فهرس الكتاب

الصفحة 1916 من 2431

-الافتراء على الله الكذب: قال تعالى: (قَالَ لَهُم مُّوسَى? وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ? وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى?) [طه: 61] . ومعنى يسحتكم: يستأصلكم 61، أي: لا تفتروا على الله الكذب فيبيدكم، ولن ينفعكم الكذب؛ لأن عاقبته خيبةٌ وخسران 62.

-جحود الآيات ظلما وتكبرًا مع العلم بصدق ما جاء به موسى عليه السلام (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ? فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ(14 ) ) [النمل: 14] .

-التكذيب بآيات الله واليوم الآخر قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ? هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(147) ہ) [الأعراف: 147] .

-العصيان: دعا موسى عليه السلام فرعون إلى الإيمان بالله عز وجل وطاعته، قال تعالى: (وَأَهْدِيَكَ إِلَى? رَبِّكَ فَتَخْشَى? ?19?) [النازعات: 19] . وقوله تعالى: (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى? مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى?) [طه: 48] . وكذلك دعاه إلى إرسال بني إسرائيل معه، بعد أن بين له أن الأمر من رب العالمين (قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الأعراف: 105] . ولكن فرعون عصى، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى?) [طه: 56] .

-الاحتيال والاستهزاء بموسى وبما جاء به قال تعالى: (. فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ) [الزخرف: 47] . وقد أملى الله عز وجل لهذا الفرعون في كل باب من أبواب التملك والتسلط والترفع والتنعم ما قد استخف به رعيته من أهل مملكته، حتى استعبدهم فعبدوه، وادعى الربوبية فقبلوه، مع ما أوتى من العمر الطويل والقوة والمنعة والسعة والجنود والشوكة والعدة والعدد، والصحة في جسمه والاعتدال في طبيعته وخلقته وقوة بنيته 63.قال تعالى: (ڑ ڑ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ*أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى? إِلَ?هِ مُوسَى? وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ? وَكَذَ?لِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ? وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) [غافر: 36 - 37] . وما احتيال فرعون الذي يحتال للاطلاع إلى إله موسى إلا في خسر وذهاب مال؛ لأنه ذهبت نفقته التي أنفقها على الصرح باطلًا ولم ينل بما أنفق شيئًا مما أراده فذلك هو الخسار والتباب 64.

-اتهامه بالسحر والافتراء، قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى? بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَ?ذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَ?ذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) [القصص:36] . (فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) [غافر: 24] . فيما أظهره من المعجزات وفيما ادعاه من رسالة رب العالمين 65.

-اتهامه بالجنون من قبل فرعون، قال تعالى: (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) [الشعراء: 27] . «قاصدًا بذلك المغالطة وإيقاعهم في الحيرة، مظهرًا أنه مستخف بما قاله موسى مستهزئ به» 66.

-اتهامه بأن دعواه ليست صادقة، وإنما هي لأجل الحكم والكبرياء، قال تعالى: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ) [يونس: 78] .

-اتهامه بالتآمر مع السحرة لأخذ الحكم منه، وهو هاجس يطارد أكثر الحكام، حتى يبقوا طوال مدة حكمهم لا يذوقون طعم النوم والراحة: (إِنَّ هَ?ذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ? فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 123] .

-تقتيل المؤمنين من قوم موسى واستحياء 67 النساء 68 للخدمة، قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ? وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) [غافر: 25] . وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل؛ لئلا ينصروا عليهم إلا مكر ذاهب وهالك في ضلال 69.

-الإسراف في القتل، قال تعالى: (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ(124 ) ) [الأعراف: 124] . وهو منهج للطغاة قديم.

ويظهر مما سبق: «مدى المشقة التي واجهها موسى عليه السلام في دعوة فرعون وقومه» 70، «ولم تنفع فرعون وقومه الموعظة الحسنة من موسى عليه السلام، بل ازدادوا علوًا في الأرض وطغيانًا، وتعذيبًا للمؤمنين» 71.

4.تكذيب قوم شعيب.

أخبر سبحانه وتعالى في كتابه أن قوم شعيب كذبوه.

قال تعالى: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء: 176] . والأيكة: الشجر الملتف 72.

ومن صور تكذيبهم:

-التكذيب الواضح لدعوته، قال تعالى: (وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) [الشعراء: 186] . بعد أن بين لهم البينات على صدق دعوته (وَإِلَى? مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ? قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ? قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ?) [الأعراف: 85] . وهذا يدل على الجحود والإنكار بعد رؤية البينات، مما يدل على رسوخ التكذيب في قلوبهم.

-الوقوف بوجه الدعوة وتهديد المؤمنين الذين يأتون إلى شعيب ليتبعوه 73: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ?) [الأعراف: 86] إذ كان هؤلاء المكذبون يقعدون على الطريق يرصدون الناس الذين يأتون إلى شعيب عليه السلام؛ ليصدوهم عن الدين ويمنعوهم من الإيمان 74.

-بث الإشاعات الكاذبة بأن طريق شعيب يؤدي إلى الخسران، وهي دعوة الرؤساء الذين يخافون على مراكزهم أن تذهب عنهم، قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ) [الأعراف: 90] . أي: «لمغبونون في فعلكم وترككم ملتكم التي أنتم عليها» 75.

-اتهامه -زورًا وكذبًا- بأنه ساحر يريد أن يضل الناس، رغم أنه بين لهم الحق وأنه لا يدعوهم إلا إلى الخير والفضيلة، قال تعالى: (قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) [الشعراء: 185] .

-توعدهم إياه ومن معه بالنفي عن القرية أو الإكراه على الرجوع في ملتهم، والدخول معهم فيما هم فيه من الكفر 76، قال تعالى: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ? قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) [الأعراف: 88] . «ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية، أو عودكم في الكفر، وشعيب عليه السلام لم يكن في ملتهم قط؛ لأن الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر مطلقًا، لكن غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله: (? قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) كيف نعود فيها ونحن كارهون لها؟!» 77 أي: ولو كنا كارهين تجبروننا على الخروج من الوطن أو العودة في ملتكم أنكم إن فعلتم هذا أتيتم عظيمًا 78. وكان موقف شعيب حازمًا، فقد ثبت على دعوته، قال تعالى على لسانه: (ٹ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ? وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ?) [الأعراف: 89] . أي: قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في الشرك والكفر 79 بعد هداية الله عز وجل لنا، وتعجب من قولهم فقال لهم: كيف يرجع إلى الكفر من آمن بالله وذاق حلاوة الإيمان، فلا يرجع في الكفر إلا من يشاء الله عز وجل.

-التطفيف بالميزان، وبخس الناس أشياءهم مما يسبب مشاكل اقتصادية عديدة، قال تعالى: (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) [الأعراف: 85] .

-الفساد في الأرض -بالشرك والظلم- بعد إصلاحها، «وأكل أموال الناس بالباطل والبغي والعدوان على النفس والأرض، وفساد الأخلاق والآداب بالإثم والفواحش الظاهرة والباطنة» 80 قال تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ? ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [الأعراف: 85] .

وبعد أن سدوا منافذ الهداية في وجوههم، وسلكوا سبل الضلال بما لا رجعة لهم إلى طريق الهدى، مع الاستهزاء والاغترار بالقوة، قال تعالى: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91] .

مع التحدي لشعيب، قال تعالى: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء: 187] .

أوكلهم شعيب على أعمالهم، وسار هو والذين آمنوا معه على نهجهم، وتوعد المكذبين بالعذاب.

قال تعالى: {وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} [هود: 93] .

وفوض أمره إلى العزيز العظيم، قال تعالى: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89] .

و {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} في أمورنا ما نأتي منها وما نذر، ربنا احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم وأنت خير الحاكمين، فإنك العادل الذي لا يجور أبدًا 81.

5.تكذيب المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى مسليًا رسوله صلى الله عليه وسلم: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} [آل عمران: 184] .

جاء الخطاب القرآني الموجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ تسلية وتأسيًا له على تكذيب قومه له فحاله مع قومه كحال الرسل السابقين مع قومهم، فلا تعجب ولا تحزن إن كذبوك؛ لأن هذه عادة قديمة في الأمم مع الرسل، وليس ذلك لنقص فيما جئت به 82.

من صور التكذيب قول المشركين: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم اختلق الكذب على الله، فجاء بالذي يتلوه علينا اختلاقًا من عند نفسه، كما قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الشورى: 24] .

قال السعدي رحمه الله: «يعني أم يقول المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم جرأة منهم وكذبًا: {افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} فرموك بأشنع الأمور وأقبحها، وهو الافتراء على الله بادعاء النبوة والنسبة إلى الله ما هو بريء منه، وهم يعلمون صدقك وأمانتك، فكيف يتجرءون على هذا الكذب الصراح؟ بل تجرءوا بذلك على الله تعالى، فإنه قدح في الله، حيث مكنك من هذه الدعوة العظيمة، المتضمنة -على موجب زعمهم- أكبر الفساد في الأرض، حيث مكنه الله من التصريح بالدعوة، ثم بنسبتها إليه، ثم يؤيده بالمعجزات الظاهرات، والأدلة القاهرات، والنصر المبين، والاستيلاء على من خالفه، وهو تعالى قادر على حسم هذه الدعوة من أصلها ومادتها، وهو أن يختم على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يعي شيئًا ولا يدخل إليه خير، وإذا ختم على قلبه انحسم الأمر كله وانقطع.

فهذا دليل قاطع على صحة ما جاء به الرسول، وأقوى شهادة من الله له على ما قال، ولا يوجد شهادة أعظم منها ولا أكبر، ولهذا من حكمته ورحمته وسنته الجارية أنه يمحو الباطل ويزيله، وإن كان له صولة في بعض الأوقات، فإن عاقبته الاضمحلال 83.

إذن فهي شبهة لا قوام لها. وزعم لا يقوم على أساس. ودعوى تخالف المعهود عن علم الله بالسرائر، وعن قدرته على ما يريد، وعن سنته في إقرار الحق وإزهاق الباطل، وإذن فهذا الوحي حق، وقول محمد صدق وليس التقول عليه إلا الباطل والظلم والضلال.

وفي قوله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] .

«يقول تعالى مسليًا لنبيه صلى الله عليه وسلم في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} أي: قد أحطنا علمًا بتكذيبهم لك، وحزنك وتأسفك عليهم، كقوله: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطرٍ: 8] .

كما قال تعالى في الآية الأخرى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3] .

{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6] .

وقوله: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} ، أي: لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} أي: ولكنهم يعاندون الحق، ويدفعونه بصدورهم» 84.

روى الحاكم بسنده عن علي، قال: قال أبو جهلٍ للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} 85.

خامسًا: الكذب في إبداء الأعذار للتخلف عن الجهاد:

قال تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة 42 - 43] .

«يقول تعالى موبخًا للذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وقعدوا بعد ما استأذنوه في ذلك مظهرين أنهم ذووا أعذارٍ ولم يكونوا كذلك فقال: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا} قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: غنيمةٌ قريبةٌ {وَسَفَرًا قَاصِدًا} أي: قريبًا أيضًا، {لَاتَّبَعُوكَ} أي: لكانوا جاءوا معك لذلك {وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ} أي: المسافة إلى الشام، {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} أي: لكم إذا رجعتم إليهم {لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} أي: لو لم يكن لنا أعذارٌ لخرجنا معكم» 86.

كشف الله كذبهم وفضحهم؛ لأن الأعمال الشاقة تحتاج إلى رجال أشداء يبذلون النفس والنفيس في سبيل تحقيق المبادئ وإرساء دعائم الحق، أما المتهاونون أمام الشدائد لا يصلحوا لصد عدو ولا لبناء أمة، والقرآن يقص علينا أمثال هؤلاء؛ حتى نكون منهم على حذر «فكثيرون هم أولئك الذين يتهاوون في الطريق الصاعد إلى الآفاق الكريمة. كثيرون أولئك الذين يجهدون لطول الطريق فيتخلفون عن الركب، ويميلون إلى عرض تافه أو مطلب رخيص، كثيرون تعرفهم البشرية في كل زمان وفي كل مكان، فما هي قلة عارضة، إنما هي النموذج المكرور، وإنهم ليعيشون على حاشية الحياة، وإن خيل إليهم أنهم بلغوا منافع ونالوا مطالب، واجتنبوا أداء الثمن الغالي، فالثمن القليل لا يشتري سوى التافه الرخيص {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} فهو الكذب المصاحب للضعف أبدًا، وما يكذب إلا الضعفاء، أجل ما يكذب إلا ضعيف ولو بدا في صورة الأقوياء الجبارين في بعض الأحايين، فالقوي يواجه والضعيف يداور، وما تتخلف هذه القاعدة في موقف من المواقف ولا في يوم من الأيام {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} بهذا الحلف وبهذا الكذب، الذي يخيل إليهم أنه سبيل النجاة عند الناس، والله يعلم الحق، ويكشفه للناس، فيهلك الكاذب في الدنيا بكذبه، ويهلك في الآخرة يوم لا يجدي النكران» 87.

وفي الآية دلالةٌ على أن تعمد اليمين الفاجرة يفضي إلى الهلاك.

سادسًا: الكذب في إسناد الأقوال والأفعال لغير فاعلها:

أخبر سبحانه وتعالى في سورة يوسف أن إخوته كذبوا على أبيهم، وأوهموه أن الذئب أكله.

قال تعالى: {قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17] .

يقول تعالى مخبرًا عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعد ما ألقوه في غيابة الجب، ثم رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون ويظهرون الأسف والجزع على يوسف ويتغممون لأبيهم، وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا: {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي: نترامى، {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا} أي: ثيابنا وأمتعتنا {فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} وهو الذي كان قد جزع منه وحذر عليه.

وقوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} تلطفٌ عظيمٌ في تقرير ما يحاولونه، يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدقنا والحالة هذه لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك؛ لأنك خشيت أن يأكله الذئب، فأكله الذئب، فأنت معذورٌ في تكذيبك لنا لغرابة ما وقع، وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا، أي: مكذوبٍ مفترى، وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالؤوا عليه من المكيدة، وهو أنهم عمدوا إلى سخلةٍ 88، فذبحوها ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب، وقد أصابه من دمه، ولكنهم نسوا أن يخرقوه؛ فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي الله يعقوب.

بل قال لهم معرضًا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من لبسهم عليه: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 18] أي: فسأصبر صبرًا جميلًا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه حتى يفرجه الله بعونه ولطفه {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} أي: على ما تذكرون من الكذب والمحال 89.

أدرك يعقوب عليه السلام من دلائل الحال، ومن نداء قلبه، أن يوسف لم يأكله الذئب، وأنهم دبروا له مكيدةً ما. وأنهم يلفقون له قصة لم تقع، ويصفون له حالًا لم تكن، فواجههم بأن نفوسهم قد حسنت لهم أمرًا منكرًا وذللته ويسرت لهم ارتكابه وأنه سيصبر متحملًا متجملًا لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو، مستعينًا بالله على ما يلفقونه من حيل وأكاذيب.

ثم اتهموا يوسف عليه السلام بالسرقة كما قال تعالى: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77] .

أي: إن سرق هذا فقد سرق أخ شقيق له من قبل -يقصدونه عليه السلام - فأخفى يوسف في نفسه ما سمعه، وحدث نفسه قائلًا: أنتم أسوأ منزلة ممن ذكرتم، حيث دبرتم لي ما كان منكم {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} من الكذب والافتراء.

هكذا أسند أخوة يوسف بالكذب إلى الذئب أكل يوسف، ثم أسندوا له السرقة مفترين عليه.

حذر القرآن الكريم من عاقبة الكذب وآثاره سواء كانت على الكاذب أو على المجتمع:

أولًا: آثار الكذب على الكاذب:

1.الضلال.

قرن سبحانه وتعالى بين الكذب والضلال في مواضع من كتابه فقال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 24] .

وقال تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 51] .

وقال تعالى: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ} [الواقعة: 92] .

خاطب سبحانه أصحاب الشمال فقال: «أيها الذين ضللتم فأصررتم على الذنب العظيم، إذ لم توحدوا الله ولم تفعلوا ما يوجب تعظيمه، ثم كذبتم رسله، فأنكرتم البعث والجزاء في هذا اليوم- إنكم لآكلون من شجر الزقوم، فمالئون منها بطونكم، فشاربون بعد ذلك من ماء حار لغلبة العطش عليكم، ولكنه شرب لا يشفي الغليل، ومن ثم تشربون ولا ترتوون، فكأنكم الإبل التي أصيبت بداء الهيام، فلا يروي لها الماء غليلًا» 90.

وقد قدم الضالين: {الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ} وفي آخر السورة قدم المكذبين: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ} قال الرازي رحمه الله: «وذلك أن المراد من الضالين هاهنا هم الذين صدر منهم الإصرار على الحنث العظيم، فضلوا في سبيل الله ولم يصلوا إليه ولم يوحدوه، وذلك ضلالٌ عظيمٌ، ثم كذبوا رسله وقالوا: {أَإِذَا مِتْنَا} فكذبوا بالحشر، فقال: {أَيُّهَا الضَّالُّونَ} الذين أشركتم المكذبون الذين أنكرتم الحشر؛ لتأكلوا ما تكرهون.

وأما هناك فقال لهم: أيها {الْمُكَذِّبُونَ} الذين كذبتم بالحشر {الضَّالُّونَ} في طريق الخلاص الذين لا يهتدون إلى النعيم، وفيه وجهٌ آخر وهو أن الخطاب هنا مع الكفار فقال: يا أيها الذين ضللتم أولًا وكذبتم ثانيًا، والخطاب في آخر السورة مع محمدٍ صلى الله عليه وسلم يبين له حال الأزواج الثلاثة فقال: {الْمُقَرَّبُونَ} في روحٍ وريحانٍ وجنة ونعيم، {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ} في سلامٍ.

وأما {الْمُكَذِّبُونَ} الذين كذبوا فقد ضلوا فقدم تكذيبهم إشارةً إلى كرامة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، حيث بين أن أقوى سببٍ في عقابهم تكذيبهم، والذي يدل على أن الكلام هناك مع محمدٍ صلى الله عليه وسلم قوله: {فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 91] 91.

وقال ابن عاشور رحمه الله: «قدم وصف {الضَّالُّونَ} على وصف {الْمُكَذِّبُونَ} مراعاةً لترتيب الحصول؛ لأنهم ضلوا عن الحق فكذبوا بالبعث ليحذروا من الضلال ويتدبروا في دلائل البعث.

وقدم وصف التكذيب على وصف الضلال؛ لمراعاة سبب ما نالهم من العذاب وهو التكذيب؛ لأن الكلام هنا على عذابٍ قد حان حينه وفات وقت الحذر منه فبين سبب عذابهم، وذكروا بالذي أوقعهم في سببه ليحصل لهم ألم التندم» 92.

2.الخسران:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت