فهرس الكتاب

الصفحة 927 من 2431

والحكمة في هذه الآية: دحض شبهة الذين أنكروا ذكر الله تعالى لهذه المخلوقات الحقيرة وأنه تعالى لا يليق به ذلك، وأن القرآن ليس من كلام الله، بحجة أن ضرب الأمثال هكذا بما فيها من تصغير لهم وسخرية منهم لا تصدر عن الله، وأن الله لا يذكر هذه الأشياء الصغيرة كالذباب والعنكبوت في كلامه! وكان هذا طرفًا من حملة التشكيك والبلبلة التي يقوم بها المنافقون واليهود في المدينة، كما كان يقوم بها المشركون في مكة 50.

ومن الحكمة في ضرب المثل بالبعوضة: أنه خلق من مخلوقاته، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يخلقوا بعوضة لا يقدرون عليه، ويقال: إنما ذكر المثل بالبعوضة؛ لأن خلقة البعوضة أعجب؛ لأن خلقتها خلقة الفيل، ويقال: لأن البعوضة ما دامت جائعة عاشت فإذا شبعت ماتت، فكذلك الآدمي إذا استغنى، فإنه يطغى، فضرب الله المثل للآدمي 51.

قال سيد قطب: «إن هذه الآيات تشي بأن المنافقين- وربما كان اليهود والمشركون- قد وجدوا في هذه المناسبة منفذًا للتشكيك في صدق الوحي بهذا القرآن، فجاءت هذه الآيات دفعًا لهذا الدس، وبيانًا لحكمة الله في ضرب الأمثال، وتحذيرًا لغير المؤمنين من عاقبة الاستدراج بها، وتطمينًا للمؤمنين أن ستزيدهم إيمانًا، فالله رب الصغير والكبير، وخالق البعوضة والفيل، والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل، إنها معجزة الحياة، معجزة السر المغلق الذي لا يعلمه إلا الله، على أن العبرة في المثل ليست في الحجم والشكل، إنما الأمثال أدوات للتنوير والتبصير، وليس في ضرب الأمثال ما يعاب وما من شأنه الاستحياء من ذكره» 52.

ثالثًا: العنكبوت:

ومن الأمثال التي ضربها الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله تعالى يعبدونها، ويرجون نفعها العنكبوت اتخذت بيتًا لا يغني عنها في حر ولا برد، ولا مطر ولا أذى.

قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) } [العنكبوت:41] .

هذا المثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئُا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع فإنه مستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، لقوتها وثباتها 53.

والحكمة من هذا المثل هي: قطع الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعُا ليعلم من تأمل هذا المثل وعرفه أن من اتخذ من دون الله وليًّا أو شفيعًا فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون، والغرض تشبيه ما اتخذوه متكلًا ومعتمدًا في دينهم وتولوه من دون الله، بما هو مثل عند الناس في الوهن والضعف والذلة والمهانة، حتى تكون الصورة واضحة والحجة قوية، فلا تدع مجالًا للشك بعد ذلك 54.

قال ابن القيم: «وقد قطع الله تعالى كل الأسباب التي تعلق بها المشركون جميعًا، قطعًا يعلم من تأمله وعرفه أن من اتخذ من دون الله وليًّا أو شفيعًا، فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت، فقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ:22 - 23] .

فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريده عباده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مترتبًا، متنقلًا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة، التي يظنها المشرك.

وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه، فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاةً وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن» 55.

رابعًا: الفراش:

شَبَّه القرآن الكريم الناس في وقت البعث بالفراش المبثوث؛ لأنهم إذا بعثوا يموج بعضهم في بعض، فقال تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) } [القارعة:4] .

شَبَّهَ الله تعالى في هذه الآية الناس في وقت البعث بالجراد المنتشر، وبالفراش المبثوث؛ لأنهم لما بعثوا يموج بعضهم في بعض كالجراد والفراش، ويؤكد ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) } [النبأ:18] .

وقوله في قصة يأجوج ومأجوج: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} [الكهف:99] .

والفراش: فرخ الجراد حين يخرج من بيضه من الأرض يركب بعضه بعضًا، وقد يطلق الفراش على ما يطير من الحشرات ويتساقط على النار، ليلًا، وسمي فراشًا لتفرشه وانتشاره 56.

والحكمة من هذا المثل: التنبيه على شدة أهوال يوم القيامة، وتبيين حال الناس في ذلك وضعفهم بما يشبه ضعف الفراشة وحالها.

-من اللمسات الإعجازية في خلق الحشرات ما يأتي:

أولًا: النمل:

ذكر القرآن الكريم أن النمل له لغة يتخاطب بها، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) } [النمل:18] .

صرحت الآية الكريمة على أن النمل له لغة يتخاطب ويتحدث بها، وهذا ما أثبتته الأبحاث الحديثة بوسائلها العلمية الدقيقة عن حياة النمل الاجتماعية القائمة على التفاهم فيما بينها، وأن مجتمع النمل له كما لسائر الكائنات الحية لغة وأنها تتجاذب بها أطراف الحديث بكلام خاص أو بإشارات مسموعة أو غير ذلك مما علمه الله لنبيه سليمان عليه السلام، ويتفاهم النمل بعضه مع بعض في كل ما يتصل بشئونها المختلفة، والنمل كما شوهد في مختلف بيئاته يقوم بمشروعات جماعية، مثل: مد الطرق وإقامة الجسور وبناء مستعمراته، ولا يمكن أن يتم التعاون على إنجاز هذه الأعمال إلا بالتفاهم بلغة متداولة بينها، وكل الذين درسوا حياة النمل وشاهدوا ما عليه حياة النمل من النظام الدقيق في بناء مساكنها وما عليه أفرادها من الذكاء والدهاء وسعة الحيلة وحب العمل والدأب الذى لا يعرف الكلل، ثم إن النمل يتلاقى في مجتمعات للتعارف وتبادل المنافع، كما أنه هو الوحيد من بين سائر الحشرات الذي يهتم بدفن موتاه وغير ذلك مما يدل على حياة منتظمة حية نشطة لها كيان ودستور يحكمها في كل سلوكها 57.

والنمل من أذكى الحشرات وهي ترى بموجات ضوئية يراها الإنسان، ولغة النمل كيمياوية، لها وظيفتان: التواصل والإنذار، فلو سحقت نملة فإن رائحة تصدر عنها تستغيث بها النملات، أو تحذرها من الاقتراب من المجزرة، ولا تستطيع نملة دخول مسكنها إلا إذا بينت كلمة السر، وللنمل جهاز هضم مدهش فيه فم ومريء ومعدة وأمعاء وجهاز مص وضخ، فسبحان من زود هذا المخلوق الصغير بكل وسائل الحياة 58.

ثانيًا: العنكبوت:

ذكر القرآن الكريم البناء لبيت العنكبوت بصيغة المؤنث اتخذت، قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) } [العنكبوت:41] .

إن الاعجاز العلمي في هذه الآية الكريمة يتجلى بأجلى معانيه في لفظة: {اتَّخَذَتْ} ، بصيغة الفعل المؤنث، وهي إشارة علمية في غاية الروعة والدقة للدلالة على أن ما يقوم ببناء بيوت العناكب هي الأنثى منه، وأن الذكر من العناكب لا شأن له بذلك، وهذه حقيقة ما كان أحد مطلقًا يفطن إليها وقت نزول القرآن، ولكن لما اشتغل علماء الأحياء حديثًا بدراسة الحشرات ووضعوا في دراستها علمًا قائمًا بذاته تبينت لهم حقائق مذهلة عن حياة الحشرات التي تبلغ مئات الآلاف في أنواعها، وأن كل نوع منها يتميز بأشكاله وأحجامه وألوانه وطبائعه وغرائزه المميزة لكل نوع منها عما سواه، وقد دلت الدراسة المستفيضة للحشرات أن بعضها له حياة اجتماعية ذات نظم ومبادئ وقوانين تلتزم بها في إعداد مساكنها والحصول على أقواتها والدفاع عن نفسها والتعاون فيما بينها بصورة تدهش العقول؛ وذلك بإلهام من خالقها الذي يجعلها تبدو وكأنها أمم لها كيان ونظام وعمران 59.

ومن الدراسات لحياة العناكب لاحظ العلماء: أن لها قدرات في العمليات الإنشائية حين تشيد بيوتها وتنسج غزلها، وكشف العلماء عن ثلاثة أزواج من المغازل توجد في مؤخرة بطن العنكبوت، تأتيها المادة الخام عن طريق سبع غدد في الأقل، وأحيانًا يصل عدد هذه الغدد في بعض أنواع العناكب إلى (600) ، وخيوط العنكبوت حريرية جدًّا، وسمك شعرة واحدة من رأس الإنسان يزيد عن سمك خيط نسيج العنكبوت بحوالي (400) مرة، ولقد اكتشف عالم ألماني أن كل خيط من خيوط العنكبوت مؤلف من (4000) خيط، وكل خيط يخرج من ثقب خاص بجسم العنكبوت، وإن شعرة واحدة من شعر الإنسان لهي أغلظ من (4) مليار خيط من خيوط العنكبوت.

إن كلمة {أَوْهَنَ} في الآية هي خاصة ببيت العنكبوت وليس بخيطه، إذًا فهذا البيت غير مأمون.

ثم يضيف في هذه الآية: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} ، ذلك أن هذه الآية لم تكن معلومة في ذلك العصر، إلا أن العلم الحديث استطاع أن يكتشف أن هذا الوهن يعود سببه إلى الأنثى التي تقتل الذكر وتأكل أولادها والأولاد يأكل بعضهم بعضًا، ومما يزيد من الإعجاز هذه الصورة المتشابهة مع الذين يتخذون من دون الله أولياء يبتغون عندهم العزة والمنفعة فينقلب أولياؤهم أعداء لهم ويتبرؤون منهم.

وأما الآية: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) } [العنكبوت:43] .

فيبين الله تعالى أن إدراك هذا المثل يحتاج إلى علم في عالم الحيوان، وهذه الأسرار في هذا العالم لم تظهر إلا مؤخرًا 60.

ثالثًا: الذباب:

وضرب الله تعالى مثلًا في بيان عجز معبودات المشركين وتفاهتها بالذباب الحقير، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) } [الحج:73] .

خاطب الله تعالى في هذه الآية الكفار أن أصنامهم التي يعبدونها من دون الله لن تستطيع أبدًا خلق شيء مهما يكن تافهًا حقيرًا كالذباب وإن تضافروا جميعًا على خلقه، بل إن هذا المخلوق التافه لو سلب من الأصنام شيئًا من القرابين التي تقدم إليها فإنها لا تستطيع بحال من الأحوال أن تمنعه عنه أو تسترده منه، وما أضعف الذي يهزم أمام الذباب عن استرداد ما سلبه منه، وما أضعف نفس الذباب، كلاهما شديد الضعف، بل الأصنام أشد ضعفًا، فكيف يليق بإنسان عاقل أن يعبدها ويلتمس النفع منها؟

وإن القرآن الكريم في هذه الآية تحدى الناس جميعًا تحديًا ماديًّا أن يخلقوا ذبابة وهي حشرة ضئيلة فلم يقدروا، واستمر هذا التحدي قائمًا إلى عصرنا هذا، أي: بعد أكثر من ألف سنة من نزول القرآن وبعد أن تقدم العلم تقدمًا هائلًا وبلغت التكنولوجيا ذروتها في التطور والاختراع، فهل تستطيع دولة من الدول بعد ما بلغت ما بلغت من التفوق أن يقف الناس أمام هذا التحدي المادي ويصنع ذبابة واحدة؟

ثم يسألهم هل لو يسلبهم الذباب حياتهم بمرض فتاك ينقل جراثيمه إليهم هل يمكنهم استرداد حياتهم؟

إن القرآن الكريم هو كلام الله المعجز حقًّا قديمًا وحديثًا، وكتابه الذى لا ريب فيه، ولقد اكتشف العلم الحديث أن للذباب غددًا لعابية طويلة وبمجرد أن يأخذ الذباب شيئًا من الطعام فإنه يفرز عليه كمية كبيرة من اللعاب تحوله فورًا إلى مادة أخرى؛ لذلك فالإنسان لا يستطيع أن يسترد من الذباب ما أخذ منه {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} [الحج:73] .

إن هذه الدقة في التفاصيل لم تكتشف إلا حديثًا، إن الذبابة الواحدة تنقل أكثر من (30) نوعًا من الجراثيم، وتحمل معها حوالي (5) ملايين جرثومة، كما أن الذبابة الواحدة تبيض أكثر من (100) بيضة في اليوم دفعة واحدة، وتبيض مثلها كل (10) أيام، قلو قدر للذباب أن تعيش عدة أعوام بدلًا من أسابيع لانتشر الذباب في الأرض وأفنى الحياة عليها 61.

رابعًا: البعوض:

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) } [البقرة:26] .

قال الشعراوي: «نظر المشركون في هذه الحشرة على قلة حجمها، والإعجاز العلمي اليوم يسير نحو هذه الدقة، والله سبحانه وتعالى يقول للكفار في هذه الآية: أنتم التفتم إلى صغر حجم البعوضة بالنسبة لحجم الإنسان فاحتقرتموها، ولكنكم لم تلتفتوا إلى دقة الخلق، فإن هذه البعوضة بحجمها المتناهي في الصغر تحمل معها كل أجهزة الحياة، من عيون ترى، وأجنحة تطير، وأجهزة جنسية لحفظ النوع، وجهاز هضمي للطعام وإخراج الفضلات، وكل مقومات الحياة، لم يلتفتوا إلى دقة الصنع وعظمة الخالق الذي وضع كل سبل الحياة في هذه المساحة.

ولو أنكم التفتم إلى هذا لعرفتم الحكمة من المثل، ولأدركتم أن هذه البعوضة الصغيرة التي تستهينون بها في مثل حي وضعه الله تعالى أمامكم على دقة الخلق وقدرة الخالق، في أن يجمع كل تلك الأجهزة اللازمة لحياة هذا الكائن الحي في هذا الحجم الصغير، ولكنها سطحية التفكير، وعدم القدرة على التمييز في عقول الكافرين، ثم يقول تعالى: {فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة:26] .

أي: أن الله لا يضرب مثلًا بالبعوضة فقط المتناهية في الصغر في الحجم، بل إنه سبحانه وتعالى لم تقف قدرته عن خلق البعوضة في هذا الحجم الصغير، بل هناك ما هو أصغر من ذلك بكثير خلقه الله، ولذلك فليس هناك نهاية قدرة بل القدرة ممتدة إلى ما هو أصغر وأصغر، وقد تقدم بنا العلم فاستطعنا أن نرى أشياء لم نكن نراها لدقة حجمها، ووجدنا أن هذه الأشياء كلما صغر حجمها زادت قوتها وقدرتها، فالجراثيم -مثلًا- على دقة حجمها تستطيع أن تقتل أقوى الكائنات الحية، وتهلكه دون أن يستطيع النجاة منها» 62.

ثم يقول: «إذن الدقة في الخلق هي إعجاز من الله سبحانه وتعالى، لا بد أن ننتبه له، وكلما زادت الدقة زادت معرفتنا لقدرة الخالق الذي استطاع أن يخلق في هذا الحيز الصغير الذي لا يرى بالعين المجردة! استطاع أن يخلق فيه حياة تتكاثر، واستطاع أن يخلق فيه قوة تستطيع أن تفني ما هو أكبر منها بملايين المرات، وما هو أقدر منها ظاهريًّا، ولو أن الكفار كان لديهم شيء من العلم، أو حتى من الفهم لتنبهوا لهذه الحقيقة، ولعرفوا أن الله سبحانه وتعالى حين يضرب هذا المثل ببعوضة فما فوقها، فإنه يلفتنا إلى القدرة الإلهية في دقة الخلق، ويلفتنا إلى أن ما قد لا نراه بأعيننا قد يكون أشد قوة وأخطر مما نرى.

فالكفار عاجزون أمام هذه البعوضة الصغيرة التي يحتقرونها، فهي تستطيع أن تأخذ جزءًا من دمائهم دون أن يستطيعوا أن يردوها، أو يعيدوها مرة أخرى إلى أجسادهم، وهي تستطيع أن تنقل إليهم الأمراض التي قد تقتلهم، ولا يستطيعون منها النجاة، ولذلك فإن ضرب المثل بالبعوضة فيه حكمة بالغة» 63.

خامسًا: النحل:

إن مملكة النحل عالم واسع فيه الكثير من العبر الدالة على بديع صنع الله وعظيم قدرته، قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) } [النحل:68 - 69] .

إن مملكة النحل قائمة على أعلى مستويات التعاون والتكافل والتنظيم والعمل الدؤوب، وهو مجتمع موحد، ونظامه نظام ملكي عادل، واكتشف العلم الحديث أن النحل يملك وسيلة للتخاطب، وهي الرقص كوسيلة لإرشاد زملائه إلى مكان الزهور، وتقدر المسافة بدقة، وأن أفراد خلية النحل تعيش معيشة جماعية قريبة إلى معيشة الإنسان، حيث تخصصت كل جماعة في عمل معين، فمنها الشغالات والمحاربات والآباء والأمهات، ويتراوح عدد أفراد الخلية التي تضمها الخلية من (30000) إلى (60000) نحلة، وينقسم النحل إلى (3) أقسام، (الملكة) : وهي تضع البيض، ثم (ذكور النحل) الذين يعيشون عيشة رفاهية، ولا عمل لهم سوى تلقيح الملكة حتى ينتج جيل جديد من النحل، والنوع الثالث: هن (الشغالات) ، وهن إناث مثل الملكة لكن غير مخصبات.

وتقوم الشغالات ببناء العش الذي يوضع فيه البيض ويربي فيه صغار النحل ويخزن فيه العسل، كما تقوم الشغالات بجمع الرحيق من الأزهار وتحويله إلى عسل، كما أنها تستطيع أن تحول العسل إلى شمع بواسطة غدد خاصة، وعندما تصبح كمية الشمع كافية يبنيها النحل مبتدئًا من السقف متجهًا إلى أسفل، أي: عكس ما يعمله الإنسان، ثم يتم تفريغه على هيئة سداسية متجاورة.

وقد ثبت أن الخلايا السداسية هي أكبر متانة وأكثر اقتصاد؛ إذ لا تترك بينها فجوات كما هي الحال في الخلايا الدائرية مثلًا، وتقطع الشغالة حوالي (7) كم حتى تجد الأزهار المناسبة، ولكنها ما تلبث أن تعود إلى خليتها بواسطة الشم في خط مستقيم حاملة معها الرحيق، والرحيق عبارة عن سائل تفرزه الأزهار ويحتوي على الجلوكوز، فعندما تحط النحلة على الزهرة وتمتص الرحيق، يصعد الرحيق على طول اللسان ومنها إلى كيس العسل، ويتكرر ذلك إلى أن يمتلئ كيس العسل.

وأثناء رحلة العودة يتحول الرحيق إلى عسل بواسطة غدد خاصة في جسم النحلة الشغالة، وعندما تصل النحلة إلى الخلية تفرغ العسل في إحدى العيون الفارغة في الخلية، وقد تنتج الخلية الواحدة حوالي (18) كغ من العسل في الموسم الواحد.

إن ملكة النحل تبيض أيام الموسم حوالي (2000) بيضة في اليوم، لكن عندما تفقد منصبها كملكة فإن العاملات يجدن ملكة جديدة، وبذلك تختار العاملات بيضة واحدة من مئات، ثم تولي هذه البيضة عناية خاصة، وعندما تفقس البيضة تولي العاملات اليرقة عناية شديدة فتطعمها كميات من الغذاء الملكي حتى تكبر وتصبح ملكة.

لاحظ بعض العلماء وجود أزهار تنفتح ثم تنغلق في أوقات محددة من اليوم، وإذا بالنحل يصل إلى أماكن تلك الأزهار في الوقت الذي تنفتح فيه.

إن نحل الخلية يختص كل يوم بنوع معين من الزهر، لذلك عندما تأتي نحلة إلى غير خليتها سرعان ما ينكشف أمرها ويدرك جميع نحل الخلية أنها غريبة، ويعود فضل هذا الكشف إلى رائحة نوع الزهرة المقررة في ذلك اليوم، وكأن الزهرة التي تختارها الخلية كل صباح تصبح كلمة سر خاصة بالخلية 64.

موضوعات ذات صلة:

الحيوان، الخلق، الطير، النبات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت