبيهم يونس عليه السلام، وأخبرهم أنه آتيهم بعد ثلاثة أيام، ومع ذلك لم يستجيبوا، فلما رأوا العذاب نازلًا عليهم، تابوا، وتضرعوا إلى الله تعالى، وآمنوا.

فكشف الله تعالى هذا العذاب عنهم في الدنيا، ونفعهم هذا الإيمان؛ لأنَّ الله عز وجل علم إخلاصهم وصدقهم في هذا الإيمان، وأنه لم يكن لمجرد رفع العذاب عنهم، والعودة إلى ما كانوا عليه من شرك وضلال، ثم متعهم الله تعالى بالحياة الدنيا مع إيمانهم إلى حين انقضاء آجالهم التي كتبها الله عز وجل عليهم 26.

واختلف العلماء في قوم يونس عليه السلام هل رأوا العذاب عيانًا أم لا؟ على رأيين:

الرأي الأول: ذكر الزجاج أن العذاب لم يقع بهم، إنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان 27.

وعقب القرطبي على كلام الزجاج قائلًا: «قلت: قول الزجاج حسنٌ، فإن المعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس بالعذاب كقصة فرعون؛ ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصة فرعون؛ لأنه آمن حين رأى العذاب فلم ينفعه ذلك، وقوم يونس تابوا قبل ذلك. ويعضد هذا قوله عليه السلام: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) 28» 29.

الرأي الثاني: أن قوم يونس رأوا العذاب عيانًا، بدليل قوله تعالى في الآية: {كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ} ، وكشف العذاب لا يكون إلا بعد وقوعه، أو قرب وقوعه. وأكثر العلماء قالوا بهذا الرأي 30.

وروي عن بعض الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-: «أن يونس بعثه الله تعالى إلى قومه، فدعاهم إلى عبادة الله تعالى، وترك ما هم فيه من الكفر فأبوا، فدعا ربه فقال: يا رب قد دعوتهم فأبوا. فأوحى الله تعالى إليه: أن ادعهم، فإن أجابوك وإلا فأعلمهم أن العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام. فدعاهم فلم يجيبوه، فأخبرهم بالعذاب، فقالوا: ما جربنا عليه كذبة مذ كان معنا، فإن لم يلبث معكم وخرج من عندكم، فاحتالوا لأنفسكم. فلمَا كان بعض الليل خرج يونس من بينهم، فلما كان اليوم الثالث رأوا حمرة وسوادًا في السماء كهيئة النار والدخان، فظنوا أنَّ العذاب نازل بهم، فجعلوا يطلبون يونس فلم يجدوه، فلما كان آخر النهار أيسوا من يونس، وجعل يهبط السواد والحمرة، فقال قائل منهم: إن لم تجدوا يونس عليه السلام فإنكم تجدون رب يونس، فادعوه، وتضرعوا إليه.

فخرجوا من القرية إلى الصحراء، وأخرجوا النساء والصبيان والبهائم، وفرقوا بين كل إنسان وولده، وبين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا 31 إلى الله تعالى مؤمنين به مصدقين. وارتفعت أصوات الرجال والنساء والصبيان، وخوار البهائم وأولادها، واختلطت الأصوات، وقربت منهم الحمرة والدخان، حتى غشي السواد سطوحهم، وبلغهم حر النار. فلما عرف الله تعالى منهم صدق التوبة، رفع عنهم العذاب بعدما كان غشيهم، فذلك قوله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ} » 32.

وأخيرًا، فإنه لا يخفى ما في هذه الآية من تخويف وتهديد ووعيد لكفار مكة خاصة، ولجميع الكفار إلى يوم القيامة، أنهم إن لم يستجيبوا للهداية ونور الحق، فسيحيق بهم عذاب الله عزَّ وجلَّ، وحينئذٍ لا ينفعهم إيمانهم عند نزول العذاب، ويصدق هذا المعنى أيضًا قوله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 98] .

فالله تعالى يتوعد الكافرين به، والمخالفين رسله، والمكذبين بآياته وحججه الدالة على صدق الأنبياء والرسل الذين بعثوا فيهم، ويتوعد الصادين عن سبيل الله عز وجل، ماذا ينتظرون كي يستجيبوا ويؤمنوا؟ هل ينتظرون ملك الموت لما يأتي إليهم، ويقبض أرواحهم مثل فرعون الطاغية عندما أدركه الغرق قال: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90] .

أو تأتيهم ملائكة العذاب كما أتت الأقوام السابقة فأهلكتهم عن بكرة أبيهم، مع أن إيمانهم حينئذٍ لا ينفعهم، أم يطلبون إتيان الله عز وجل معاينةً كما طلبه بنو إسرائيل من نبيهم موسى عليه السلام عندما قالوا: {يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] .

أم ينتظرون أن تأتي أشراط الساعة الكبرى وعلاماتها -كطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك- حتى تلجئهم على الإيمان؟ فإنه إذا أتت علامات الساعة الكبرى، فلن ينفع إيمانٌ صاحبه لم يكن آمن قبل ظهور علامات الساعة الكبرى، أو كان صاحبه مؤمنًا قبل ذلك، ولكنه لم يكسب هذا الإيمان عملًا خيرًا صالحًا مقبولًا عند الله جل جلاله؛ وذلك لأن باب التوبة يغلق حينئذٍ 33.

ويؤكد هذا ما جاء عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم حين قال: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين: {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158] .ولتقومنَّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومن َّالساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومنَّ الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها) 34.

ومعنى (وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه، ولا يطويانه) : أي: عرض البائع الثوب على المشتري ليشتريه، فلا يتم هذا البيع؛ لقيام الساعة، وتقوم أيضًا (وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه) : أي انصرف الرجل بلبن ناقته، فلا يشربه، وتقوم أيضًا (وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه) : أي: الرجل يصلح حوضه فلا يسقي منه، وتقوم أيضًا (وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها) : أي: الرجل يرفع لقمته إلى فيه ليأكلها، فلا يكون له ذلك؛ لأن قيام الساعة قد حال بينه وبين أكلها فجأة، فهي أسرع من دفع اللقمة إلى الفم 35.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لا يجب انتظار وقوع علامات الساعة الكبرى، فلكل امرئٍ منا له ساعته التي سوف يحين فيها أجله، فينبغي على كل مرءٍ منا أن يجدد التوبة مع الله عز وجل دائمًا، ويكثر من الاستغفار، ويخلص في القول والعمل، ويكثر أيضًا من العمل الصالح؛ ليزيد من رصيده الإيماني، فينفعه يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله تعالى بقلب سليم.

ونعود إلى يونس عليه السلام، فإنه لم يصبر على قومه كما ينبغي، بل تعجل في الغضب منهم، وفارقهم دون أن يأمره الله تعالى بذلك. لأجل هذا الأمر نهى الله تعالى نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يكون مثل يونس عليه السلام في هذا الجانب، فقال سبحانه وتعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48] .

وحكم الله تعالى في رسله يتمثل في ثلاثة أمور كما بينها الماتريدي، حيث قال: «أحدها: ألا يدعوا على قومهم بالهلاك، وإن اشتد أذاهم من ناحيتهم حتى يؤذن لهم. والثاني: ألا يفارقوا قومهم وإن اشتد بهم البلاء إلا بإذن الله تعالى، والثالث: ألا يقصروا في التبليغ وإن خافوا على أنفسهم. ثم من وراء هذا عليهم أمران: أحدهما: أنهم أمروا ألا يغضبوا إلا لله تعالى، والثاني: ألا يحزنوا لمكان أنفسهم إذا آذاهم قومهم، بل يحزنوا لمكان أولئك القوم؛ إشفاقًا عليهم منه ورحمة بما يحل عليهم من العذاب بتكذيبهم الرسل، فهذا هو حكم ربهم» 36.

فالله عز وجل نهى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يكون حاله مشابهًا لحال يونس عليه السلام في عدم صبره الصبر المطلوب، وذهابه مغاضبًا ربه حتى ركب البحر، فثقلت السفينة، واقترع أهلها، وألقي به في البحر، وابتلعه الحوت، فحاله هذه هي التي أوصلته وأدت به إلى حبسه في بطن الحوت 37.

وقال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول -تعالى ذكره- لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاصبر يا محمد لقضاء ربك وحكمه فيك، وفي هؤلاء المشركين بما أتيتهم به من هذا القرآن، وهذا الدين، وامض لما أمرك به ربك، ولا يثنك عن تبليغ ما أمرت بتبليغه تكذيبهم إياك وأذاهم لك. وقوله: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} الذي حبسه في بطنه، وهو يونس بن متى صلى الله عليه وسلم فيعاقبك ربك على تركك تبليغ ذلك، كما عاقبه فحبسه في بطنه: {إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} يقول: إذ نادى وهو مغموم، قد أثقله الغمُّ وكظمه» 38.

شبهة:

وتتمةً لهذه السطور، فقد زعم بعض الحاقدين والطاعنين في القرآن الكريم أن القرآن أساء إلى أنبياء الله الكرام، وأنه انتقص من قدرهم وشأنهم، ومن ضمن هؤلاء الأنبياء يونس عليه السلام، فقالوا: كيف يعصي يونس أمر ربه؟ وكيف يظنُّ أنَّ الله القادر على كل شيء لن يقدر عليه؟ هل شكَّ يونس في قدرة الله؟

وعندما أرسله الله إلى أهل نينوى لم يذهب إليهم، بل ذهب إلى البحر، واستدلوا على زعمهم هذا بقوله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .

وأجاب السقار على هذه الشبهة، فقال: «والجواب: أن القارئ لن يجد كتابًا عند أمة من الأمم يعظم الأنبياء كما عظمهم القرآن الكريم، فهو الكتاب الوحيد الذي ينزه الأنبياء عن الكبائر والنقائص، فضلًا عن الكفر والشرك بالله تعالى. وقد فضل الله يونس مع إخوانه الأنبياء على العالمين: {وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 86] .

وإنما أتي القائل لهذه الشبهة من سوء فهمه للآية، فليس مقصودها أن يونس ظن أنه معجز الله بهربه، بل المعنى أنه ظَنَّ أن الله لن يقدر عليه، أي: لن يضيق عليه ويلومه في ترك قومه حين لم يستجيبوا لدعوته، فهي كقول الله تعالى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 7] .

أي: ضيق عليه، ومثله قوله تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرعد: 26] .

وهذا المعنى منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن غيره من التابعين. وحفاظًا على منزلة يونس بن متى في قلوب المؤمنين نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تفضيل المرء نفسه على هذا النبي الكريم: (لا ينبغي لعبد أن يقول إنه خير من يونس بن متى) 39.

وفي رواية: (من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب) 40.

فثبت بذلك براءة القرآن من فرية الإساءة إلى يونس عليه السلام» 41.

كما رد علي بن نايف الشحود على هذه الشبهة، فذكر رد الإمام ابن حزم إذ قال: «أما إخبار الله تعالى أن يونس ذهب مغاضبًا فلم يغاضب ربه قط، ولا قال الله تعالى إنه غاضَبَ ربَّهُ، فمن زاد هذه الزيادة كان قائلًا على الله الكذب، وزائدًا في القرآن ما ليس فيه، هذا لا يحلُّ ولا يجوز أن يظنَّ بمن له أدنى مسكة من عقل أنه يغاضب ربه تعالى فكيف أن يفعل ذلك نبي من الأنبياء، فعلمنا يقينا أنه إنما غاضب قومه ولم يوافق ذلك مراد الله عز وجل فعوقب بذلك وإن كان يونس عليه السلام لم يقصد بذلك إلا رضا الله عز وجل» 42.

وذكر القرطبي في قوله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .

حيث قال: «قيل: معناه استزله إبليس ووقع في ظنه إمكان ألا يقدر الله عليه بمعاقبته. وهذا قولٌ مردودٌ مرغوبٌ عنه؛ لأنه كفرٌ. روي عن سعيد بن جبيرٍ حكاه عنه المهدوي، والثعلبي عن الحسن. وذكر الثعلبي وقال عطاءٌ وسعيد بن جبيرٍ وكثيرٌ من العلماء معناه: فظنَّ أَنْ لَنْ نُضيِّقَ عليه. قال الحسن: هو من قوله تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرعد: 26] . أي: يضيق. وقوله {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7] .

قلت: وهذا الأشبه بقول سعيدٍ والحسن. وقَدَرَ وقُدِرَ وقَتَرَ وقُتِرَ بمعنى، أي: ضيق. وهو قول ابن عباسٍ فيما ذكره الماوردي والمهدوي. وقيل: هو من القدر الذي هو القضاء والحكم، أي: فظن أن لن نقضي عليه بالعقوبة، قاله قتادة ومجاهدٌ والفراء. مأخوذٌ من القدر وهو الحكم دون القدرة والاستطاعة» 43.

ثم عقب الشحود بقوله: «فكلمة {نَقْدِرَ عَلَيْهِ} لا تشير ههنا إلى معنى الاستطاعة، فهذا ما لا يظنه آحاد الناس فضلًا عن نبيٍّ، وإنما تشير إلى معنى التضييق، فيونس عليه السلام لما دعا قومه للتوحيد، ونفروا منه آذوه، تركهم غضبانًا لله، ولم يظن أن الله يحاسبه ويضيق عليه لذلك، وإنما حاسبه الله؛ لأنه لم يصبر عليهم، وخرج منهم قبل الإذن، كما قال تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} وقد نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأمر، وحذر من أن يسيء إنسان الظن بنبي الله يونس فقال عليه الصلاة والسلام: (لا يقولنَّ أحدكم إني خير من يونس) 44.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال، يعني الله تبارك وتعالى: (لا ينبغي لعبدٍ لي، وقال ابن المثنى: لعبدي، أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى عليه السلام) 45.

وقال عليه الصلاة والسلام: (ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب) 46.

وهذا من تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم لشأن إخوانه الأنبياء ودفاعه عنهم عليهم صلوات الله أجمعين» 47.

يعد هذا المشهد هو الأطول ذكرًا في القرآن الكريم من مشاهد قصة يونس عليه السلام في القرآن.

يقول الله عز وجل: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [الصافات: 139 - 148] .

ذكرنا فيما سبق أن يونس عليه السلام ارتكب ذنبًا كبيرًا على الأنبياء أمثاله، وهو خروجه وهروبه من المدينة التي بعثه الله تعالى إلى دعوة أهلها إلى الحق من غير إذنٍ من الله عز وجل، فقال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] .

والمعنى المناسب لهذه الآية في حقِّ الأنبياء المعصومين من الخطأ: «فظن أن لن نضيق عليه، أي: ظن أننا لن نلزمه بالذهاب إلى القوم الذين أرسل إليهم، ولا نلجئه إلى تبليغ رسالة الله تعالى إليهم، والمراد: أنه تأول الأمر، وهو أمر الذهاب إلى قومه على أنه أمر إرشاد لا أمر وجوب، ولا إثم في مخالفته، كما تأول الفقهاء كتابة الدين المأمور به في قوله تعالى: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] .

على أنه أمر ندب وإرشاد، ففهم الأمر على هذا الوجه» 48.

ذكر الرازي اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: {إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} ، وبين أن ما قالوه لا يجوز على الأنبياء، فقال بعضهم: إن يونس عليه السلام أبق وهرب من الله تعالى، وذكر الرازي بطلان هذا القول، فقال: «وهذا بعيد؛ لأن ذلك لا يقال إلا فيمن يتعمد مخالفة ربه، وذلك لا يجوز على الأنبياء.

واختلفوا فيما لأجله صار مخطئًا، فقيل: لأنه أمر بالخروج إلى بني إسرائيل، فلم يقبل ذلك التكليف وخرج مغاضبًا لربه، وهذا بعيد سواء أمره الله تعالى بذلك بوحي أو بلسان نبي آخر، وقيل: إن ذنبه أنه ترك دعاء قومه، ولم يصبر عليهم. وهذا أيضًا بعيد؛ لأن الله تعالى لما أمره بهذا العمل فلا يجوز أن يتركه» 49.

ثم ذكر أنَّ الأقرب في معنى الآية وجهان:

«الأول: أن ذنبه كان لأن الله تعالى وعده إنزال الإهلاك بقومه الذين كذبوه فَظَنَّ أنه نازل لا محالة، فلأجل هذا الظن لم يصبر على دعائهم، فكان الواجب عليه أَنْ يستمرَّ على الدعاء لجواز أن لا يهلكهم الله بالعذاب وإن أنزله، وهذا هو الأقرب؛ لأنه إقدام على أمر ظهرت أماراته، فلا يكون تعمدًا للمعصية، وإن كان الأولى في مثل هذا الباب أن لا يعمل فيه بالظنِّ، ثم انكشف ليونس من بعد أنه أخطأ في ذلك الظنِّ؛ لأجل أنه ظهر الإيمان منهم، فذلك معنى قوله: {إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ} .

الثاني: أن يونس كان وعد قومه بالعذاب، فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمستور عنهم فقصد البحر وركب السفينة، فذلك هو قوله: {إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ} » 50.

وبعد ذلك قصد يونس عليه السلام البحر، وركب السفينة المملوءة بالركبان والأمتعة، فثقلت السفينة واضطربت، فقال الملاحون: إن بيننا عبدًا آبقًا من سيده. فاحتاجوا إلى إلقاء بعض الركاب في البحر، وكأنهم لم يجدوا في هذا الأمر مزيةً لأحد، فالكلُّ سواء، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس عليه السلام ثلاث مرات، عندئذٍ قال يونس عليه السلام: أنا العبد الآبق، وزج بنفسه في الماء، {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ} وابتلعه، وكان في وقت التقام الحوت إياه ملامًا على فعلته، وهي مغاضبته لربه عز وجل، فكان مستحقًّا للوم من الله تعالى؛ لأنه غادر قومه وخرج من غير إذنه تعالى، أو غادر قبل أن يوجهه الله تعالى إلى قوم آخرين 51.

وهذا يرشدنا إلى عدم التصرف بأمرٍ قبل معرفة حكم الله تعالى فيه 52.

ثم ذكر الله عز وجل أنه لولا أنَّ يونس عليه السلام كان من المسبحين قبل حدوث هذه الحادثة له، أي: في وقته السابق بكثرة عبادته لله تعالى، وتسبيحه، وتحميده، أو أنه كان من المسبحين في بطن الحوت كما أخبر الله عز وجل عنه حيث قال: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .

فبدأ يونس عليه السلام بالتوحيد: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ} ، ثم بالتنزيه والتسبيح: {سُبْحَانَكَ} ، ثم بالاستغفار والإقرار بالذنب: {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} ، فاجتمعت عليه ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، ونادى: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} ، أي: تنزهت يا رب عن النقص والظلم، وقد كنت من الظالمين لنفسي، وأنا الآن من التائبين النادمين، فاكشف عني هذه المحنة.

وفي الحديث: (دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} ، فإنه لم يدع بها مسلمٌ ربه في شيءٍ قط إلا استجاب له) 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت