وصاحب الدعوة إلى الله يلجأ إلى الله ويلوذ إليه وهو مدرك أنه لن يؤذيه شيء إلا بإذن ربه، ولكن قد يؤذى المرء كثيرًا وهو سائر في طريق الله، ليس عقابًا أو عجزًا عن حمايته ولا تخليًا منه سبحانه وتعالى عن نصرة أوليائه، ولكن ابتلاء لعباده الصالحين للتربية والتمحيص والتدريب، واستدراجًا لعباده الطالحين للإعذار والإمهال والكيد المتين.
لقد كان أبو بكر رضي الله عنه يتناوله المشركون بالأذى، ويضربون وجهه الكريم بالنعال المخصوفة يحرفونها إلى عينيه ووجهه، حتى تركوه وما يعرف له فم من عين، فما كان منه إلا أن يردد طوال هذا الاعتداء «رب ما أحلمك! رب ما أحلمك! رب ما أحلمك! ... » 40 فقد كان يعرف في قرارة نفسه ما وراء هذا الأذى من حلم ربه، لقد كان واثقًا أن ربه لا يعجز عن تدمير أعدائه، كما كان واثقًا أن ربه لا يتخلى عن أوليائه الصاحين! 41.
1.لقد انتهج القرآن الكريم العديد من المناهج لإثبات الألوهية، وجميع هذه المناهج والأدلة يمكن فهمها واستيعابها لجميع البشر وعلى جميع المستويات؛ لأنها من لدن عليم خبير، فلا يكون عذر لبشر بعد إقامة الأدلة على وحدانية الله، في وجود العقل، وتكوين الفطرة.
أولًا: المنهج الفطري:
يقرر القرآن الكريم حقيقةً كبيرةً، وهي أن الإنسان قد خلقه الله على فطرة سليمة تتجه إلى بارئها وتلجأ إليه، فقد جبلت النفوس على معرفة خالقها سبحانه وتعالى، منذ أن أخذ الله جل جلاله العهد والميثاق على أبناء آدم يتضمن الاعتراف على أنفسهم أن الله ربهم ومالكهم وأنه لا إله إلا الله، وذلك حين خلق آدم وأخذ من ظهور ذريته ذريتهم في عالم الذرة، حيث قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) } [الأعراف: 172] 42.
وكل مولود في هذا الوجود يولد على الفطرة؛ ولذلك يخاطب الله تعالى الإنسان ويذكره بهذه الفطرة بأسلوب وجداني حي؛ ليوقظ إحساسه بالأمور الإيمانية والعقيدة، وأهمها: توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة.
ولقد سلك القرآن الكريم المنهج الفطري للتعرف على الله وإثبات ألوهيته، يعرض القرآن الكريم قضية التوحيد، ويدعو الناس لتوحيد الله ونبذ الشركاء والأنداد، ويقيم الحجج والبراهين على وحدانية الله تعالى، فقد دعا إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض، وجعل هذا النظر والتفكر هو المنهج القويم لمن يريد أن يعرف الله ويؤمن به من خلال المشاهدات المحسوسة اليسيرة التي يتعامل معها الناس جميعًا.
وآثار الله سبحانه وتعالى تتجلى لنا في هذا الوجود الذي تعمل فيه حواسنا وعقولنا دون أن تقع في مجال الحس والإدراك؛ ولهذا فرض الله سبحانه وتعالى معرفة ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله على العباد من خلال آثاره في الآفاق وفي أنفسهم؛ حتى يتبين للناس جميعًا أنه الحق 43.
فمن المشاهدات الأولية اليسيرة في حياة الناس يكون التوصل إلى الإيمان بخالق الكون ومدبره قيوم السماوات والأرض بالنظر والتفكر والتدبر والتذكر، فلا نقرأ الآيات إلا ونراها تعرض علينا الأكوان، وتأمرنا بالنظر فيها واستخراج أسرارها؛ لذا كانت كل الأدلة ملموسة في حياتنا 44.