ومن صفات المؤمنين: التأثر والخشوع عند سماع القرآن الكريم، قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83] .
ثانيًا: أسلوب الذم:
ذم القرآن أولئك الذين لا يعملون بما سمعوه من حق، وجعلهم كالصم K بل في دركة أدنى من الحيوان {وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف: 179] .
بل جعل القرآن من لا يؤمن بما سمع من الحق كالميت K قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80 - 81] ، فالله تعالى يعلم نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنه ليس بهادٍ عن الضلالة من أعماه الله عن الهدى والرشاد، وأمات قلبه، ولا يمكنه أن يسمع إلا من يصدق بآياته؛ فهم مسلمون مطيعون مستجيبون لما دعوتهم إليه 32.
وقال الواحدي: «إنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه من التوحيد؛ كالميت الذي لا سبيل إلى إسماعه، وكالصم الذين لا يسمعون، وما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى وأعمى قلبه عن الإيمان» 33.
ثالثًا: أسلوب الأمر:
أتى ذلك في آيات عديدة مثل قوله تعالى لبني إسرائيل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا} [البقرة: 93] .
ففي هذه الآية أمر الله تعالى بني إسرائيل بالأخذ بما نزل في كتابهم بثبات وعزم وفاعلية، ثم أمرهم بالسمع الذي يفيد الطاعة المباشرة، واختلف السياق حينما تحدث القرآن عن المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالأسلوب نفسه فقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} [التغابن: 16] فالفرق هنا أن الأمر بالسمع جاء بعد الأمر بالتقوى بقدر الاستطاعة.
وأما خطاب بني إسرائيل فكان الأمر فيه مشددًا ومؤكدًا بتذكيرهم بعهد الله عليهم بالأخذ بأوامر التوراة بقوة ونشاط وجد والاستماع والطاعة لما فيها من أوامر إلا أن بني إسرائيل تعنتوا في طاعة نبيهم موسى عليه السلام فقالوا: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [البقرة: 93] .
ويأمر الله تعالى المؤمنين بالاستماع والإنصات إلى آيات الله عند ما تتلى عليهم؛ ليتدبروها، ويتفكروا بها؛ طمعًا في أن تتنزل عليهم رحمة الله تعالى فقال: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] .
وكذلك يأمر الله تعالى الناس مؤمنهم وكافرهم أن يستمعوا لمثل من أمثاله العجيبة، التي يضربها الله تعالى في القرآن؛ لإثبات وحدانيته وقدرته على الخلق والإبداع؛ فيؤمن به المؤمنون، وتقوم به الحجة على الكافرين، وليثبت لهم انتفاء ألوهية من سواه سبحانه، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73] .
فالخلق كلهم ليسوا فقط عاجزين عن خلق ذباب، بل هم أضعف من ذلك، إن سلبهم الذباب شيئًا لا يستطيعون إرجاعه؛ لأنه تحلل بمجرد امتصاص الذباب له، فمن عجز عن فعل ذلك؛ فهو عاجز -من باب أولى- أن يخلق، فإن ثبت عجزه؛ ثبت أنه ليس بإله، فكيف له أن يدعي الألوهية من دون الله تعالى؟! ومن هنا كان جديرًا بكل الناس أن يستمعوا لهذا المثل؛ ليعتبروا.
رابعًا: أسلوب النهي:
ورد ذلك في مثل قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 21] .
فجاء النهي عن أن يكون المؤمن مثل أولئك الذين أنعم الله عليهم بنعمة السمع، بيد أنهم عطلوها؛ بعدم اتباعهم للحق؛ فكأنهم لا سمع لهم أصلًا؛ ولهذا قال تعالى: {وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 21] .
وقال تعالى في آية أخرى: {يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء: 223] .
أما المؤمنون فمن صفاتهم سماع أوامر الله تعالى وطاعة تلك الأوامر؛ ولهذا مدح الله المؤمنين فقال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51] .
خامسًا: أسلوب التوكيد:
ورد ذلك في مثل قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] .
أكد كلامه عن وسائل المعرفة الإنسانية السمع والبصر والفؤاد بـ (إن) ، و (كل) ، والجملة الاسمية؛ وذلك لتمكين المعنى في نفوس المخاطبين، وهو أن وسائل المعرفة والإدراك العظيمة هذه سيسأل عنها الإنسان يوم القيامة.
ونجد أسلوبًا آخر للتوكيد في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: 78] .
فقد أكد الجملة بضمير الشأن (هو) ؛ ليفيد القصر والاختصاص بأنه تعالى وحده وهب الإنسان وسائل المعرفة «وإنما خص السمع والأبصار والأفئدة؛ لأنه يتعلق بها المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها، ومقدمة منافعها أن يعملوا أسماعهم وأبصارهم في آيات الله وأفعاله، ثم ينظروا ويستدلوا بقلوبهم، ومن لم يعملها فيما خلقت له؛ فهو بمنزلة عادمها، كما قال الله تعالى: {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [الأحقاف: 26] .
ومقدمة شكر النعمة فيها الإقرار بالمنعم بها، وأن لا يجعل له ندّ ولا شريك» 34.
سادسًا: أسلوب الاستفهام الإنكاري:
ورد ذلك في مثل قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ} [القصص: 71] .
فهنا أنكر على المشركين عدم استثمارهم لنعمة السمع في إدراك الحقائق الكونية والتفكر فيها، ومعرفة السنن الإلهية؛ كي يتعظوا بها، ولا سيما أن حاسة السمع جاءت في سياق الحديث عن الليل الذي تستخدم فيه هذه الحاسة أكثر من غيرها من الحواس.
ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} [السجدة: 26] .
فقد أنكر على الكافرين عدم أخذهم العبرة والعظة 35 بما سمعوه من قصص الأمم السابقة، التي أهلكها الله تعالى؛ لعصيانها وإنكارها رسالة الأنبياء عليهم السلام.
سابعًا: أسلوب القصر بـ (إنما) :
ورد ذلك في مثل قوله تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} [الأنعام: 36] .
فهنا استخدم أسلوب القصر بإنما؛ لحصر الاستجابة لأوامر الله تعالى في الذين يستفيدون من نعمة السمع حق الاستفادة، ويوظفونها في معرفة المعبود جل جلاله وعبادته كما شرع، أما الكفار الذين حرص النبي على هداهم؛ فلا وسيلة كي يستجيبوا ويؤمنوا به؛ لأنهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون؛ فهم موتى القلوب كقوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] .
فكما أن الله تعالى هو وحده قادر على أن يبعث الموتى من قبورهم، فهو وحده تعالى قادر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان، أما أنت يا محمد؛ فلا تقدر على ذلك.
وأما وجه تشبيه الكفرة بالموتى؛ فلأن حياة الروح بالعلم ومعرفة الخالق سبحانه وتعالى كما أن حياة الجسد بالروح 36.
ثامنًا: أسلوب النفي:
ورد ذلك في مثل قوله تعالى: {وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] .
نفى الحق سبحانه وتعالى عن أن يكون للكافرين سمع يرشدهم لمعرفة الحق، واتباعه، وجاءت صيغة الفعل بالمضارع للدلالة على تجدد هذا الأمر، وحدوثه عند هذا الصنف من الناس الذين ستروا نعمة الله بالكفر.
تعددت مجالات السمع في القرآن، وهذا ما سوف نبينه فيما يأتي:
فجعل الله له السمع والبصر والفؤاد؛ وذلك حتى يشكره هذا الإنسان، لا أن يكفره.
وتأتي أهمية سمع الإنسان في فهمه لأوامر الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا بين القرآن الكريم لنا نوعين من الناس:
النوع الأول: المؤمنون الذين يستمعون للقرآن وللنبي صلى الله عليه وسلم، ويتبعونهما فيما أمرا {إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 81] .
وإذا ما استمع هؤلاء المؤمنون للقرآن يتلى؛ خشعوا، أو بكوا؛ ولهذا يكون جزاؤهم الجنة، حيث لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا ولا كذابًا، ولا يسمعون حسيس جهنم، وهم عنها مبعدون.
ومن صفات هؤلاء المؤمنين أنهم إذا استمعوا لشيء نافع؛ يتبعونه ويطبقونه فورًا قال تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18] .
وهم أيضًا أبعد ما يكونون عن سماع الغيبة أو النميمة أو غيرها، مما حرمه الله تعالى، فآذانهم آذان واعية، تصغي للحق وتعمل به، قال الله تعالى: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 12] .
وقال تعالى يمدح مؤمني الجن: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ} [الجن: 13] .
والنوع الثاني: الكفار والمنافقون والفاسقون، الذين يسمعون للقرآن وللنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يعملون بما سمعوه، ويستهزئون بما سمعوه وبالنبي صلى الله عليه وسلم، وينهون غيرهم عن سماع هذا القرآن، ويأمرونهم بأن يلغوا فيه، ولهذا كان سمعهم نقمة عليهم؛ فشبههم الله تعالى بالدواب والموتى وأصحاب القبور.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] .
وعاقبهم في الآخرة بسماعهم لزفير جهنم، وعندها يندمون؛ لأنهم لم يستفيدوا من أسماعهم، ولا تحين مندم.
قد أمر الله تعالى المؤمنين في كتابه العزيز بأن يتلوا القرآن حق تلاوته، وأن يستمعوا له وينصتوا، وهذا الاستماع هو استماع تدبر وفهم، يتبعه عمل وخشية من الله تعالى ومحبة له سبحانه وتعالى، ومن ثمّ ينتج عن ذلك أمة؛ تكون خير أمة أخرجت للناس، إنها أمة الشهادة {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] .
وأمة الحضارة؛ لأن الحضارة الحقيقية هي بالإنسان الصالح وبالعمل الصالح.
وقد حث الله المؤمنين في آيات كثيرة على تدبر القرآن، والتدبر يأتي بعد الاستماع، والتدبر هو: التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة 37، وأول الآيات الآمرة بالتدبر نزولًا قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29] .
ورقمها حسب النزول هو ثمان وثلاثون، ونشير إلى آيات أخرى حول موضوع التدبر دون ذكر نصها، وهي: المؤمنون: رقم نزولها: أربع وسبعون، رقم الآية: ثمان وستون، والنساء: رقم نزولها: اثنان وتسعون، ورقم الآية: اثنان وثمانون.
ومدح القرآن الكريم المؤمنين الذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وهدى، ومدحهم أيضًا في أماكن عديدة أنهم تلين قلوبهم وجلودهم إلى ذكر الله، وتقشعر جلودهم من خشية الله، ويخرون للأذقان سجدًا يبكون، ويزيدهم خشوعًا.
هذه هي الصورة الرائعة التي يعرضها علينا القرآن الكريم عن طائفة السعداء الذين أنعم الله عليهم من ذرية آدم.
وفي المقابل يعرض علينا القرآن صورة المغضوب عليهم، وموقفهم المعادي للقرآن الكريم؛ فهم لا يستمعون لهذا القرآن، ويلغون فيه، ويستهزئون بآيات الله تعالى، ويجعلون القرآن عضين، ويقولون إنه أساطير الأولين؛ فهم لم يروا فيه الحقائق الناصعة، بل زادهم ضلالة وإثمًا وعمى؛ لأن قلوبهم مقفلة، لا يدخلها نور القرآن ولا هداه؛ بما كانوا يكسبون من أعمال فاحشة منكرة، وببغيهم وطغيانهم في الأرض؛ فأضلهم الله عن صراطه المستقيم، وأعمى أبصارهم عن نوره المبين، وأصم آذانهم عن سماع الحق والقرآن الكريم.
أما المجال الرئيس الآخر لاستخدام السمع بعد الاستماع لكتاب الله المسطور، والأمر بالعمل به واتباعه، والخشوع له عند سماعه، فهو توجيهه نحو الاستماع إلى آيات كتاب الله المنظور في الكون؛ لتدبرها، وأخذ العبرة منها 38.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [يونس: 67] .
فالله الذي يستحق العبودية وحده، هو الذي له ما في السماوات والأرض، وهو الذي فصل بين الليل والنهار؛ لتسكنوا في الليل من عناء النهار، وإنما قال في الآية: {لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} «لأن المراد منه: الذين يسمعون هذه الحجج، ويتفكرون فيها؛ فيعتبرون بها ويتعظون، ولم يرد به الذين يسمعون بآذانهم، ثم يعرضون عن عبره وعظاته» 39.
والقرآن الكريم قد حث المؤمنين في آيات كثيرة على التفكر في ملكوت الله تعالى، وفي الكون؛ وذلك لإدراك عظمة الخالق سبحانه، والإذعان لقدرته وسلطانه، وقد قدر العلماء عدد الآيات التي تتناول أمورًا علمية بألف وأربعمائة آية، من مجموع آي القرآن، البالغ عددها ستة آلاف ومائتي آية، أي ما يعادل عشرين بالمائة من مجموع الآيات القرآنية.
والقرآن الكريم مليء بآيات تحث المؤمنين على التفكر والتعلم، مثل قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [محمد: 24] .
وقوله عز وجل: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4] .
وغيرها من آيات كثيرة تأمر باستخدام العقل؛ لاكتشاف قوانين الكون، وتسخيرها لمصلحة الإنسان.
إن الله عز وجل قص علينا في كتابه العزيز أحسن القصص، وذكر كثيرًا من القصص؛ لأخذ العبرة منها {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111] .
فذكر الله لنا سننه في نصرة أنبيائه وعباده الصالحين، وتوفيقه لهم؛ فقص علينا أحسن القصص، كقصة يوسف وإخوته، وقصة موسى وقومه، وقصة داود وسليمان، وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، وكذلك قص القرآن علينا قصص الأقوام التي عاقبها الله تعالى، بعد أن عصوا وعتوا عن كل ذكر؛ لنعتبر ونستقيم على شرعه.
فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} [الفجر: 6 - 13] .
والاتعاظ بكل ما سبق إنما يكون بعد سماع ما حل بهذه الأقوام من عقوبة إلهية؛ ولهذا استخدم السمع؛ للاعتبار بالأحداث في معرض الكلام عن الأمم السابقة فقال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} [السجدة: 26] .
وذكر القرآن الكريم فقدان السمع لدى الأصنام، كدليل على أنهم ليسوا بآلهة فقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 41 - 42] .
فقد نقض ألوهية الأوثان، وأنها لا تستحق العبادة؛ بكونها لا تسمع، ولا تبصر من يدعوها، وصفة السمع من أهم صفات الألوهية؛ فقد قال الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] .
والدعاء مخ العبادة؛ فالوثن إذا لم يسمع دعاء الداعي؛ فأي منفعة في عبادته؟!، وإذا كانت لا تبصر بتقرب من تقرب إليها؛ فأي منفعة في ذلك التقرب؟! 40، والإله يجيب دعاء عباده {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62] .
والأوثان لا تجيب أحدًا، ثم كيف يليق بالإنسان أن يعبد من هو دونه في الصفات؛ إذ إنه يسمع ويرى، وهذه الأوثان لا تسمع ولا ترى؟
وهكذا نرى كيف اهتم الإسلام بحاسة السمع التي هي آلة مهمة في معرفة الحقائق في كل من الكتابين كتاب الله المسطور (القرآن) ، وكتاب الله المنظور (الكون) .
موضوعات ذات صلة:
البصر، الرؤية، القرآن
1 انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 1/ 511.
2 أساس البلاغة، الزمخشري 1/ 474.
3 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 49.
4 4 انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة أحمد مختار عبد الحميد عمر 2/ 1108.
5 5 انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي 2/ 22، التعريفات، الجرجاني، ص 161.
6 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 358 - 361، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب السين ص 634 - 638.
7 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، 261 - 262، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 3/ 257 - 260، نزهة الأعين النواظر، ص 345 - 346، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 2/ 221 - 223.
8 انظر: التعريفات، الجرجاني ص 46.
9 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 49.
10 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 49، معجم الصواب اللغوي أحمد مختار عمر 1/ 117.
11 انظر: المصادر السابقة.
12 الفروق اللغوية، العسكري ص 49.
13 التحرير والتنوير، ابن عاشور 9/ 238.
14 العين، الفراهيدي 4/ 432.
15 كتاب الأفعال، ابن القطاع 2/ 256.
16 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة 1/ 515.
17 جامع البيان، الطبري 12/ 59.
18 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 12/ 88، لسان العرب، ابن منظور 12/ 342، إرشاد العقل السليم، أبو السعود 1/ 51.
19 انظر: جامع البيان، الطبري 1/ 331.
20 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 9/ 215، الصحاح، الجوهري 2/ 848، مقاييس اللغة، ابن فارس 6/ 132.
21 المخصص، ابن سيده 1/ 92.
22 انظر: جامع البيان، الطبري 11/ 306، المحرر الوجيز، ابن عطية 5/ 20.
23 انظر: الإدراك الحسي البصري والسمعي، السيد علي سيد أحمد وفائقة محمد بدر، ص: 253.
24 انظر: الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في السمع والبصر، صادق الهلالي، مجلة الإعجاز، ص: 9 - 10.
25 انظر: المصدر السابق ص 7.
26 انظر: الإعجاز العلمي في السمع والبصر في القرآن الكريم، صادق الهلالي، وحسين اللبيدي، هيئة الإعجاز العلمي، جدة 1427/ 2006، ط 3، ص: 17 - 28.
27 انظر: الإعجاز العلمي في السمع والبصر في القرآن الكريم، صادق الهلالي، وحسين اللبيدي، هيئة الإعجاز العلمي، ص 51.
28 انظر: معجم كلمات القرآن العظيم، محمد عدنان سالم و محمد وهبي سليمان، ص 607 - 608.
29 انظر: الأسماء والصفات، البيهقي، ص 288 - 292.
30 علقه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (وكانه الله سميعًا بصيرًا) ، 9/ 117، وأخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، 1/ 67، رقم 188.
وصححه الألباني في إرواء الغليل، 7/ 175.
31 جامع البيان 22/ 245.
32 قال ابن جزيّ الغرناطي: «أكد عدم سماعهم بقوله: {إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} ؛ لأن الأصم إذا أدبر وبعد عن الداعي، زاد صممه وعدم سماعه بالكلية» .
انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزيّ 2/ 107.