إن لقوة أجسام العسكرين، قادة وجندًا، أهمية كبيرة، لما يترتب عليه من القدرة على القيام بمهامهم الميدانية، وكسر لشوكة العدو، بين السمرقندي في تفسيره لقوله تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} ذلك، فقال: آتى الله طالوت فضيلة في العلم والجسم، حيث كان رجلًا جسيمًا، عالمًا في فنون الحرب والقتال 52، وهذا هو ما جعله الله سببًا في أحقيته بقيادة الجند.
المسألة الثانية: إعداد خطط الجيش للمعركة.
قال تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) } [آل عمران:121] .
إن إعداد الخطط يتأثر باختلاف الوسائل القتالية، واختلاف البيئة الجغرافية، وغير ذلك، ولكنه في جميع أحواله يتطلب الإعداد، ففي بدر نزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلًا رأى الحباب بن المنذر خيرًا منه، فأخذ صلى الله عليه وسلم بقوله 53.
وفي الخندق، أخذ صلى الله عليه وسلم برأي سلمان الفارسي في حفر الخندق كخطة دفاعية عن المدينة 54.
وفي أحد خرج صلى الله عليه وسلم حتى وأصبح بالشعب من أحد، فمشى على رجليه، وجعل يصف أصحابه للقتال، كأنما يقوم بهم القدح، إن رأى صدرًا خارجًا أخره، ونزول جانب الوادي، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وأمّر عبد الله بن جبير على الرماة، وقال: ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا، وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اثبتوا في هذا المقام، فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين، ولا تخرجوا من هذا المقام 55.
المسألة الثالثة: إعداد آلة القتال.
قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) } [الأنفال:60] .
الإعداد التهيئة، ويدخل في {مَا اسْتَطَعْتُمْ} كل ما يدخل تحت قدرة الناس من عدة، والقوة: كمال صلاحية الأعضاء لعملها، وتطلق القوة مجازًا على شدة تأثير شيء ذي أثر، وتطلق أيضًا على سبب شدة التأثير، فقوة الجيش شدة وقعه على العدو، وقوته أيضًا سلاحه وعتاده، وهو المراد هنا، فهو مجاز مرسل بواسطتين، فاتخاذ السيوف والرماح والأقواس والنبال من القوة في جيوش العصور الماضية، واتخاذ الدبابات والمدافع والطيارات والصواريخ من القوة في جيوش عصرنا 56.
وعليه فإن الأمة مطالبة اليوم بتسخير مقدراتها لامتلاك القوة المادية، التي تؤهلها لمواجهة المخاطر المحيطة بها من كل جانب، وصد العدوان عن أبنائها، ومقدساتها، وعقيدتها، عملًا بما جاء بالكتاب، وأخذًا بالأسباب.
ثانيًا: الشورى:
جاءت شريعة الله عز وجل لترسي أفضل القيم البشرية في تآلف الأرواح ورص الصفوف، واستنهاض الطاقات البشرية الكامنة في النفوس، فكانت الشورى من جملة قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، التي أرست دعائمها 57.
وقد أخذ بها صلى الله عليه وسلم في كثير من شئون الأمة الاجتهادية، إذ لا مشورة فيما نزل به الوحي، فكان يستشير أصحابه في كثير من القضايا التي تمس حياتهم، مما يجعل الأمة تفتخر بميراثها من نبيها صلى الله عليه وسلم، وقد كان صلى الله عليه وسلم أكثر ما يستشيرهم في أمور القتال، لما له من أثر كبير في مجريات حياة الأمة، ولما يحتاج إليه من حشد الطاقات، ورص الصفوف، وتطييب للنفوس 58.
وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم باستشارة أصحابه فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) } [آل عمران:159] .
وفي هذا تشريف لهذه الأمة، وبيان لفضلها عند ربها؛ فإن الملك العظيم لا يستشير إلا الخاصة من ملئه 59.
وتعتبر الشورى جزءًا من الإعداد، وحسن الإدارة، والتدبير قبل الدخول في الحروب والغزوات، ويمكن الاستدلال بما يأتي:
1.مشورة موسى لقومه في دخول الأرض المقدسة.
قال تعالى: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) } [المائدة:21 - 26] .
فموسى عليه السلام يحاور قومه ويجادلهم للزوم أمر الله، ودخول الأرض المقدسة، وهو ما يترتب عليه قتال وجهاد، ولكن البون كبير بين جواب قوم موسى عليه السلام لنبيهم، وجواب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
2.مشورة نبي من بني إسرائيل لقومه قبل لقاء العدو.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) } [البقرة:246] .
فسياق الآية يتحدث عن محاورة جيل من أجيال بني إسرائيل وتشاورهم مع أحد أنبيائهم حول القتال في سبيل الله ولقاء العدو لاسترداد أرضهم وأموالهم.
3.مشورة ملكة سبأ لقومها في أمر سليمان عليه السلام.
قال تعالى: {قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) } [النمل:29 - 33] .
فالأمر كبير، إنها رسالة إعلان حرب من نبي الله سليمان، على مملكة سبأ، يطلب بها الطاعة والإذعان والاستسلام، فجمعت أهل مشورتها لحسم الأمر.
والجهاد والقتال يحتاجان إلى خبرات كثيرة في فنون القتال والمواجهة مع العدو، ويحتاج إلى حشد عظيم، وذلك لا يتم إلا بالتشاور وإعمال الذهن، وسياق قوله عز وجل: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} جاء تعقيبًا على أحداث غزوة أحد، وجاء السياق ليؤكد هذا المبدأ الأصيل رغم ما لحق بالمسلمين من جراحات.
ويرى بعض أهل التفسير أن المشورة لا تكون إلا بما يختص الحروب، وأن الألف واللام في قوله: {الْأَمْرِ} ليست للاستغراق، وإنما هي للعهد 60، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الشورى جزء من التخطيط للقتال.
وكان سادات العرب إذا لم يستشاروا في الأمر شق عليهم، فأمر اللّه نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه لئلا يثقل عليهم استبداده بالرأي دونهم 61، فالمشورة ركن مهم لتوحيد الصف وجمع الكلمة، وطبائع النفس البشرية واحدة على مدى الزمان.
ثالثًا: العزم والتوكل على الله تعالى:
قال تعالى محذرًا المؤمنين من الخلاف والتنازع: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) } [الأنفال:46] .
والتنازع هو افتراق الآراء، وما يترتب عليه من الخور والجبن، والهزيمة وذهاب الدولة، واستيلاء العدو 62.
فالحرب تحتاج إلى قيادة حازمة، وإن أخطر ما يمكن أن يواجهه القائد التردد وعدم العزم في اتخاذ القرار قبل الخوض في المعركة وخلالها.
فبعد أن أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعداد النفسي للمؤمنين، واستشارتهم بشأن القتال، كان لابد من توجيهه صلى الله عليه وسلم والقادة من بعده للعزم في الأمر، ثم التوكل على الله عز وجل، وهذا هو هديه صلى الله عليه وسلم في سائر أمره، «قال قتادة: أمر الله تعالى نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله، لا على مشاورتهم، والعزم هو الأمر المروّى المنقّح، وليس ركوب الرأي دون روية عزمًا» 63، ويمكن بيان ذلك فيما يأتي:
1.عزمه في معركة بدر.
ذكر المباركفوري في رحيقه أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع من معه قبيل معركة بدر وعقد مجلسًا عسكريًّا استشاريًّا، فتحدث أبو بكر وعمر والمقداد بن عمر، وأشاروا عليه بالمضي، فلا زال يقول: أشيروا علي، حتى تحدث حامل لواء الانصار سعد بن معاذ، فقال: والله، لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، فتكلم كلامًا حسنًا جاء في ختامه «فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوًّا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله» 64، فسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبدأ بإعداد الصفوف، ووضع خطة اللقاء.
وقد ذكر الثعلبي نحوًا منه في تفسير قوله تعالى: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) } [الأنفال:6] 65.
2.عزمه في معركة أحد.
قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) } [آل عمران:159] .
لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خروج قريش لقتاله في أحد استشار صلى الله عليه وسلم أصحابه، وكان الرأي بين قتالهم خارج المدينة أو التحصن بها، فمال إلى حربهم في المدينة، فبادرت جماعة كبيرة من شبان الصحابة ممن فاتهم يوم بدر، فأشاروا عليه بالخروج، وألحوا عليه في ذلك حتى بدا أن هذا هو الرأي السائد في المدينة، فنهض صلى الله عليه وسلم، ودخل بيته، ولبس لأمته، وخرج عليهم، فقالوا: يا رسول الله إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه) 66.
وهنا العبرة والدرس النبوي البليغ، فإن للشورى وقتها، فإذا جاء وقت العزم والمضي والتوكل على الله، ولم يعد هناك مجال للتردد، وإعادة الشورى والتأرجح بين الآراء، إنما تمضي الأمور لغاياتها، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء 67.
3.التحذير من ترك العزم.
تمنَّى المؤمنون نزول سورة تحض على القتال في سبيل الله، فلما نزلت وتثاقل من تثاقل، وفتر من فتر وقعد عن العزم، وبخ الله المتثاقلين، فقال تعالى: {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) } [محمد:21] .
وهذا تبكيت للمتثاقلين لفتورهم عند الجهاد بعد الأمر به، وما يتسبب عن ذلك الفتور من عظيم الفساد، فتخرب البلاد ويتشتت العباد، والتبكيت والتهديد في أسلوب الغيبة تنبيهًا على تناهي غضب الله وبلوغه الغاية 68.
-إنّ ميادين الحرب كثيرة، والقرآن الكريم بيّن أمورًا للمسلمين في ميدان الحرب حتى يبقى الجيش والمسلمون متماسكين ولا يؤخذون على غرّة، فتكون مصيبة على المسلمين، ومن هذه الأمور التي بيّنها الله سبحانه وتعالى ووضّحها رسولنا الكريم ما سنتعرف عليه في النقاط الآتية:
أولًا: الصلاة مع الحذر:
لقد وجّه القرآن الكريم الأمة أفرادًا وجماعة لكل ما يصلح شأنها، ويرعى مصالحها، ويحفظ هيبتها، ويجعل منها أمة ربانية، لا يشغلها شاغل عن ذكر الله تعالى، فلا المال ولا الولد، ولا العلاقات الزوجية والأسرية، ولا القتال ولا النزال يشغل الأمة عن ذكر الله تعالى.
قال تعالى مخاطبًا نبيه والقادة من بعده: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) } [النساء:102] .
أي: إذا كنت حال الخوف في أصحابك -سواء كان ذلك في السفر أو في الحضر- فابتدأت الصلاة المفروضة فلتقم طائفة منهم معك في الصلاة، ولتقم الطائفة الأخرى وجه العدو، يطوفون في كل موضع يمكن أن يأتي منه العدو ليهاجم المصلين، فهم بحاجة للحماية لدخولهم في الصلاة، وليحمل السلاح المصلي كما يحمله من هو خارج الصلاة، أخذًا بالأسباب والحيطة والحذر 69.
وسبب الأمر بصلاة الخوف ما رواه مسلم بسنده عن جابر، قال: (غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا من جهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فذكر ذلك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر قال: صفنا صفين، والمشركون بيننا وبين القبلة) 70.
إن الله عز وجل وهو يربي الأمة بتوجيهاته من خلال القرآن الكريم، ويلزمها بأحكامه، لا يغفل عن توجيهها للحفاظ على أمنها وسلامتها في اللحظات الحاسمة من حياتها.
ولما كانت الصلاة هي الزاد الروحي للمؤمنين، التي يستمدون من خلالها الصلة بربهم، وكان صلى الله عليه وسلم يحرص على أدائها جماعة - حتى وقت التحام الصفوف- كان لا بد من وضع الخطة الملائمة لأداء هذه الفريضة وقت القتال، على الوجه الذي يضمن سلامة الصف، وتفويت الفرصة على العدو المتربص غفلة المؤمنين عن متاعهم وسلاحهم، فأمر نبيه والقادة من بعده بأداء صلاتهم جماعة، على الوجه الذي وصفه القرآن الكريم، مع الحث على أعلى درجات الحيطة والحذر.
ثانيًا: الثبات مع ذكر الله تعالى:
وفي سياق التوجيهات العسكرية للمحاربين، بين السياق القرآني العدة الحقيقة التي تعينهم على ذلك.
يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) } [الأنفال:45 - 46] .
والآيات الكريمة تبين أربع مسائل تقود إلى النصر على العدو، يمكن بيانها كما يأتي:
1.الثبات وعدم الفرار.
في قوله تعالى: {فَاثْبُتُوا} أمر لعباده المؤمنين بالثبات عند لقاء العدو، وعدم الخشية، وألا يتسلل الضعف إلى نفوسهم، وهذا توضيح من الله عز وجل للمؤمنين بسنن الحروب ولقاء الأعداء في الميادين، بأن الثبات «هو بدء الطريق إلى النصر، فأثبت الفريقين أغلبهما» 71.
وقد حذر الله من الفرار والتولي أمام العدو فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) } [الأنفال:15 - 16] .
وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم التولي يوم الزحف من الكبائر، إلا أن يكون ضمن خطة تتضمن الكر والفر أو الانحياز إلى دعم فئة أو جبهة من جبهات القتال الأخرى.
فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) 72.
2.ذكر الله تعالى.
وفي قوله عز وجل: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} بيان أن ذكر الله تعالى واستشعار معيته يهون على الجند عظمة الموقف، ويربط على قلوبهم، ويثبت أقدامهم، فتتحقق لهم الغلبة على العدو، والأمر بالإكثار من ذكر الله عند القتال، هو عصمة المستنجد، ووزر المستعين، «قال قتادة: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف» 73.
وقد يكون أريد ذكر الله بالقلوب والألسن، كما قال ابن عباس: أمر الله أولياءه بذكره في أشد أحوالهم، تنبيهًا على أن الإنسان لا يجوز أن يخلي قلبه ولسانه عن ذكر الله، أو أريد به الدعاء بالنصر والظفر؛ لأن ذلك لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى 74.
وكلا الأمرين مطلوب من المجاهد، فالذكر باللسان من تسبيح وتعظيم لله، وكذلك الدعاء، والتبتل وطلب النصر، هو خير ما يشغل المقاتل به نفسه في هذه اللحظات الحاسمة، فقد تكون هي اللحظات الأخيرة من عمره، فتصعد روحه إلى الله، وهو ذاكر لله، عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه لا إله إلّا اللّه دخل الجنّة) 75.
فالذكر والدعاء ركن أصيل يجب أن نربي عليه جيوش الأمة قبل الدخول في الحروب، وقبل أن نخوض بهم الميادين، ليكونا أنيسين للمقاتلين في الشدة، وعند التحام الصفوف.
3.الطاعة وعدم التنازع.
ومن المسائل المهمة التي يجب أن يتخلق بها الجند والمقاتلون، الطاعة للقيادة وعدم التنازع، فقد عقب الله تعالى على أمره بالثبات عند اللقاء وذكره بقوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ، فالطاعة من أهم لوازم النصر، والظفر بالعدو عند لقاء الصفوف، كما بين المراغي في تفسيره حيث قال: «وأطيعوا الله فيما أمركم به من الأسباب الموجبة للفلاح في القتال وفى غيره، وأطيعوا رسوله كذلك، فهو المبيّن لكلام ربه، والمنفّذ له بالقول والعمل والحكم، وهو القائد الأعظم في القتال، فطاعته هي جماع النظام، والنظام ركن من أركان الظفر، وهو المشارك لكم في الرأي والتدبير والاستشارة في الأمور، ولا يكن منكم تنازع واختلاف، فإن ذلك مدعاة للفشل والخيبة وذهاب القوة، فيتغلب عليكم العدو» 76.
4.الصبر.
وهو ما سيتم الاستفاضة فيما سيأتي في النقطة الخامسة بإذنه تعالى.
ثالثًا: إنزال العذاب بالأعداء بما يلقي الرعب في قلوب الآخرين:
أمر الله عباده المؤمنين بالقيام بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأثنى على الفئة التي تقوم بهذا الجهد.