فهرس الكتاب

الصفحة 2348 من 2431

وقد جاءت الوراثة في سياق التكريم بأن نسب الله الإيراث لنفسه جل وعلا، فهو الذي أورث، بخلاف السياق في سورة الأعراف والشورى، وفي هذا تكريم لأمة محمد وبيان للصورة التي ينبغي أن يكونوا عليها، ومع التفاوت الموجود بينهم، شريطة أن لا يرتكسوا في الهاوية ويستبدلوا عرض الدنيا بكتاب الله وينسلخون مما آتاهم الله، وفي ذلك يقول سيد قطب «وهي كلمات جديرة بأن توحي لهذه الأمة بكرامتها على الله كما توحي إليها بضخامة التبعة الناشئة عن هذا الاصطفاء وعن تلك الوراثة. وهي تبعة ضخمة ذات تكاليف، فهل تسمع الأمة المصطفاة وتستجيب؟!» 35.

وقد عد الشنقيطي هذه الآية من أرجى الآيات في القرآن الكريم حيث قال: «ثم إنه تعالى بين أن إيراثهم الكتاب هو الفضل الكبير منه عليهم، ثم وعد الجميع بجنات عدن وهو لا يخلف الميعاد في قوله: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) إلى قوله: (وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) والواو في (يَدْخُلُونَهَا) شاملة للظالم والمقتصد والسابق على التحقيق، ولذا قال بعض أهل العلم: حق لهذه الواو أن تكتب بماء العينين، فوعده الصادق بجنات عدن لجميع أقسام هذه الأمة، وأولهم الظالم لنفسه، يدل على أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن» 36.

وهكذا كل من ورث الكتاب فقام به حق قيام كان له الفضل الكبير والأجر من الله، ولقد أثنى الله على من ورث الكتاب من بني إسرائيل فحفظ هذا الميراث فقال: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) [الأعراف: 170] .

وبهذا يتبين أن وراثة الكتاب لغير الأنبياء إنما هي وراثة اختبار وابتلاء، فمن ضيعها ضيعه الله، ومن حفظها وعمل بما ورث من هذا العلم فهو من المصطفين من عباده.

وفي ختام هذا النوع نلحظ أن الآيات التي جاء الحديث فيها عن وراثة الدين تدعو إلى مايلي:

ومن الادعاء في وراثة الدين والكتاب دراسة مسائله دراسة ظاهر دون العمل به والتمسك بما فيه، ولذا بين الله أن حقيقة الوراثة هو الاستمساك بالكتاب لا دراسته فقط فقال: (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ? وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [الأعراف: 169] .

«فهم درسوا هذا الكتاب وعرفوا ما فيه! بلى! ولكن الدراسة لا تجدي ما لم تخالط القلوب. وكم من دارسين للدين وقلوبهم عنه بعيد. إنما يدرسونه ليتأولوا ويحتالوا، ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويجدوا المخارج للفتاوى المغرضة التي تنيلهم عرض الحياة الدنيا، وهل آفة الدين إلا الذين يدرسونه دراسة ولا يأخذونه عقيدة ولا يتقون الله ولا يرهبونه؟!» 37.

أما التشريف الحقيقي: أن تكون وراثة الدين وراثة حقيقية بالاستمساك به والعمل، وهذا ظاهر من اللفظ القرآني حيث حذف الفاعل حين جاء الحديث في سياق الذم لمن ورث الكتب ولم يعمل به كما في سورة الأعراف: (وَرِثُوا الْكِتَابَ) وفي سورة الشورى: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ) [الشورى: 14] .

ولما جاء الحديث في سياق المدح جاء ذكر الفاعل كما في آية سورة فاطر: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ) [فاطر: 32] 38

تذكر الدار الآخرة من أعظم ما يعين على وراثة الدين، وقد ختم الله جل وعلا الآية السابقة بقوله: (وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [الأعراف: 169] .

وكما ذكر ابن القيم في معرض حديثه على الذي آتاه الله الآيات فانسلخ منها: «إنما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة» 39.

ويقول سيد: «لا شيء يثبت على الغير والأحداث وتقلبات الأحوال في هذا الخضم الهائج وفي هذه المعركة الكبرى إلا اليقين في الآخرة، وإنها خير للذين يتقون، ويعفون، ويترفعون، ويثبتون على الحق والخير في وجه الزعازع والأعاصير والفتن، ويمضون في الطريق لا يتلفتون مطمئنين واثقين، ملء قلوبهم اليقين» 40.

سبق الحديث عن الوراثة في حقِّ الله تعالى، وأنَّ لله تعالى ميراث السماوات والأرض كما في قوله: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ?) [آل عمران: 180] .

وإذا كان الله جلَّ وعلا هو وارث أملاك الخلائق بعد فنائهم، وكلُّ ما في الأرض صائر إليه، فالله تعالى هو مالكها من حيث الابتداء، وهو يورثها من يشاء من عباده، ولذا قال تعالى: (ے إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ?) [الأعراف: 128] .

ومن ثَمَّ يمكن تقسيم وراثة الأرض كما وردت في القرآن إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: تملك الكافرين والظالمين واستخلافهم.

وقد جاءت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ? وَنَطْبَعُ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ?100?تِلْكَ الْقُرَى? نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا ? وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ? كَذَ?لِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى? قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ?101?) [الأعراف: 100 - 101] .

والآية وإن كانت عامة فالسياق يدل على أنهم خلف سوء، ولذا ختمت الآية بقوله: كَذَ?لِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى? قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) وقال السدي: أولم يتبين للذين يرثون الأرض من بعد أهلها هم المشركون 41، وكما قال تعالى في حديثه عن الظالمين: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ?45?) [إبراهيم: 45] .

وقد تضمنت الآية معنى الوراثة بلا شك، فدلت الآيات على ما يحصل من تسلط الكافرين والظالمين في هذه الأرض، وقد قصَّ الله تعالى علينا من قصصهم في القرآن ما فيه عبرة وتذكرة للمعتبرين.

ومن الأمثلة التي ضربها الله وقصها وصرفها في القرآن علو فرعون وتكبره، فقد أخبر الله تعالى عن شدة عتوه أن قال: (وَنَادَى? فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَ?ذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ? أَفَلَا تُبْصِرُونَ ?51?) [الزخرف: 51] .

ولذا قال تعالى مبينا شدة ظلمه: (ے ے إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ? إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ?4?) [القصص: 4] .

لقد بلغ من عتوِّ فرعون وعلوه في الأرض من درجات الإفساد أشدها وأعظمها ومن تلك المفاسد:

أولًا: التكبر والتجبر؛ فإنه مفسدة نفسية عظيمة تتولد منها مفاسد جمة من احتقار الناس والاستخفاف بحقوقهم وسوء معاشرتهم وبث عداوته فيهم.

ثانيًا: أنه جعل شعبه شيعًا، فقرب بعضهم وأبعد بعضهم، وتولدت بينهم مفاسد عظيمة من الحقد والحسد والوشاية والنميمة.

ثالثًا: أنه جعل طائفة من أهل مملكته في ذلِّ وصغار واحتقار، عذبهم ونكل بهم ومنعهم من حقوقهم وجعلهم عبيدًا للطائفة المقربة لديه.

رابعًا: اجتهد في قتل أطفال الطائفة المعذبة من الذكور حتى لا يكون لبني إسرائيل قوة من رجال قبيلتهم وحتى يكون النفوذ في الأرض لقومه خاصة.

خامسًا: كان يستحيي النساء، أي: يستبقى على حياة الإناث من الأطفال حتى يصبحن بغايا إذ ليس لهن أزواج، وكان قوم فرعون يحتقرونهن ويأنفون أن يتزوجوا بهن، ولم يبق لهن حظٌّ من رجال القوم إلا قضاء الشهوة، فانقلب استحياء البنات إلى مفسدة عظيمة تصل إلى منزلة تذبيح الأبناء 42.

إن هذا مثال صارخ لنوع من وراثة الأرض، ولكنها وراثة بالظلم والقهر والإفساد في الأرض والقتل والبغي بغير الحق و وبما لا يرضي الله تعالى فكان جزاؤهم كما أخبر الله: فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ?136?) [الأعراف: 136] .

ضربة واحدة، فإذا هم هالكون، ومن التعالي والتطاول والاستكبار، إلى الهوي في الأعماق والأغوار، جزاء وفاقًا بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين «43 وهذا جزاء كل وارث يبدل دين الله، ويظلم الناس ويقتلهم.

القسم الثاني: توريث المستضعفين وتمليكهم.

وهذه من سنن الله في وراثة الأرض كما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ? فَأَوْحَى? إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ?13?وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ? ذَ?لِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ?14?) [إبراهيم: 13 - 14] .

فلا يمكن للظلم أن يستمر، ومهما طال الظلم وانتفش، فقد اقتضت سنة الله أن يورث الأرض من بعده من وقع عليهم الظلم وذاقوا ويلاته.

وقد أخبر الله تعالى عن إرادته التي لا راد لها أنه سيورث الأرض من بعد فرعون لبني إسرائيل فقال: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ?5?وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ?6?) [القصص: 5 - 6] .

لقد كان بنو إسرائيل ينتظرون هذه الوراثة ويترقبونها، فمما كانوا يتدارسونه في قول إبراهيم الخليل عليه السلام حين ورد الديار المصرية وجرى له مع جبارها ما جرى حين أخذ سارة ليتخذها جارية فصانها الله منه ومنعه منها بقدرته وسلطانه، فبشر إبراهيم عليه السلام ولده أنه سيولد من صلبه وذريته من يكون هلاك مصر على يديه ومع هذا الوعد الذي كانوا يتناقلونه ومع خروج نبي الله موسى بينهم كان العذاب والاضطهاد والإيذاء الذي يجدونه من فرعون يكاد ينسيهم هذا الوعد، حتى قال لهم موسى عليه السلام مذكرًا ومصبرًا: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ? إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ? وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128] .

فما كان منهم إلا أن قالوا: (أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ? قَالَ عَسَى? رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 129] .

وتأمل قوة يقين موسى عليه السلام وفقهه السنني، فهو لا يحمل هم وراثة الأرض والاستخلاف، فهو وعد الله جل وعلا، إنه يحمل هم العمل بعد وراثة الأرض، إنه يحمل هم التمكين بعد التوريث، ولذا قال لهم: (فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)

ويستمر الاضطهاد والتعذيب حتى يأتي وعد الله ويتحقق ما أراد الله: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ? وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى? عَلَى? بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ? وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ?137?) [الأعراف: 137] .

أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل فرعون، يسومونهم سوء العذاب 44، وكما قال تعالى: (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ?57?وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ?58?كَذَ?لِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ?59?) [الشعراء: 57 - 59] .

وقد جاء الحديث عن بعض مظاهر هذه الوراثة في مثل قوله تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى? ?80?كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ? وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى? ?81?وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى? ?82? ں) [طه: 80 - 82] .

وقوله تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ? وَأَوْحَيْنَا إِلَى? مُوسَى? إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ? فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ? قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ? وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى? ? كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ? وَمَا ظَلَمُونَا وَلَ?كِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ?160?) [الأعراف: 160] .

والذي يظهر من هذه الوراثة أنها وراثة تمليك وتقلب، جزاء صبرهم وما لاقوه من الأذى والاضطهاد، وهي كذلك وراثة تمحيص وابتلاء كما هو ظاهر من تذييل الآيات السابقة، وقد روى الطبري في ذلك: «أن الله جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر، وإنما ابتلاهم بالتيه بامتناعهم على موسى في حرب الجبابرة إذ قال لهم: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى? أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ?21?) [المائدة: 21] .

إلى قوله: (قَالُوا يَا مُوسَى? إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ? فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ?24?) [المائدة: 24] .

فحرم الله جل وعز على قائل ذلك فيما ذكر لنا دخولها حتى هلكوا في التيه وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة، ثم أهبط ذريتهم الشام، فأسكنهم الأرض المقدسة، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع يوشع بن نون بعد وفاة موسى بن عمران. فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها» 45.

من خلال ما سبق يتبين أن هذه الوراثة وراثة تمليك وتقلب في البلاد لجيلٍ ذاق الظلم والاضطهاد والاستضعاف، حتى خرج من بوتقة العبودية وظلام الاستعباد إلى رحابة الحرية ونور الاستخلاف، وهذه نعمة وأي نعمة كما قال تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ? وَفِي ذَ?لِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ?49?) [البقرة: 49] .

ولكن هذه الوراثة لا تؤهله بعد لوراثة التمكين، لقد خرج من الاستعباد نعم ولكنه خرج مثقلًا بآثار الاضطهاد والاستضعاف، وليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلًا، ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء!

ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلًا، فأورثهم الله الأرض ليمحصهم ويهذبهم ويستصلح نفوسهم من هذه الآثار حتى يكون فيهم أو منهم جيل الوراثة التي يريدها الله، وهو النوع الثالث من أنواع وراثة الأرض.

القسم الثالث: وراثة التمكين في الأرض.

وهذه الوراثة تفهم من عمومات الآيات التي تحدث عن وراثة الأرض كقوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ?5?) [القصص: 5] .

وقوله تعالى: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ? وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ?128?) [الأعراف: 128] .

فالوراثة عامة تشمل النوع الثاني وهذا النوع.

كما دل على هذا النوع قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ?105?) [الأنبياء: 105] .

أي: أرض العدو، يورثها الله المؤمنين في الدنيا 46، كما قال تعالى في مبينا نعمته على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومبشرًا لهم بقوله: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا ? وَكَانَ اللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ?27? [الأحزاب: 27] .

ومن الآيات الدالة على ذلك كذلك قوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ? يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ? وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ?55?) [النور: 55] .

وحقيقة هذه الوراثة يبينها سيد قطب بقوله: «لقد استخلف الله آدم في الأرض لعمارتها وإصلاحها، واستخدام الكنوز والطاقات المرصودة فيها، والبلوغ بها إلى الكمال المقدر لها في علم الله.

وفي الطريق لبلوغ ذلك التوازن والتناسق تشيل 47 كفة وترجح كفة، وقد يغلب على الأرض جبارون وظلمة وطغاة، وقد يغلب عليها همج ومتبربرون وغزاة، وقد يغلب عليها كفار فجار يحسنون استغلال قوى الأرض وطاقاتها استغلالا ماديا، ولكن هذه ليست سوى تجارب الطريق، والوراثة الأخيرة هي للعباد الصالحين الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح، فلا يفترق في كيانهم هذان العنصران ولا في حياتهم.

وحيثما اجتمع إيمان القلب ونشاط العمل في أمة فهي الوارثة للأرض في أية فترة من فترات التاريخ، ولكن حين يفترق هذان العنصران فالميزان يتأرجح، وقد تقع الغلبة للآخذين بالوسائل المادية حين يهمل الأخذ بها من يتظاهرون بالإيمان، وحين تفرغ قلوب المؤمنين من الإيمان الصحيح الدافع إلى العمل الصالح، وإلى عمارة الأرض والقيام بتكاليف الخلافة التي وكلها الله إلى هذا الإنسان.

وما على أصحاب الإيمان إلا أن يحققوا مدلول إيمانهم، وهو العمل الصالح، والنهوض بتبعات الخلافة ليتحقق وعد الله، وتجري سنته: (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ فالمؤمنون العاملون هم العباد الصالحون» 48.

وقد ضرب الله لنا في القرآن أنموذجًا لهذه الوراثة في قصة ذي القرنين، فقال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ? قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ?83?إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ?84?) [الكهف: 83 - 84] .

وتأمل قوله: (?إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ) أي: بتذليل الطرق وتسهيل السير فيها، وقوله: (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) أي: أعطيناه من كل شيء يحتاج إليه الخلق، وفيهما من الدلالة على قوة التمكين والتسخير بلوغه غاية عظيمة في ذلك حتى قال بعض المفسرين: معالم الأرض ومنازلها وأعلامها وآثارها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يعني: تعليم الألسنة كان لا يغزو قوما إلا حدثهم بلغتهم.

وقص الله لنا كيف سخر هذه الإمكانات التي آتاه الله إياها في عمارة الأرض حتى بلغ من الأرض ما انتهى إليه ولا يمكن لأحد أن يتجاوزه، فلما بلغ تلك الجهة ورأى مغرب الشمس، ذكر تعالى أنه حكم في تلك الناحية: (وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ?86?قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى? رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ?87?) [الكهف: 86 - 87] .

فيجتمع عليه عذاب الدنيا والآخرة، وبدأ بعذاب الدنيا لأنه أزجر عند الكافر (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى? ? وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ?88?) [الكهف: 88] .

فبدأ بالأهم وهو ثواب الآخرة وعطف عليه الإحسان منه إليه وهذا هو العدل والعلم والإيمان، ثم انتقل بعد ذلك راجعًا إلى المشرق فرأى في تلك الجهة قومًا ليس لهم بيوت ولا أكنان يستترون بها من حر الشمس حتى قيل: إنهم كانوا يأوون إذا اشتد عليهم الحر إلى أسراب قد اتخذوها في الأرض شبه القبور.

ولما كان سيره ووراثته للأرض وراثة إعمار وطاعة، كان محفوظًا بحفظ الله وستره وعنايته في مسيره كله، وذلك قول الله: كَذَ?لِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا) [الكهف: 91] .

(حَتَّى? إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ، فذكروا له أن يأجوج ومأجوج قد تعدوا عليهم، وأفسدوا في بلادهم، وقطعوا السبل عليهم.

وبذلوا له خراجًا على أن يقيم بينهم وبينهم حاجزا يمنعهم من الوصول إليهم، فامتنع من أخذ الخراج اكتفاءً بما أعطاه الله من الأموال الجزيلة (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ [الكهف: 95] .

ثم طلب منهم أن يجمعوا له رجالًا وآلات ليبني بينهم وبين يأجوج ومأجوج ردمًا، وهو الحاجز الحصين الموثق بعضه فوق بعض، مع التلاصق المتلاحم الموجب لأن لا يميز بعضه من بعض، وكانوا لا يستطيعون الخروج إليهم إلا من بينهما، وبقية ذلك بحار مغرقة وجبال شاهقة، فبناه كما قال تعالى من الحديد والقطر وهو النحاس المذاب، فجعل بدل اللبن حديدا وبدل الطين نحاسا، ولهذا قال تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) [الكهف: 97] .

أي: يعلو عليه بسلالم ولا غيرها وما استطاعوا أن ينقبوه بمعاول ولا فؤوس ولا غيرها.

وبعد هذا قال: (هَ?ذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ?) [الكهف: 98] .

أي: قدر الله وجوده ليكون رحمة منه بعباده أن يمنع بسببه عدوان هؤلاء القوم على من جاورهم في تلك المحلة 49.

ولما وصف الله ورثة هذا النوع بأنهم الصالحون، وضرب الله لنا أنموذجًا واقعيا من هؤلاء الصالحين، فيمكن لنا أن نتلمس أبرز سمات هؤلاء الوارثين:

أولًا: الإيمان بالله واليوم الآخر، وهذا ظاهر في طريقة حكمه، حيث جعل الميزان هو ميزان الحق تبارك وتعالى، وأن حكمه الدنيوي لا يساوي شيئًا أمام حكم ملك الملوك جل وعلا في الإساءة والإحسان على السواء، (قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى? رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا(87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى? ? وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) [الكهف: 87 - 88] .

وهذا يدل على مدى إيمانه بالله وتذكره الدار الآخرة، ولم ينسه ما هو فيه من الملك والتمكين هذه الحقيقة.

ثانيًا: الجد والاجتهاد والسعي قدر الطاقة، فقد جد ذو القرنين حتى بلغ ما انتهى إليه علمه من جهة المغرب، ثم سار إلى الجهة المقابلة حتى بلغ منتهاها ولا يقدر على مثل ذلك إلا من اجتهد وجد بكل ما آتاه الله من قوة، دون تضييع لها أو تفريط.

ثالثًا: بذل الخدمة وتقديم النصح والمساعدة، وهكذا هم الوارثون يبذلون الخدمة والمساعدة لمن يحتاج، وخصوصًا إذا بلغت الحاجة حد الضعف الذي يجرؤ الأعداء عليهم، وحد الجهل الذي يورثهم العجز وسوء التدبير، وهذا كان واقع الذين طلبوا من ذي القرنين بناء السد، فقد تسلط عليهم يأجوج ومأجوج ظلمًا وبغيا، ومع ذلك فهم لا يكادون يفقهون قولا.

رابعًا: استغلال الثروات والموارد البشرية: فالوارثون هم من يستثمرون الثروات في تنمية الأوطان وازدهارها، فحين طلب القوم من ذي القرنين بناء السد، لم يكن منه إلا أن أحسن إدارة الثروات والاستفادة منها، فقد كان الحديد والنحاس بين أيديهم، وهم الذين بنوا وشاركوا وعاونوا كما دل على ذلك واو الجماعة في: (فَأَعِينُونِي) (آتُونِي) (انفُخُوا) (قَالَ آتُونِي) ، فالوارث على الحقيقة هو من يستطيع أن يسخر الناس في خدمة أوطانهم وبلدانهم، وأن يستثمر ثرواتهم في تنميتها، أما الظالم فهو الذي يجعل من الثروات طريقًا للجشع ونهب ثروات البلاد بغير حق، ويستغل جهل الناس وضعفهم في إذلالهم واستعبادهم.

خامسًا: تذكر نعمة الله ونسبة الفضل له، وهذا ظاهر من قول ذي القرنين بعد اكتمال السد: (قَالَ هَ?ذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي) [الكهف: 98] .

وفي ختام هذا المبحث نلحظ أن الآيات التي جاء الحديث فيها عن وراثة الأرض تضمنت ما يلي:

وقد قال تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ? وَنَطْبَعُ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ?100?) [الأعراف: 100] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت