فهرس الكتاب

الصفحة 1931 من 2431

ثم قال ثامنًا: وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى? أَجَلِهِ ?) وهو أيضًا تأكيد لما مضى.

ثم قال تاسعًا: (ذَ?لِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى? أَلَّا تَرْتَابُوا ?) .

فذكر هذه الفوائد التالية لتلك التأكيدات السالفة، وكل ذلك يدل على المبالغة، في التوصية بحفظ المال الحلال، وصونه عن الهلاك؛ ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل الله، والإعراض عن مساخط الله تعالى من الربا وغيره، والمواظبة على تقوى الله 72.

ومن الآيات الدالة على توثيق الدين، قوله تعالى: (وإِن كُنتُمْ عَلَى? سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ? فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ?ے) [البقرة:283] .

فقوله تعالى: (( وإِن كُنتُمْ عَلَى? سَفَرٍ) بعيدًا أو قريبًا (وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا) أو آلة الكتابة، أو ما يكتب عليه، ويكتب به، وأردتم أن تتعاقدوا أو تتداينوا (فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ) لتثقوا على أموالكم، وليس الغرض جواز الرهن في السفر، وإنما الغرض التوثق من الدين في حالة عدم وجود الكاتب والشهود، وإلا فالرهن جائز سفرًا وحضرًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي، على طعام أخذه منه لأجل 73.

وإنما أشار الله إليه مبالغة في تحفظ الناس على أموالها من أن يأخذها من لا يؤديها، فتسبب الأحقاد والأضغان بينهم؛ لأن المال عديل الروح، وكثيرًا ما يقتل الرجل عند ماله، أو من أجله 74.

ولعل مما يدل أيضًا على التوثيق بالكتابة لحفظ الحقوق ما جاء في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ? وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ?) [النور:33] .

ففي اشتقاق لفظ الكتابة هنا وجوه:

أحدها: أن أصل الكلمة من الكتب، وهو الضم والجمع، ومنه سميت الكتابة؛ لأنها تضم النجوم بعضها إلى بعض، وتضم ماله إلى ماله.

وثانيها: مأخوذ من الكتاب، ومعناه: كتبت لك على نفسي: أن تعتق إذا وفيت بمالي، وكتبت لي على نفسي أن تفي لي بذلك، أو كتبت عليك الوفاء بالمال، وكتبت علي العتق، قاله الأزهري.

وثالثها: سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل بالمال المعقود عليه؛ لأنه لا يجوز أن يقع على مال هو في يد العبد حين يكاتب؛ لأن ذلك مال لسيده اكتسبه في حال ما كانت يد السيد غير مقبوضة عن كسبه، فلا يجوز لهذا المعنى أن يقع هذا العقد حالًا، بل يقع مؤجلًا؛ ليكون متمكنًا من الاكتساب، ثم من آداب الشريعة أن يكتب على من عليه المال المؤجل كتاب؛ فلهذا المعنى سمي هذا العقد كتابًا لما فيه من الأجل، قال تعالى: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) [الرعد:38] 75.

وقال الشوكاني: قيل: الكتاب ها هنا اسم عين للكتاب الذي يكتب فيه الشيء؛ وذلك لأنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتابًا، فيكون المعنى الذين يطلبون كتاب المكاتبة، ومعنى المكاتبة في الشرع: أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجمًا، فإذا أداه فهو حر، وظاهر قوله: (فَكَاتِبُوهُمْ) أن العبد إذا طلب الكتابة من سيده وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور بعده، وهو إن علمتم فيهم خيرًا.

والخير هو القدرة على أداء ما كوتب عليه، وإن لم يكن له مال، وقيل: هو المال فقط، وقال النخعي: إن الخير الدين والأمانة، وقال عبيدة السلماني: إقامة الصلاة 76.

وكتابة عقد المكاتبة فيه خير للسيد والعبد معًا، فالسيد يضمن أموال نجوم المكاتبة كاملة في أوقاتها، والعبد حتى لا ينكر السيد مكاتبته، فيبقى عبدًا، ويضيع عليه ما قدمه من مال.

والمقصود أن من مقاصد الكتابة، الكتابة لتوثيق الحقوق، وقد جاء منصوصًا على ذلك في القرآن في آية الدين، والأمر بالكتابة ليس خاصًا بكتابة الدين فقط، وإنما يشمل غيرها من المعاملات، وإن لم يذكرها القرآن فقد ذكرت السنة ذلك وفصلته.

ثانيًا: حفظ العلم وتدوينه:

ومن مقاصد الكتابة العظيمة كتابة العلم وتدوينه، فما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم إلا بالكتابة، وقد ذكر الله من نعمه على خلقه أنه (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ?4?عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ?5?) [العلق:4 - 5] .

وقد قيل: إن من كرامات الآدمي أن آتاه الله الخط، وتحقيق الكلام في هذا الباب: أن العلم الذي يقدر الإنسان على استنباطه يكون قليلًا، أما إذا استنبط الإنسان علمًا وأودعه في الكتاب، وجاء الإنسان الثاني واستعان بذلك الكتاب، وضم إليه من عند نفسه أشياء أخرى، ثم لا يزالون يتعاقبون، ويضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علم المتقدمين، كثرت العلوم، وقويت الفضائل والمعارف، وانتهت المباحث العقلية، والمطالب الشرعية إلى أقصى الغايات، وأكمل النهايات، ومعلوم أن هذا الباب لا يتأتى إلا بواسطة الخط والكتابة؛ ولهذه الفضيلة الكاملة قال تعالى: 77 (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ?4?عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ?5? اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ?3?) [العلق:3 - 5] .

ففي قوله: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) أي: علم الخط والكتابة بالقلم.

وتخصيص هذه الصفة بالذكر -وهي التعليم بالقلم- للإيماء إلى إزالة ما قد يخطر بباله صلى الله عليه وسلم من تعذر القراءة بالنسبة له لعدم معرفته بالكتابة، فكأنه تعالى يقول له: إن من علم غيرك القراءة والكتابة بالقلم قادر على تعليمك القراءة وأنت لا تعرف الكتابة؛ ليكون ذلك من معجزاتك الدالة على صدقك، وكفاك بالعلم في الأمي معجزة 78.

فإن قلت: فإذا كان القلم والخط من المنن الإلهية فما باله -عليه الصلاة السلام- لم يكتب؟ فالجواب: لأنه لو كتب لقيل: قرأ القرآن من صحف الأولين، ومن كان القلم الأعلى يخدمه، واللوح المحفوظ مصحفه ومنظره لا يحتاج إلى تصوير الرسوم، وتشكيل العلوم بآلات جسمانية؛ لأن الخط صنعة ذهنية، وقوة طبيعية، صدرت بالآلة الجسمانية، وفيه إشارة بديعة إلى أن أمته بين الأمم هم الروحانيون، وصفهم سبحانه في الإنجيل: أمة محمد أناجيلهم في صدورهم 79، لو لم يكن رسم الخطوط لكانوا يحفظون شرائعه -عليه الصلاة السلام- بقلوبهم؛ لكمال قوتهم، وظهور استعداداتهم 80.

وفي قوله: (عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) وجهان:

أحدهما: أن المراد من القلم الكتابة التي تعرف بها الأمور الغائبة، وجعل القلم كناية عنها.

والثاني: أن المراد علم الإنسان الكتابة بالقلم، وكلا القولين متقارب؛ إذ المراد التنبيه على فضيلة الكتابة 81.

فيكون في قوله: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) إشارة إلى الأحكام المكتوبة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالسمع 82.

قال ابن القيم وهو يتكلم عن هذه الآيات، وأهمية الكتابة في حفظ العلم وتدوينه: ثم تأمل نعمة الله على الإنسان بالبيانين، البيان النطقي، والبيان الخطي، وقد اعتد بهما سبحانه في جملة من اعتد به من نعمه على العبد، ثم قال: والتعليم بالقلم الذي هو من أعظم نعمه على عباده؛ إذ به تخلد العلوم، وتثبت الحقوق، وتعلم الوصايا، وتحفظ الشهادات، ويضبط حساب المعاملات الواقعة بين الناس، وبه تقيد أخبار الماضين للباقين اللاحقين.

ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض، ودرست السنن، وتخبطت الأحكام، ولم يعرف الخلف مذاهب السلف، وكان معظم الخلل الداخل على الناس في دينهم ودنياهم إنما يعتريهم من النسيان الذي يمحو صور العلم من قلوبهم، فجعل لهم الكتاب وعاء حافظًا للعلم من الضياع، كالأوعية التي تحفظ الأمتعة من الذهاب والبطلان.

فنعمة الله عز وجل بتعليم القلم بعد القرآن من أجل النعم، والتعليم به وإن كان مما يخلص إليه الإنسان بالفطنة والحيلة، فإنه الذي بلغ به ذلك، وأوصله إليه عطية وهبها الله منه، وفضل أعطاه الله إياه، وزيادة في خلقه وفضله، فهو الذي علمه الكتابة، وإن كان هو المتعلم، ففعله فعل مطاوع لتعليم الذي علم بالقلم، فإنه علمه فتعلم، كما أنه علمه الكلام فتكلم.

هذا ومن أعطاه الذهن الذي يعي به، واللسان الذي يترجم به، والبنان الذي يخط به، ومن هيأ ذهنه لقبول هذا التعليم دون سائر الحيوانات، ومن الذي انطق لسانه، وحرك بنانه، ومن الذي دعم البنان بالكف، ودعم الكف بالساعد، فكم لله من آية نحن غافلون عنها في التعلم بالقلم.

فقف وقفة في حال الكتابة، وتأمل حالك! وقد أمسكت القلم وهو جماد وضعته على القرطاس وهو جماد، فتولد من بينهما أنواع الحكم، وأصناف العلوم، وفنون المراسلات والخطب والنظم والنثر، وجوابات المسائل، فمن الذي أجرى فلك المعاني على قلبك، ورسمها في ذهنك، ثم أجرى العبارات الدالة عليها على لسانك.

ثم حرك بها بنانك حتى صارت نقشًا عجيبًا معناه أعجب من صورته، فتقضى به مآربك، وتبلغ به حاجة في صدرك، وترسله إلى الأقطار النائية، والجهات المتباعدة، فيقوم مقامك، ويترجم عنك، ويتكلم على لسانك، ويقوم مقام رسولك، ويجدي عليك ما لا يجدي من ترسله سوى من علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والتعليم بالقلم يستلزم المراتب الثلاث، مرتبة الوجود الذهني، والوجود اللفظي، والوجود الرسمي، فقد دل التعليم بالقلم على أنه سبحانه هو المعطي لهذه المراتب 83.

فإن الله تعالى أخرج الإنسان من بطن أمه لا يعلم شيئًا، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، ويسر له أسباب العلم.

فعلمه القرآن، وعلمه الحكمة، وعلمه بالقلم، الذي به تحفظ العلوم، وتضبط الحقوق، وتكون رسلًا للناس تنوب مناب خطابهم، فلله الحمد والمنة، الذي أنعم على عباده بهذه النعم التي لا يقدرون لها على جزاء ولا شكور 84.

والحاصل: أن الله تعالى جعل القلم سببًا، به يحفظ العلم، وبه يثبت، وبه يوصل إلى حفظ ما يخاف فوته ونسيانه، من أمر دينهم ودنياهم، ما لو لم يكن القلم لم يستقم أمر دينهم ولا دنياهم 85.

والتعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع عليه؛ إذ أن الشرع يكتب ويحفظ، والقرآن يكتب ويحفظ، والسنة تكتب وتحفظ، وكلام العلماء يكتب ويحفظ 86. وكما قال الشاعر 87:

العلم صيد والكتابة قيده

قيد صيودك بالحبال الواثقة

فمن الحماقة أن تصيد غزالة

وتفكها بين الخلائق طالقة.

ثالثًا: حفظ أعمال العباد لمحاسبتهم عليها:

ومن مقاصد الكتابة حفظ أعمال العباد، قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ?10?كِرَامًا كَاتِبِينَ ?11?) [الانفطار:10 - 11] .

فأخبر الله تعالى أن على العباد حافظين؛ كاتبين لأعمالهم، والحكمة من أن الله جعل ملائكة تكتب أعمال بني آدم: أن المرء إذا كان عليه حافظٌ أداه ذلك إلى المراقبة؛ فيرتدع عن تعاطي ما يؤخذ عليه، فجعل عليه حافظين ليحتشم عنهم، ولا يأتي من الأمور ما يسوؤهم، ووصف أنهم كرام ليصحبهم صحبة الكرام، ومن صحبة الكرام أن يحترمهم، ويتقي مخالفتهم، ولا يتعاطى ما يسوؤهم، وفي ذكر الكرام فائدة أخرى؛ وذلك أن قوله: (كِرَامًا كَاتِبِينَ ?11?) أي: كرام على الله تعالى، والكريم على الله تعالى هو المتقي؛ قال الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ?) [الحجرات:13] .

فيكون فيه أمان منهم: أنهم لا يزيدون ولا ينقصون في الكتابة، وإنما يكتبون على قدر أعمالهم، كما ذكر في وصف جبريل عليه السلام بالقوة والأمانة 88.

والحكمة في كتابة الأعمال وحفظها على العالمين أن المكلف إذا علم أن أعماله تحفظ عليه، وتعرض على رؤوس الأشهاد كان ذلك أزجر له عن الفواحش والمنكرات، وأبعث له على عمل الصالحات، فإن المرء إن لم يصل إلى مقام العلم الراسخ الذي يثمر الخشية لله والمعرفة الكاملة التي تثمر الحياء، ربما غلب عليه الغرور بالكرم الإلهي، والرجاء في المغفرة والرحمة، فلا يكون لديه من الخشية والحياء ما يزجره عن المعصية، كما يزجره توقع الفضيحة في موقف الحساب على أعين الخلائق وأسماعهم 89.

وزاد الرازي احتمال أن تكون الفائدة في الكتابة أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة؛ لأن وزن الأعمال غير ممكن، أما وزن الصحائف فممكن أن توزن تلك الصحف 90. كذا قال.

والصحيح: أن وزن الأعمال ممكنٌ أيضًا؛ لأن الأمور المعنوية يمكن أن توزن، كما جاء في صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان) 91 الحديث.

وفي الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) 92.

وإما أن يكون ذلك على طريقة من يقول: إن المراد بكتابة الأعمال حفظ صورها وآثارها في النفس، فهي أنها تكون المظهر الأتم الأجلى لحجة الله البالغة، فإذا وضع كتاب كل أحد يوم الحساب، ونشرت صحفه المطوية في سريرة نفسه، تعرض عليه أعماله فيها بصورها ومعانيها، فتتمثل لذاكرته ولحسه الظاهر والباطن، كما عملها في الدنيا، لا يفوته شيء من صفاتها الحسية ولا المعنوية -كاللذة والألم- فيكون حسيبًا على نفسه، وعلى عين اليقين من عدل الله وفضله (ں ں وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ? وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ?13?اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى? بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ?14?) [الإسراء:13 - 14] .

(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَ?ذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ? وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ? وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ?49?) [الكهف:49] 93.

ومن الآيات التي تدل على أن من مقاصد الكتابة حفظ أعمال العباد قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ? إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَٹ) [يونس:21] .

فقوله:(إِنَّ رُسُلَنَا أي: الذين يحفظون أعمالكم، والإضافة للتشريف.

يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَٹ)أي: مكركم، أو ما تمكرونه، وهو تحقيقٌ للانتقام منهم، وتنبيهٌ على أن ما دبروا في إخفائه غير خافٍ على الحفظة فضلًا عن العليم الخبير، وصيغة الاستقبال في الفعلين للدلالة على الاستمرار التجددي 94.

وفي الآية تصريح بأن للكفار حفظة، فإن قيل: فالذي يكتب عن يمينه أي شيء يكتب ولم يكن لهم حسنة؟ يقال: إن الذي عن شماله يكتب بإذن صاحبه، ويكون شاهدًا على ذلك؛ وإن لم يكتب 95.

فثبت بهذا أن أفعال الناس وأقوالهم سواء كانوا مؤمنين أو كافرين مضبوطة مكتوبة للإلزام عليهم يوم القيامة، وأن المكر والحيلة لا مدخل له في تخليص الإنسان من مكروه، بل قد قالوا: إذا أدبر الأمر كان العطب في الحيلة، فمن ظن نجاته في المكر كان كثعلب ظن نجاته في تحريك ذنبه، وإنما المنجي هو القدم، وهو ها هنا العمل الصالح بعد الإيمان الكامل، والعاقل يتدارك حاله قبل وقوع القضاء، وقد قيل: وليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع فيه، ولكن العاقل الذي يحتال للأمور حذرًا أن يقع فيها 96.

ونظير الآية السابقة قوله تعالى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ? بَلَى? وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ?80?) [الزخرف:80] .

وعطف (وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) على (أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) ليعلموا أن علم الله بما يسرون علم يترتب عليه أثر فيهم، وهو مؤاخذتهم بما يسرون؛ لأن كتابة الأعمال تؤذن بأنها ستحسب لهم يوم الجزاء، والكتابة يجوز أن تكون حقيقة، وأن تكون مجازًا، أو كناية عن الإحصاء والاحتفاظ، والرسل: هم الحفظة من الملائكة؛ لأنهم مرسلون لتقصي أعمال الناس؛ ولذلك قال: (لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) كقوله: (. مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:18] .

أي: رقيب 97. متهيئ متجهز للكتابة.

ومن الآيات كذلك قوله تعالى: (كَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ? وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ?) [النساء:81] .

أي: يعلمه ويحفظه، فيجازيهم به، والكتابة ها هنا كالاستنساخ في قوله: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الجاثية:29] .

ونسب الله تعالى ذلك إلى نفسه هنا، وإلى ملائكته في قوله: (? بَلَى? وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف:80] .

وفي قوله: (? إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَٹ) [يونس:21] .

والله تعالى قد ينسب فعل أوليائه إلى نفسه تنبيهًا على ارتضائه، وكونه آمرًا، نحو قوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) [السجدة:11] .

وقوله: (ٹ ٹ ٹاللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) [الزمر:42] 98. انتهى من كلام الراغب مختصرًا.

فعلى كلام الراغب السابق يكون الاستنساخ بمعنى الكتابة، وفي (زاد المسير) لابن الجوزي يقول: قوله تعالى: (( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم، أي: بكتبها وإثباتها، وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، تستنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم، فيجدون ذلك موافقًا ما يعملونه، قالوا: والاستنساخ لا يكون إلا من أصلٍ، قال الفراء: يرفع الملكان العمل كله فيثبت الله منه ما فيه ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، وقال الزجاج: نستنسخ ما تكتبه الحفظة، ويثبت عند الله عز وجل 99 انتهى كلامه.

ومن الآيات الدالة على هذا المقصد، قوله تعالى: (ں ں وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ? وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ?13?) [الإسراء:13] .

والمعنى: أن كل إنسان يعامل بعمله، من خير أو شر، لا ينقص له منه شيء، وهذا غير كتابة الأعمال التي ذكرت عقب هذا بقوله: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) وعطف جملة: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) إخبار عن كون تلك الأعمال المعبر عنها بالطائر تظهر يوم القيامة مفصلة معينة، لا تغادر منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيت للجزاء عليها 100.

ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ?17?مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ?18?) [ق:17 - 18] .

قال الزمخشري: والتلقي: التلقن بالحفظ والكتبة 101.

والمعنى واضح؛ لأن الملك يتلقى عمل الإنسان عند صدوره منه، فيكتبه عليه، والمتلقيان هما الملكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان، وقد دلت الآية الكريمة على أن مقعد أحدهما عن يمينه، ومقعد الآخر عن شماله.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (?مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ) أي: ما ينطق بنطق، ولا يتكلم بكلام إلا لديه، أي: إلا والحال أن عنده رقيبًا، أي: ملكًا مراقبًا لأعماله، حافظًا لها، شاهدًا عليها، لا يفوته منها شيء.

عتيد، أي: حاضر ليس بغائب، يكتب عليه ما يقول من خير وشر، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإنسان عليه حفظة من الملائكة يكتبون أعماله، جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله في سورة مريم: (كَلَّا ? سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ) [مريم:79] .

وفي سورة الزخرف قال: (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) [الزخرف:19] .

وقوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16] .

أي: نحن أقرب إليه من حبل الوريد في الوقت الذي يتلقى فيه الملكان جميع ما يصدر منه، والمراد أن الله الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه هو أقرب إليه من حبل الوريد في وقت كتابة الحفظة أعماله، فهو غني عن كتب الأعمال؛ لأنه أقرب إليه من حبل الوريد، والله غني عن أن يدون الملكان هذه الأشياء؛ لأن الله سبحانه وتعالى عالم بما كان وبما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، لا يغيب عنه شيء.

فالله تعالى لا حاجة له بكتابة الأعمال؛ لأنه عالم بها لا يخفى عليه منها شيء، وإنما أمر بكتابة الحفظة للأعمال لِحِكمٍ منها: إقامة الحجة على العبد يوم القيامة، كما أوضحه الله بقوله: (ں ں وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ? وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ?13?اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى? بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) [الإسراء:13 - 14] .

اقرأ بنفسك كتابك حتى تقوم عليك الحجة (ے كَفَى? بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) [الإسراء:14] .

والمقصود أن من مقاصد الكتابة حفظ أعمال العباد وإحصاءها، وفي الآيات السابقة تقرير عقيدة كتابة الأعمال حسنها وسيئها، والحساب بمقتضاها يوم القيامة، ويشهد لهذا الحديث الصحيح: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) 102 الحديث.

فالحفظة أو الكتبة من الملائكة الكرام يكتبون جميع ما يفعله العباد ويدبرونه، أو يخططون له، ويحصونه عليهم، ثم يعرضونه على الله عالم الغيب والشهادة، فيجازي كلًا منهم على الجليل والحقير، وفي هذا دلالة على تمام الحفظ والعناية، وعدم خفاء أعمالهم على الله تعالى.

لما كانت الكتابة إحدى الصنائع، وعلمًا من العلوم، ونعمة من النعم التي من الله بها على الإنسان، والتي يشرف بها، وتعلو منزلته بتعلمها، كان لا بد لها من ضوابط، ولا بد لمن يزاولها من آداب، وقد أشار القرآن الكريم إلى ما ينبغي أن يكون عليه الكاتب والكتابة، فذكر بعضًا من هذه الآداب والضوابط، منها:

أولًا: العدل

من ضوابط الكتابة العدل، وهو أن يكون الكاتب عدلًا فيما يكتب، فقد قال الله تعالى في آية الدين: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) [البقرة:282] .

قال أبو جعفر: بالعدل، يعني: بالحق والإنصاف في الكتاب الذي يكتبه بينهما، بما لا يحيف ذا الحق حقه ولا يبخسه، ولا يوجب له حجة على من عليه دينه فيه بباطل، ولا يلزمه ما ليس عليه 103.

وعن قتادة في قوله: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) قال: «اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يدعن منه حقًّا، ولا يزيدن فيه باطلًا» 104. وبالعدل جار ومجرور متعلقان بـ (كَاتِبٌ) بمثابة الصفة له، أي: بكاتب مأمون على ما يكتب بالسوية والتحوط، لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص 105.

فيكون في قوله: (بِالْعَدْلِ) وجوه:

الأول: أن يكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص منه، ويكتبه بحيث يصلح أن يكون حجة له عند الحاجة إليه.

الثاني: إذا كان فقيهًا وجب أن يكتب بحيث لا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر، بل لا بد وأن يكتبه بحيث يكون كل واحد من الخصمين آمنًا من تمكن الآخر من إبطال حقه.

الثالث: قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متفقًا عليه بين أهل العلم، ولا يكون بحيث يجد قاضٍ من قضاة المسلمين سبيلًا إلى إبطاله على مذهب بعض المجتهدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت