القوة من أَجَلِّ النعم التي امتن الله تعالى بها على خلقه، والمؤمن مطالب أن يكون قويًّا، فهي من أهم الأشياء التي ينبغي أن يحرص عليها، وذلك لما يأتي:
أولًا: أن الله تعالى أمر بإعداد القوة فقال سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) [الأنفال:60] .
قال ابن كثير: «أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) أي: مهما أمكنكم» 80.
والقوة المطلوبة قوة شاملة، قوة في الإيمان والأبدان والعلوم والاقتصاد، وكل مناحي الحياة. وإعداد المستطاع من القوة يختلف باختلاف درجات الاستطاعة في كل زمان ومكان.
ثانيًا: أن القوة سبب أصيل للنصر والتأييد خاصة إذا اجتمع معها الأمانة، وقد مدح الله تعالى نبيه موسى عليه السلام بهاتين الصفتين: القوة والأمانة، فقال تعالى على لسان إحدى المرأتين: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ? إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [القصص:26] .
«ولا يخفى أن مقالها من جوامع الكلم والحكمة البالغة؛ لأنه متى اجتمعت هاتان الصفتان: الأمانة والكفاية في القائم بأداء أمر من الأمور تكلل عمله بالظفر وكفل له أسباب النجاح» 81.
«وهذان الوصفان، ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملًا بإجارة أو غيرها. فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما أو فقد إحداهما، وأما باجتماعهما، فإن العمل يتم ويكمل» 82.
وقد مدح الله تعالى جبريل عليه السلام وهو الموكل بأمانة تبليغ الوحي إلى الأنبياء بأنه ذو قوة.
قال ابن كثير: «يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه علمه الذي جاء به إلى الناس (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى?) [النجم:5] ، وهو جبريل عليه السلام؛ كما قال: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ?19?ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ?20?ہمُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ?21?) [التكوير:19 - 21] .
وقال هاهنا: (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى?) [النجم:6] .
أي: ذو قوة. قاله مجاهد والحسن وابن زيد. وقال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. ولا منافاة بين القولين؛ فإنه عليه السلام ذو منظر حسن، وقوة شديدة» 83.
لذا كانت القوة من أهم الأشياء التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم؛ لأنها سبب من الأسباب التي تجلب له المدح والثناء الحسن.
خلق الله تعالى الإنسان في أحسن صورة وشكل.
قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:4] .
فكل إنسان مخلوق خلقة حسنة، وهذا لا يمنع تفاوت البشر في الحسن، فمنهم من أوتي من الجمال والحسن أكثر مما أوتي غيره، وقد حكى الله تعالى لنا قصة يوسف عليه السلام وأن النسوة لما رأينه (أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَ?ذَا بَشَرًا إِنْ هَ?ذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) [يوسف:31] .
أي: قلن لها: ما نرى عليك من لوم بعد هذا الذي رأينا، لأنهن لم يرين في البشر شبهه ولا قريبًا منه، فإنه عليه السلام كان قد أعطي شطر الحسن، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء 84.
فقد كان يتحلى بالجمال الظاهر والباطن، «فإن جماله الظاهر، أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب، وللنساء اللاتي جمعتهن حين لمنها على ذلك أن قطعن أيديهن وقلن: (مَا هَ?ذَا بَشَرًا إِنْ هَ?ذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) ، وأما جماله الباطن، فهو العفة العظيمة عن المعصية، مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها، وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته» 85.
وممن ورد مدح جماله: الحور العين.
وصف الله تعالى الحور العين فقال عنهن: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ) [الرحمن:70] .
أي في الجنتين نساء خيرات الأخلاق حسان الوجوه.
وممن مدح جماله: غلمان أهل الجنة:
قال الله تعالى عنهم: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ) [الطور:24] .
وقال أيضًا: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا [الإنسان:19] .
ويقول جل وعلا: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ(17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ) [الواقعة: 17 - 21] .
فهذا «إخبار عن خدمهم وحشمهم في الجنة كأنهم اللؤلؤ الرطب، المكنون في حسنهم وبهائهم ونظافتهم وحسن ملابسهم» 86.
رابعًا: المكانة الكريمة:
يمدح المرء لمكانته الكريمة، وأعلى الناس مكانة ومنزلة الرسل الكرام، فهم الموكلون بتبليغ الوحي إلى الناس، وأخصهم منزلة أولوا العزم، ولذلك أوصى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم فقال: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ) [الأحقاف:35] .
وهم المذكورون في قول الله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى? بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى?) [الشورى:13] .
فقد «أمر تعالى رسوله أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له، وأن لا يزال داعيا لهم إلى الله وأن يقتدي بصبر أولي العزم من المرسلين، سادات الخلق أولي العزائم والهمم العالية الذين عظم صبرهم، وتم يقينهم، فهم أحق الخلق بالأسوة بهم والقفو لآثارهم والاهتداء بمنارهم، فامتثل صلى الله عليه وسلم لأمر ربه فصبر صبرًا لم يصبره نبي قبله» 87.
وممن خص بمدح مكانته، نبي الله إدريس عليه السلام، قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ? إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا) [مريم:56 - 57] .
فإدريس عليه السلام نبي من أنبياء الله جل وعلا، وصفه الله بالصديقية، ورفعه مكانًا عليًّا، وحدد الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المكانة العالية بأنه في السماء الرابعة.
وممن خص بمدح مكانته، نبي الله يحيى عليه السلام، فحينما دعا زكريا عليه السلام ربه قائلًا: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ? قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ? إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ?38?) [آل عمران:38] .
جاءته البشرى (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى? مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران:39] .
فقد وصف الله تعالى يحيى عليه السلام بأربع صفات كريمة:
الأولى: أنه كان مصدقًا بكلمةٍ من الله، وكلمة الله هو عيسى عليه السلام؛ لأنه كان يسمى بذلك، فيحيى عليه السلام كان مصدقًا بعيسى ومؤمنًا بأنه رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
والثانية: أنه سيكون سيدًا، والسيد هو الذي يسود قومه وينتهى إلى قوله، أي: يفوق غيره في الشرف والتقوى وعفة النفس، بأن يكون مالكًا لزمامها، ومسيطرًا على أهوائها.
والثالثة: أنه سيكون حصورًا، أي: حابسًا نفسه عن الشهوات، حتى لقد قيل عنه إنه امتنع عن الزواج وهو قادر على ذلك زهدًا منه واستعفافًا، وليس صحيحًا ما قيل من أنه كان لا يأتي النساء لعدم قدرته على ذلك.
والرابعة: أنه سيكون نبيًّا من الصالحين، وفي هذا الوصف بشارة ثانية لزكريا عليه السلام بأن ابنه سيكون من الأنبياء الذين اصطفاهم الله لتبليغ دعوته إلى الناس، وهذه البشارة أسمى وأعلى من الأولى التي أخبره الله فيها بولادة يحيى؛ لأن النبوة منزلة لا تعدلها منزلة في الشرف والفضل 88.
وممن مدح لمكانته ومنزلته، عيسى عليه السلام.
قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) [آل عمران:45] .
«أي: له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا، بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وينزل عليه من الكتاب، وغير ذلك مما منحه به، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه، أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله عليهم» 89.
وممن مدح لمكانته ومنزلته، العلماء.
قال تعالى في بيان منزلتهم: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11] .
فرفع الله تعالى شأن حملة العلم وأعلى مقامهم، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته على وحدانيته جل جلاله وعز ثناؤه؛ ذلك أن العلماء هم الذين يبينون للناس أحكام شريعة الله عز وجل، وهم الداعون إليه سبحانه وتعالى، وهم وراث هدي النبوة، فبذلك استحقوا تلك المكانة العالية.
خامسًا: العاقبة الحسنة:
العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة هي ما يريد أن يصل إليه المؤمن؛ لذا أرشد الله تعالى عباده إلى طريقها وحثهم على التحلي بما يتصف به أصحابها، فقال تعالى: (? أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى? ? إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ(19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَ?ئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ? وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ? فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد:19 - 24] .
«يقول تعالى مخبرًا عمن اتصف بهذه الصفات الحميدة، بأن لهم عقبى الدار؛ وهي العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة» 90.
فأولئك الذين وصفوا بتلك المحاسن والكمالات التي بلغت الغاية في الشرف والكمال، هم الذين لهم العقبى الحسنة في الدار الآخرة، وهي جنات إقامة، يخلدون فيها لا يخرجون منها أبدًا، وفيها الأنس باجتماع الأهل والمحبين الصالحين، لتقر بهم أعينهم، ويزدادوا سرورًا برؤيتهم.
وقد وصف الله تعالى الجنة وهي العاقبة الحسنة التي أعدها لعباده المؤمنين في الآخرة بعدة أوصاف حثًّا على المجاهدة للوصول إليها، فقال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) [الحديد:11] .
وإنما وصف الأجر بكونه كريمًا؛ لأنه هو الذي جلب ذلك الضعف، وبسببه حصلت تلك الزيادة، فكان كريمًا من هذا الوجه.
وقال تعالى: (وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) «دلت هذه الآية على عظم هذا الأجر من وجوه:
أحدها: أنه ذكر نفسه بصيغة العظمة، وهو قوله: (ا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا) والمعطي الحكيم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل على عظم تلك العطية.
وثانيها: قوله: (مِّن لَّدُنَّا) هذا التخصيص يدل على المبالغة، كما في قوله: (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف:65] .
وثالثها: أنه وصف الأجر بكونه عظيمًا، والذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة، لا بد وأن يكون في نهاية العظم، قال صلى الله عليه وسلم: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) 9192، وفي تنكير الأجر من المبالغة ما لا يخفى.
قال تعالى: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَ?ذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ? وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ? وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ) [يونس:30] .
فالله تعالى يبين جزائهم الكريم بقوله: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَ?ذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ) «أي: لهؤلاء المحسنين مكافأة في الدنيا بإحسانهم (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ. خَيْرٌ) أي: وما ينالونه في الآخرة من ثواب الجنة خيرٌ وأعظم من دار الدنيا؛ لفنائها وبقاء الآخرة (ں ں وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ) أي: ولنعم دار المتقين دار الآخرة» 93.
فعلى المسلم أن يحرص على عمل الخيرات حتى تكون عاقبته حسنة ويختم له بالخير، فينال المغفرة وأعلى الدرجات.
يهدف المدح إلى شحذ الهمم للازدياد والاستمرار في الفعل الحسن والخلق الكريم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدح أصحابه ليحفزهم على الاستمرار في الخير والتزود منه، وقد مُدِحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة، والمدح منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، وقد جعل القرآن الكريم المدح والذم تبعًا لمحبة الله تعالى للعبد أو ذمه، فمن أحبه الله تعالى وأثنى عليه فهو الممدوح، ومن ذمه الله تعالى فهو المذموم، وقد مدح الله أهل الإيمان والصلاة والعبادة، وذم أهل الكفر والفسوق والعصيان، وهل يجوز للإنسان أن يمتدح نفسه؟ متى يحمد هذا المدح ومتى يذم؟ سأبين هذا في النقاط الآتية:
أولًا: المدح المحمود:
المدح المحمود هو المدح بالحق، ومن ذلك ما يمدح به الشخص من كريم الخصال، وجنس المدح لا حرج فيه إذا كان بِحَقِّهِ؛ كما قال الصديق يوسف عليه السلام: (اجْعَلْنِي عَلَى? خَزَائِنِ الْأَرْضِ ? إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [يوسف:55] .
فلم يكن مدح يوسف عليه السلام لنفسه من باب العجب، وإنما أراد بذلك إقامة العدل وإبطال الجور وإيصال الحق لأهله، والآية «أصل في جواز مدح الإنسان نفسه لمصلحته» 94.
«قال القاضي أبو يعلى: في قصة يوسف دلالة على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه، وأنه ليس من المحظور في قوله: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) [النجم:32] » 95.
وعلى هذا يحمل ما نقل من ثناء بعض الصحابة على أنفسهم، وبيان قدرهم في العلم؛ ليحرص الناس على الأخذ منهم والانتفاع بعلمهم قبل وفاتهم، وهذا ليس فخرًا منهم وتباهيًا بالعلم، إنما كان مراد أحدهم الوصول إلى حق يقيمه وعدل يحييه وجور يبطله، لذا كان ذلك منهم جميلًا جائزًا، فعن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم: أين أنزلت؟ ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم: فيم أنزلت؟ ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه) 96.
فهذه الأشياء، خرجت مخرج الشكر لله، وتعريف المستفيد ما عند المفيد، ولذا كان هذا منهم جميلًا جائزًا.
وقد أذن الرسول صلى الله عليه وسلم في المدح كما جاء في الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: (أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال:(ويلك، قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك) مرارًا، ثم قال: (من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة، فليقل: أحسب فلانًا، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه) 97.
فلم ينه الرسول عن المدح ولكن جعل لهذا المدح ضوابطًا.
وأهم الضوابط التي يجب مراعاتها في المدح: عدم المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، وأن يؤمن على الممدوح الإعجاب والفتنة؛ لما يعلم من قوة إيمانه، وأن يكون المدح صادقًا فيمدح الشخص بما فيه من غير مبالغة ولا رياء يؤديان إلى النفاق، وأن يكون الهدف من المدح شحذ الهمم للازدياد والاستمرار في الفعل الحسن والخلق الكريم.
وقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يكره ذلك، ولم يَحْثُ التراب في وجه أحد من مادحيه، فهذا حسان بن ثابت رضي الله عنه يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم 98:
أغرُّ عليه للنبوة خاتم
من الله مشهود يلوح ويشهدُ
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه
إذا قال في خمس المؤذن أشهدُ
وشق له من اسمه ليجله
فذو العرش محمود وهذا محمدُ
وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك المدح ولم ينكره، ولم يَحْثُ التراب في وجهه؛ لأنه لم يقل إلا حقًّا.
وكذلك مدح عبد الله بن عباس رضي الله عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين دخل عليه وهو مطعون، فعن المسور بن مخرمة قال: لما طعن عمر رضي الله عنه جعل يألم، فقال له ابن عباس رضي الله عنه وكأنه يجزعه: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر رضي الله عنه فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون، قال: «أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه، فإنما ذاك مَنٌّ من الله تعالى مَنَّ به عَليَّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه، فإنما ذاك مَنٌّ من الله جل ذكره مَنَّ به عَليَّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله عز وجل، قبل أن أراه» 99.
فهذا المدح بالحق قاله ابن عباس رضي الله عنه في وجه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لما علم من قوة إيمانه، وأن هذا الكلام لن يغره، وهذا هو المدح الحسن المحمود الذي يندب إليه، ولو كان فيه إثم لكان ابن عباس رضي الله عنهما أبعد الناس عنه.
ومن المدح المحمود:
ومن ذلك: قول الله تعالى في حق أبي بكر رضي الله عنه في سورة الليل: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ?17?الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى? ?18?وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى? ?19?إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى? ?20?وَلَسَوْفَ يَرْضَى? ?21?) [الليل:17 - 21] .
فقد كان أبو بكر رضي الله عنه يعتق ضعفة العبيد الذين أسلموا، وكان ينفق في رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله، وكان مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة، ولذا لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دخول أحد الناس من أبواب الجنة جميعها بقوله: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها، قال:(نعم وأرجو أن تكون منهم) 100.
قال ابن بطال: «أنه يجوز الثناء على الناس بما فيهم على وجه الإعلام بصفاتهم، لتعرف لهم سابقتهم وتقدمهم في الفضل، فينزلوا منازلهم، ويقدموا على من لا يساويهم، ويقتدى بهم في الخير، ولو لم يجز وصفهم بالخير والثناء عليهم بأحوالهم لم يُعْلَمْ أهلُ الفضل من غيرهم، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم خَصَّ أصحابه بخواصَّ من الفضائل بانوا بها عن سائر الناس وعرفوا بها إلى يوم القيامة» 101.
وكذلك مدح النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حضوره فقال: (والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قطُّ، إلا سلك فجًّا غير فجِّكَ) 102.
والفج: هو الطريق الواسع. قال ابن حجر: «وهذا من جملة المدح، لكنه لما كان صدقًا محضًا، وكان الممدوح يؤمن معه الإعجاب والكبر مدح به، ولا يدخل ذلك في المنع» 103.
وهذا ثناء حسن يعود نفعه على المادح والممدوح، وهي شهادة حقًّ. لذا توجه الخليل إبراهيم عليه السلام بالدعاء إلى ربه قائلًا: (وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) [الشعراء:84] .
«أي: ثناء حسنًا وذكرًا جميلًا وقبولًا عامًّا في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطاه الله ذلك، فجعل كل أهل الأديان يتولونه ويثنون عليه» 104.
وأبقى له الذكر الجميل والثناء الحسن في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقرن ذكره بذكر حبيبه إبقاء للثناء الحسن عليه في أمته، وزيادة في الكرم جعل هذا الذكر لذريته، فقال تعالى: (وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ? وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا.) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) [مريم 49 - 50] .
فإبراهيم الخليل وبنوه معظمون في جميع الأمم والملل صلى الله عليهم أجمعين. عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أريت الرجل الذي يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال:(تلك عاجل بشرى المؤمن) 105.
فالله تعالى يقذف في قلوب الناس محبة المخلصين في الأعمال الصادقين في الأقوال، ويجعل لهم القبول في الأرض، فتلهج الألسن بالثناء عليهم، فهذه بشارة في الدنيا على قدرهم يوم القيامة.
فيقدم الناصح بين يدي نصيحته الثناء على المنصوح، وذكر بعض الخير الذي فيه، ثم يحفزه للكمال بفعل بعض المأمورات أو ترك بعض المنهيات، فهذا مظنة الاستجابة للنصيحة، فقبل أن يوجه الله تعالى عباده إلى التحلي بخلق الصبر، وحسن التوكل عليه في سائر الأمور بين ما أعده لهم من الثواب تحفيزًا لهم، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ?58?الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى? رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ?59?) [العنكبوت:58 - 59] .
وقبل أن يوجه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر رضي الله عنه إلى قيام الليل قال: (نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلًا) 106.
ثانيًا: المدح المذموم:
المدح المذموم، هو المدح بالباطل، ويأتي على صور، منها:
وهو قبيح؛ لما فيه من التفاخر والكبر، وهو يورث الهلاك.
وقد نهى الله تعالى عن تزكية العبد لنفسه ووبخ من يفعل ذلك فقال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ? بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا(49) انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ? وَكَفَى? بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا (50 ) ) [النساء:49 - 50] .
«قال الحسن وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى، حين قالوا: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) [المائدة:18] .
وقال ابن زيد: فيها، وفي قولهم: (قَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى? ?) [البقرة:111] .
وقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم، ويزعمون أنهم لا ذنب لهم، وقال الضحاك: قالوا: ليس لنا ذنوب كما ليس لأبنائنا ذنوب. فأنزل الله ذلك فيهم، وقيل: نزلت في ذم التمادح والتزكية» 107.
فهذه الأقوال جميعها تدل على ذم مدح الإنسان لنفسه سواء فعلته اليهود أو النصارى أو غيرهم.
وقال الله تعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ? هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى?) [النجم:32] .
أي: لا تمدحوها وتشكروها وتَمُنُّوا بأعمالكم. وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم) 108.
ومعنى يذهب بنفسه: «أي: يعلي نفسه ويرفعها ويبعدها عن الناس في المرتبة ويعتقدها عظيمة القدر» 109.
قال ابن القيم: «ومن كيده - أي: الشيطان- أنه يغرى الناس بتقبيل يده، والتمسح به، والثناء عليه، وسؤاله الدعاء، ونحو ذلك، حتى يرى نفسه، ويعجبه شأنها، فلو قيل له: إنك من أوتاد الأرض، وبك يدفع البلاء عن الخلق، ظن ذلك حقًّا.
وربما قيل له: إنه يتوسل به إلى الله تعالى ويسأل الله تعالى به وبحرمته، فيقضى حاجتهم، فيقع ذلك في قلبه، ويفرح به، ويظنه حقًّا، وذلك كل الهلاك، فإذا رأى من أحد من الناس تجافيًا عنه، أو قلة خضوع له، تذمر لذلك ووجد في باطنه.
وهذا شر من أرباب الكبائر المصرين عليها، وهم أقرب إلى السلامة منه» 110.
وهو يورث الهلاك للمادح والممدوح، وأكثر ما يكون ذلك في الشعراء والمداحين.