فهرس الكتاب

الصفحة 1645 من 2431

قال تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ? يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) [الأنعام: 3] .

وقال تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ? أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ? إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [هود: 5] .

والاستغشاء بالثياب بمعنى التغطية، حملها بعض المفسرين على المجاز، وحملها بعضهم على الحقيقة، بمعنى التغطية بالثياب أو الاستغشاء بها في البيوت حين النوم، أو أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم 29.

وعلى كلٍ فقد جاءت جملة (يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) مستأنفة لبيان أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأن الله سبحانه يعلم ما يسرونه في أنفسهم أو في ذات بينهم وما يظهرونه فالظاهر والباطن عنده سواء والسر والجهر سيان وجملة (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) تعليل لما قبلها وتقرير له وذات الصدور هي الضمائر التي تشتمل عليها الصدور وقيل هي القلوب والمعنى: إنه عليم بجميع الضمائر أو عليم بالقلوب وأحوالها في الإسرار والإظهار فلا يخفى عليه شيء من ذلك 30.

وقال تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) [النحل: 19] .

والمعنى: والله يعلم ما تسرون «في قلوبكم» وما تعلنون «بالقول ويقال ما تخفون من أعمالكم» وما تعلنون أي: تظهرون منها فالسر والعلانية عنده سواء 31.

وقال تعالى: (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [التغابن: 4] .

وقدم السر على العلن ليكون بمثابة النعي عليهم من أول الأمر ما صنعوا وإيذانا بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه وتحقيقا للمساواة بين العلمين على أبلغ وجه؛ فكأن علمه سبحانه بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه وحاصل المعنى يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سرهم وعلنهم فكيف يخفى عليه سبحانه ما عسى أن يظهروه 32.

وقال تعالى (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ? إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ?13?أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ?14?) [الملك: 13 - 14] .

والمعنى: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم أو جهرتم به «إنه عليم بذات الصدور» يعني بما في القلوب من الخير والشر.

وذلك أن جماعة من الكفار كانوا يتشاورون فيما بينهم فقال بعضهم لبعض لا تجهروا بأصواتكم فإن رب محمد صلى الله عليه وسلم يسمع فيخبره قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم قل لهم يا محمد (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ) ؛ فإنه يعلم به؛ ثم أخبر بما هو أخفى من هاتين الحالتين فقال: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) يعني: فكيف لا يعلم قول السر ثم قال عز وجل (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) يعني: ألا يعلم السر من خلق السر يعني هو خلق السر في قلوب العباد فكيف لا يعلم بما في قلوب العباد 33.

ثالثًا: التصريح بعلم السر فقط، والعلن معلوم بالتبعية.

وذلك في قول الله تعالى: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الفرقان: 6] ؛ والمعنى «قل يا محمد أنزل هذا القرآن الذي يعلم السر، فهو عالم الغيب، فلا يحتاج إلى معلم، وذكر «السر» دون الجهر؛ لأنه من علم السر فهو في الجهر أعلم» 34.

وقيل: «وخص السر للإشارة إلى انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر» 35.

رابعًا: التصريح بعلم درجات السر أو الخفاء.

حيث تجد بعض الآيات ورد فيها لفظ السر فقط، وبعضها ورد فيها التعبير بالسر والخفاء، أو بمعنى آخر درجات السر، كالسر والنجوى وذلك واضح في المواضع التالية:

قال جل شأنه: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [التوبة: 78] .

والمعنى: ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم يكفي يتجرؤن على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر 36.

وقال الله تعالى: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه: 7] .

وفي معنى السر وأخفى في هذه الآية ست تأويلات:

أحدها: أن «السر» ما حدث به العبد غيره في السر «وأخفى» ما أضمره في نفسه، ولم يحدث به غيره.

قاله ابن عباس رضي الله عنهما.

الثاني: أن السر ما أضمره العبد في نفسه. وأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد في نفسه.

قاله قتادة وسعيد بن جبير رضوان الله عليهم.

الثالث: يعلم أسرار عباده، وأخفى سر نفسه عن خلقه، قاله ابن زيد.

الرابع: أن السر ما أسره الناس، وأخفى: الوسوسة، قاله مجاهد رضي الله عنه.

الخامس: أن السر ما أسره من علمه وعمله السالف، وأخفى: وما يعلمه من عمله المستأنف. قاله الكلبي.

السادس: السر: العزيمة، وما هو أخفى: هو الهم الذي دون العزيمة 37.

روى سفيان الثوري بسنده عن أبي داود عن الضحاك في قوله يعلم السر وأخفى قال «السر ما حدثت به نفسك واخفى ما لم تحدثك به» 38.

وقال تعالى: رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ? وَمَا يَخْفَى? عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [إبراهيم: 38] .

وهذه الآية جاءت في معرض قصة الخليل إبراهيم عليه السلام، وذلك حين طلب من الله تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم، ذكر أنه لا يعلم عواقب الأحوال ونهايات الأمور في المستقبل، وأنه تعالى هو العالم بها المحيط بأسرارها، فقال: رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ) والمعنى: أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منا، قيل: (مَا نُخْفِي) من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسمعيل، (وَمَا نُعْلِنُ) من البكاء، وقيل: (( مَا نُخْفِي) من الحزن المتمكن في القلب (وَمَا نُعْلِنُ) يريد ما جرى بينه وبين هاجر حيث قالت له عند الوداع إلى من تكلنا؟ فقال إلى الله أكلكم، قالت آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذًا لا نخشى 39.

قال الرازي في قوله تعالى: وَمَا يَخْفَى? عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) «وفيه قولان:

أحدهما: أنه كلام الله عز وجل تصديقًا لإبراهيم عليه السلام كقوله: (وَكَذَ?لِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل: 34] .

والثاني: أنه من كلام إبراهيم عليه السلام يعني وما يخفي على الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان؛ ولفظ «من» يفيد الاستغراق كأنه قيل: وما يخفى عليه شيء ما» 40.

وقال تعالى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ? بَلَى? وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف: 80] .

والمراد بذلك ما أضمروه في قلوبهم وما تناجوا به بينهم 41.

وقد روي أن هذا نزل في ثلاثة نفر كانوا بين الكعبة وأستارها؛ فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا؟ وقال الثاني: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع. وقال الثالث: إن كان يسمع إذا أعلنتم فهو يسمع إذا أسررتم، وهو مروي عن ابن مسعود 42.

خامسًا: التصريح بالعلم المطلق:

قال تعالى: (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ? وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) 43 [الأنبياء: 4] .

والمراد كما يتلخص من كلام بعض المفسرين أن «القول» عام يشمل السر والجهر فكأن في العلم به العلم بالسر وزيادة فكأن آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول: (يَعْلَمُ السِّرَّ) كما أن قوله تعالى: (يَعْلَمُ السِّرَّ) آكد من أن يقول يعلم سرهم فإن قلت فلم ترك الآكد في سورة الفرقان في قوله: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الفرقان: 6] .

قلت: ليس بواجب أن يجيء بالآكد في قوله في كل موضع، ولكن يجيء بالتوكيد مرة وبالآكد مرة أخرى 44.

وقال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: 14] .

وهذه الآية نزلت عقيب آية (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ) وقد سبق الكلام عنها، وجاء قوله: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) ألا يعلم السر من خلق السر يعني هو خلق السر في قلوب العباد فكيف لا يعلم بما في قلوب العباد 45.

سادسًا: التصريح بعلم الغيب والشهادة:

ورد في القرآن الكريم في حوالي عشرة مواضع علم الله تعالى بالغيب والشهادة 46، ولم أذكر هذه الآيات في صلب البحث، منعا للإطالة بل أكتفي بذكر مواضعها في بعض الآيات، أو مواضعها إجمالًا.

فقول الله تعالى: (عالم الغيب الشهادة) الوارد في مواضع عدة، فسر الغيب والشهادة فيه بأنها السر والعلانية، كما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس في قوله عالم الغيب والشهادة قال: السر والعلانية 47.

وقد ذكر تفسير الغيب والشهادة بالسر والعلانية عند جمع من المفسرين منهم الطبري، والنسفي، والسلمي وقد حكاه عن سهل التستري، والرازي، والسمعاني في آيات المؤمنون والزمر والحشر. والقرطبي في سورة الجمعة، وابن عجيبة في المؤمنون والزمر والحشر 48.

أما السمرقندي فقد فسر الغيب والشهادة أو حكى تفسيرهما بأن المراد بهما السر والعلن في آيات الأنعام والرعد والمؤمنون والسجدة والزمر والحشر؛ كما هو مذكور في هذه المواضع من كتبه 49.

ولذلك ذكر فقهاء الحنفية 50 والشافعية 51 والحنابلة 52 أن التغليظ في اليمين هو أن يحلف القاضي المتهم بلفظ نحو «والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الطالب الغالب، المدرك المهلك، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الكبير المتعال» ونحو ذلك من الألفاظ يزيد عليها أو ينقص منها، غير أن جميعها تتفق على أن التغليظ يتضمن «عالم الغيب والشهادة» و «السر والعلانية» .

أما المالكية فقد ذكروا في التغليظ في يمين اللعان، والقسامة لفظ «عالم الغيب والشهادة» ولم يذكروا ألفاظ مثل السر والعلن 53.

العلن المحمود مبسوط في مواضع كثيرة في القرآن الكريم، ومن تلك الصور:

أولًا: الدعوة إلى الله تعالى:

الدعوة إلى الله تعالى أمر ضروري لنشر الدين، والدعوة تتطلب كلامًا معلنًا يجهر به الداعي حتى تؤثر دعوته وتؤتي ثمارها، وقد وردت نصوص في القرآن الكريم تحث على ذلك، وتبين دعوة بعض الأنبياء إلى أقوامهم، وقد عبر القرآن عن الدعوة إلى الله تعالى بأساليب مختلفة، أبرزها على النحو التالي:

1.الدعوة إلى الله تعالى على جهة العموم بدون إشارة إلى السر والجهر.

وذلك نجده واضحًا في آيات مثل قول الله تعالى (قُلْ هَ?ذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ? عَلَى? بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ? وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف: 108] .

وذكر ابن عجيبة في إشاراته حول الآية الكريمة أن العبد لا يصلح أن يكون داعيًا إلى الله حتى يكون على بصيرة من ربه، بحيث لا يبقى فيه تقليد بحت، ولا يختلجه شك ولا هم، والدعاة إلى الله على ثلاث مراتب: فمنهم من يدعو على بصيرة الإسلام؛ وهم الدعاة إلى معرفة أحكام الله وشرائعه، ومنهم من يدعو على بصيرة الإيمان، وهم الدعاة إلى معرفة صفات الله تعالى وكمالاته، ومعرفة ما يجب له تعالى وما يستحيل وما يجوز على طريق البرهان الواضح، ومنهم من يدعو إلى الله على بصيرة الإحسان، وهم الدعاة إلى معرفة الذات العلية على نعت الشهود والعيان، من طريق الذوق والوجدان؛ وهم العارفون بالله وهذه -أي: المرتبة الثالثة- الدعوة الحقيقية والبصيرة النافذة، وأهل هذا المقام هم اهل التربية النبوية، فدعوة هؤلاء أكثر نفعًا، وأنجح تأثيرًا؛ في زمن يسير؛ يهدي الله على أيديهم الجم الغفير 54.

وقوله جل شأنه: (ادْعُ إِلَى? سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ? وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ? وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [النحل: 125] .

والمراد الدعوة إلى دين ربك وطاعته عز وجل (بِالْحِكْمَةِ) أي: بالنبوة والقرآن (وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِھ) أي: عظهم بالقرآن (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي: حاججهم وناظرهم بالحجة والبيان، أو باللين، وفي الآية دليل أن المناظرة والمجادلة في العلم جائزة إذا قصد بها إظهار الحق 55.

وهذه الآية تضمنت أصول الدعوة إلى الله تعالى باعتبار حال المدعو، كما ذكره الإمام الرازي حيث قال: «اعلم أنه تعالى أمر رسوله أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالطريق الأحسن، وقد ذكر الله تعالى هذا الجدل في آية أخرى فقال: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [العنكبوت: 46] .

ولما ذكر الله تعالى هذه الطرق الثلاثة وعطف بعضها على بعض، وجب أن تكون طرقًا متغايرة متباينة» 56.

ثم قال: «فظهر بهذا التقسيم انحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة:

أولها: الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية، وذلك هو المسمى بالحكمة، وهذه أشرف الدرجات وأعلى المقامات، وهي التي قال الله في صفتها: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ?) [البقرة: 269] .

وثانيها: الأمارات الظنية والدلائل الإقناعية وهي الموعظة الحسنة.

وثالثها: الدلائل التي يكون المقصود من ذكرها إلزام الخصوم وإفحامهم، وذلك هو الجدل» 57.

قلت: والمعروف أن الدعوة والمناظرة لا يكونان إلا علنًا، وكل ما دار من مناظرات بين الأنبياء عليهم السلام وأقوامهم وخصومهم إنما كان بطريق الجهر لا بطريق الخفاء.

وقول الله تعالى: (لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ? فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ? وَادْعُ إِلَى? رَبِّكَ ? إِنَّكَ لَعَلَى? هُدًى مُّسْتَقِيمٍ(67 ) ) [الحج: 67] .

والمراد بالدعوة إلى الله تعالى هنا -كما ذكره جمهور المفسرين- الدعوة إلى دينه وإلى توحيده عز وجل، وأن الخطاب فيها للنبي عليه الصلاة والسلام وأمر أن لا يخص بالدعاء أمة دون أخرى، فكلهم أمته صلى الله عليه وسلم 58.

وقوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ?33?) [فصلت: 33] .

وهنا نلحظ أن الدعوة اقترنت بالعمل الصالح، وجرى خلاف في المقصود في الآية على ثلاثة أقوال:

أولها: وهو قول الحسن أنها عامة لجميع المؤمنين.

وثانيها: وهو قول ابن سيرين أن المقصود بها النبي صلى الله عليه وسلم، ودعوته الناس إلى توحيد الله عز وجل.

وثالثها: وهو قول السيدة عائشة أنها نزلت في المؤذنين 59.

قلت: ولا مانع من دخول كل الدعاة في الآية الكريمة، كما ذكره الرازي أن الحق المقطوع به أن كل من دعا إلى الله بطريق من الطرق فهو داخل فيه، والدعوة إلى الله مراتب:

فالمرتبة الأولى: دعوة الأنبياء عليهم السلام.

والثانية: دعوة العلماء.

والثالثة: دعوة المؤذنين 60.

ثم ذكر رحمه الله هذه المراتب بأن جعل دعوة الأنبياء عليهم السلام راجحة على دعوة غيرهم، وأن العلماء فإنهم يبنون دعوتهم على دعوة الأنبياء، وأن المؤذنين يدخلون في هذا الباب دخولًا ضعيفًا، أما دخولهم فيه فلأن ذكر كلمات الأذان دعوة إلى الصلاة، فكان ذلك داخلًا تحت الدعاء إلى الله، وأما كون هذه المرتبة ضعيفة فلأن الظاهر من حال المؤذن أنه لا يحيط بمعاني تلك الكلمات وبتقدير أن يكون محيطًا بها إلا أنه لا يريد بذكرها تلك المعاني الشريفة 61.

2.دعوة الأنبياء إلى الله تعالى ومحاوراتهم لأقوامهم بين السرية والجهرية.

تضمن القرآن الكريم العشرات من مواضع دعوة الأنبياء أقوامهم إلى الله تعالى، وما دار بينهم وبين أقوامهم من حوار ومناظرة، وجدال، ولم ينص القرآن على الجهر بذلك في أكثر المواضع، إلا أن الذي يفهم من سياق الآيات أن تلك الدعوة غلب عليها طابع الجهر.

وإذا ذهبنا نتتبع هذه المواضع تفصيلا لطال بنا المقام في هذا الجانب، ولكن يكفي أن نشير إلى أشهر مواطن الدعوة إلى الله تعالى على لسان الأنبياء والرسل عليهم السلام إجمالا على هذا النحو:

-سيدنا نوح عليه السلام: دعا قومه إلى الله تعالى سرًا وجهرًا، وأمضى قرونا عديدة في دعوتهم رجاء هدايتهم، وذكرهم بنعم الله تعالى عليهم، وذلك في سورة الأعراف «الآيات 59 - 64» ، وسورة هود «25 - 49» ، وسورة الشعراء «الآيات 105 - 122» ، وسورة نوح كاملة.

-سيدنا هود عليه السلام: دعا قومه جهرة إلى عبادة الله تعالى وذكرهم بنعمه عليهم، وحذرهم عذابه، فلم يستجيبوا له فكان عاقبتهم السوء في الدنيا والآخرة، وذلك في سورة الأعراف «الآيات 65 - 72» ، وسورة هود «50 - 60» ، وسورة الشعراء «الآيات 123 - 140» .

-سيدنا صالح عليه السلام: دعا قومه إلى الله تعالى جهرًا وذكرهم بنعم الله تعالى عليهم وحذرهم عذابه، وحذرهم من التعرض للناقة بسوء، فلم يأبهوا لدعوته، فكان جزاؤهم الهلاك والدمار، وذلك في سورة الأعراف «الآيات 73 - 79» ، وسورة هود «الآيات 61 - 68» ، وسورة الشعراء «الآيات 141 - 159» ، وسورة النمل «الآيات 45 - 53» .

-سيدنا إبراهيم عليه السلام: ناظر النمروذ بن كنعان فغلبه كما في سورة البقرة «الآية 258» ، ودعا قومه إلى عبادة الله، وناظرهم في عبادتهم للأصنام كما في سورة الأنعام «الآيات 74 - 83» ، ودعا أباه إلى الله وحاججه في كفره كما في سورة مريم «الآيات 41 - 49» ، ودعا قومه إلى الله، وحاججهم في عبادة الأصنام وفي اعتراضهم على تحطيمه لها، كما ورد في أكثر من عشرين آية من سورة الأنبياء «الآيات 51 - 72» ، وكل صور الدعوة السابقة كانت جهارًا، إلا ما كان من دعوته لأبيه وحواره معه، حيث لم أقف على ما يفيد هل كان ذلك سرًا أو جهرًا.

-سيدنا لوط عليه السلام: ناظر قومه جهرًا في إتيانهم الفاحشة والجهر بها، فلم يستجيبوا له بل تمادوا في غيهم وضلالهم، فدمر الله تعالى بيوتهم وأموالهم، وأهلكهم، وذلك كما في سورة الأعراف «الآيات 80 - 84» وسورة هود «الآيات 77 - 83» ، وسورة الشعراء «الآيات 16 - 175» ، وسورة النمل «الآيات 54 - 58» .

-سيدنا شعيب عليه السلام: دعا قومه إلى الله تعالى جهرة، وبين لهم قبح صنيعهم من قطع الطرقات، والتطفيف في الكيل والبخس في الميزان، وأكل أموال الناس بالباطل، وذلك في آيات سورة الأعراف «الآيات 85 - 93» ، وسورة هود «الآيات 84 - 95» ، وسورة الشعراء «الآيات 176 - 191» .

-سيدنا موسى عليه السلام: وقصته في الدعوة إلى الله تعالى والجهر بها، ومحاوراته مع فرعون والسحرة، ومحاوراته مع قومه مبسوطة في مواضع عدة من كتاب الله تعالى، أشير إلى أبرزها بإيجاز:

1.حواره مع قومه بشأن ذبح البقرة في الآيات «65 - 73» من سورة البقرة.

2.حواره معهم بشأن دخول الأرض المقدسة وامتناعهم من ذلك في الآيات «20 - 26» من سورة المائدة.

3.حواره مع فرعون وقصة السحرة في الآيات «103 - 126» من سورة الأعراف، والآيات «76 - 81» من سورة يونس، والآيات «101 - 104» من سورة الإسراء، والآيات «48 - 73» من سورة طه، والآيات «18 - 68» من سورة الشعراء.

4.حواره مع قومه حين طلبوا اتخاذ إله لهم في الآيات «138 - 141» من سورة الأعراف.

5.حواره مع قومه وأخيه هارون حين اتخذوا العجل معبودًا لهم خلال غيابه على جبل الطور، وذلك في الآيات «148 - 154» من سورة الأعراف، والآيات «83 - 98» من سورة طه.

3.جهر سيدنا نوح عليه السلام بالدعوة نموذجًا.

وهذا ما صرحت به آيات سورة نوح عليه السلام (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ?5?فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ?6?وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ?7?ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ?8?ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ?9?) [نوح: 5 - 9] .

ويلحظ في الآيات الكريمة مواطن عدة وأساليب مختلفة قام بها نبي الله نوح عليه السلام في الدعوة تعطي معنى العلن والجهر، فدعوة الليل والنهار فيها سر وعلن، وتغطية وجوههم وسد آذانهم إنما يفيد العلنية في الدعوة، والجهر بالدعوة واضح ومصرح به.

روي عن ابن عباس في قوله: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا) أي: بأعلى صوته 62، وروي عن مجاهد قال: الجهار الكلام المعلن به 63.

وذكر الطبري أن قوله: (ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) يقول: صرخت لهم، وصحت بالذي أمرتني به من الإنذار، وأورد رواية عن مجاهد: (أَعْلَنْتُ لَهُمْ) يقول: صحت بهم 64.

وذكر الألوسي أن المراد بالآيات: دعوتهم مرة بعد مرة وكرة غب كرة على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة وهو تعميم لوجوه الدعوة بعد تعميم الأوقات، وقوله: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا) يشعر بمسبوقية الجهر بالسر وهو الأليق بمن همه الإجابة لأنه أقرب إليها لما فيه من اللطف بالمدعو فثم لتفاوت الوجوه؛ وإن الجهار أشد من الإسرار والجمع بينهما أغلظ من الإفراد.

وحكى عن بعض الأجلة من العلماء أنه ليس في النظم الجليل ما يقتضي أن الدعوة الأولى كانت سرا فقط فكأنه أخذ ذلك من المقابلة ومن تقديم قوله: (لَيْلًا) وذكرهم بعنوان «قومه» وقوله: (فِرَارًا) فإن القرب ملائم له وجوز كون: (ثم) على معناها الحقيقي وهو التراخي الزماني لكنه باعتبار مبدأ كل من الإسرار والجهار ومنتهاه وباعتبار منتهى الجمع بينهما لئلا ينافي عموم الأوقات السابق 65.

4.جهر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة.

اتفق العلماء على أن مرحلة جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة كان بموجب قول الله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ?94?) [الحجر: 94] 66، وأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالجهر بالدعوة بعد أن كانت في السر، وكذلك قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ?214?) [الشعراء: 214] .

وكان الامتثال لذلك بأن قام عليه الصلاة والسلام بجمع قريش على الصفا ونادى عليهم بطنا بطنا وشعبا شعبا ودعاهم إلى الله تعالى، فمنهم من استجاب ومنهم من أعرض 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت