كذلك من أساليب التحفيز الوعد بالثواب، وهو يتعلق بوصف ما أعده الله من شتى ألوان النعيم في الدار الآخرة لمن آمن وعمل الصالحات، وبهذا يكون الوعد حافزًا للإنسان للقيام بتلك الأعمال الصالحة، والإكثار منها؛ لنيل ما وعد الله به عباده الصالحين.
قال تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [الرعد: 15] .
قال القرطبي: «لما قال عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ} [الحج: 14] .
وصف تلك الجنات، أي: صفة الجنة المعدّة للمتقين. {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} أي: غير متغير الرائحة. {وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} أي: لم يحمض بطول المقام كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة. {وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} أي: لم تدنّسها الأرجل، ولم ترنقها الأيدي كخمر الدنيا، فهي لذيذة الطعم طيبة الشرب لا يتكرهها الشاربون. {وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} العسل ما يسيل من لعاب النحل. {مُصَفًّى} أي: من الشمع والقذى، خلقه الله كذلك لم يطبخ على نار ولا دنّسه النحل. {وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} {مِنْ} زائدة للتأكيد. {وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} أي: لذنوبهم. {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ} قال الفراء: «المعنى: أفمن يخلّد في هذا النعيم كمن يخلّد في النار» 97.
كذلك من أساليب التحفيز في القرآن البشارة أو التبشير بالثواب، من خلال تبشير المؤمنين الذين عملوا الصالحات بحسن العاقبة يوم القيامة، وفي الحياة الدنيا بالنصر والتمكين والتأييد، كما قال: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30] .
قال الإمام ابن كثير: « {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} فيبشرونهم بذهاب الشر وحصول الخير» 98.
ومن أساليب التحفيز الإيجابي التي استخدمها القرآن إحياء الأمل وطرد اليأس، الأمل في الله والرجاء فيما عنده من النعيم والرحمة والمغفرة، وهذا ينبع من الإيمان بالله وعباته حق العبادة. قال تعالى: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46] .
قال الإمام الشوكاني 99: « {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} أي: أعمال الخير، {خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا} أي: أفضل من هذه الزينة بالمال والبنين ثوابًا، وأكثر عائدة ومنفعة لأهلها، {وَخَيْرٌ أَمَلًا} أي: أفضل أملًا، يعني: أن هذه الأعمال الصالحة لأهلها من الأمل أفضل مما يؤمله أهل المال والبنين؛ لأنهم ينالون بها في الآخرة أفضل مما كان يؤمله هؤلاء الأغنياء في الدنيا» 100.
وإضافة إلى ذلك قد يتخذ التحفيز في القرآن منحى التكريم، فقال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف: 88] .
أي: وأمّا من آمن بالله، وأحسن العمل في الدنيا، وقدّم الصالحات فجزاؤه الجنة يتنعّم فيها {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} أي: نيسّر عليه في الدنيا، فلا نكلّفه بما هو شاق، بل بالسهل الميسّر 101.
كما قد يكون من أساليب التحفيز أسلوب المدح والثناء، كما أثنى الله تبارك وتعالى على بعض أنبيائه الأخيار ومدحهم فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] .
قال الإمام الخازن: « {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} يعني: الأنبياء المذكورين في هذه السورة -الأنبياء-. وقيل: زكريا وأهل بيته، والمسارعة في الخيرات من أكبر ما يمدح به المرء؛ لأنها تدل على حرص عظيم في طاعة الله عز وجل {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} يعني: أنهم ضموا إلى فعل الطاعات أمرين:
أحدهما: الفزغ إلى الله لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة من عقابه.
والثاني: الخشوع، وهو قوله تعالى: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} .
الخشوع هو الخوف اللازم للقلب، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور؛ خوفًا من الوقوع في الإثم 102.
فالسبق إلى الخيرات يكشف عن المعادن النفيسة التي تواظب على الطاعات، وتستزيد من الحسنات، وتقلع عن السيئات، وتراقب رب الأرض السماوات، ووقت السبق هو الحياة الدنيا؛ لأنه وقت التكليف ووقت العمل 103. وهكذا يحفّز القرآن إلى القيام بالعمل بهمة ونشاط، دون تكاسل أو تأخير 104.
هذا عن بعض جوانب التحفيز الإيجابية، وهناك نوع آخر من أنواع التحفيز، يسمى بالتحفيز السلبي أو الترهيبي، وهذا النوع من التحفيز يعتبر بمثابة الدرع الواقي وطوق النجاة للمسلم، حيث يمنع هذا النوع من التحفيز، أو على الأقل يحاول منع أو تقليل ارتكاب المخالفات أو المعاصي من خلال تلك الأساليب التي تكوّن لديه وازعًا دينيًّا أخلاقيًّا متينًا، يكفّه عن عمل الشرور والمنكر، وقد تنوعت تلك الأساليب:
منها: الترهيب، والترهيب ضد الترغيب، وهو تخويف الإنسان، وتهديده بالعقوبة والعذاب والسخط من عند الله، إذا لم ينته عما نهاه الله عنه، أو لم يلتزم بما فرضه الله عليه وكلّفه به من الواجبات.
قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 124، 127] .
وقال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] .
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} الذي أذكّره به فتولى عنه، ولم يقبله، ولم يستجب له، ولم يتعظ به فينزجر عما هو عليه مقيم من خلافه أمر ربه {لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} يقول: فإن له معيشة ضيقة، والضنك من المنازل والأماكن والمعايش: الشديد، يقال: هذا منزل ضنك، إذا كان ضيقًا» 105.
وقال أيضًا: « {وَرَهَبًا} يعني: رهبة منهم من عذابه وعقابه، بتركهم عبادته وركوبهم معصيته» 106.
قال القرطبي عن قوله: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40] .
«أي: خافون. والرّهب والرّهب والرّهبة الخوف. ويتضمّن الأمر به معنى التّهديد» 107.
والترغيب والترهيب يمثلان قاعدة أساسية، وبناءً متينًا في تعاليم الدين الإسلامي الحنيف؛ ذلك أن الترغيب والترهيب في القرآن يأتيان مقرونين بتوضيح وبيان طبائع الحسن والقبح في الأفعال والأعمال، حتي يكون الإقبال عليها أو القيام بها، أو الابتعاد والنفور منها صادرًا عن قناعة ووعي 108.
ومن ضمن الأساليب التحفيزية للامتناع عن كل ما يخالف منهاج الشرع وأوامر الله سبحانه وتعالى الوعيد، وهو ضد الوعد، وهو التهديد والتخويف بالعذاب يوم القيامة، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه: 113] .
قال الشوكاني: « {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ} بيّنّا فيه ضروبًا من الوعيد تخويفًا وتهديدًا، أو كررنا فيه بعضًا منه {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: كي يخافوا الله فيتجنبوا معاصيه، ويحذروا عقابه {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} أي: اعتبارًا واتعاظًا» 109.
وكذلك الذم من الأساليب للحث عن الابتعاد عن الذنوب والمعاصي، وهو ضد المدح، ويعني التوبيخ واللوم لمن يرتكب ما نهى الله عنه، أو يقصّر فيما أمره الله به، قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 18] .
قال الطبري: « {مَذْمُومًا} على قلة شكره إيانا، وسوء صنيعه فيما سلف من أيادينا عنده في الدنيا {مَدْحُورًا} يقول: مبعدًا، مقصى في النار .... وعن ابن عباس، قوله: {مَذْمُومًا} يقول: ملومًا» 110
ويدخل في تلك الأساليب للتحفيز على تجنب ما لايرضي الله ورسوله: النذارة أو الإنذار، ويعني: التحذير من سوء العاقبة المترتبة على مخالفة أمر الله، وعدم طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} [إبراهيم: 44] .
قال الإمام الطبري: «وأنذر يا محمد الناس الذين أرسلتك إليهم داعيًا إلى الإسلام ما هو نازل بهم، يوم يأتيهم عذاب الله في القيامة» 111.
وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7] .
قال صاحب الظلال: «وقد كان الإنذار الأكبر والأشد والأكثر تكرارًا في القرآن هو الإنذار بيوم الجمع، يوم الحشر، يوم يجمع الله ما تفرق من الخلائق على مدار الأزمنة واختلاف الأمكنة؛ ليفرقهم من جديد: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} بحسب عملهم في دار العمل، في هذه الأرض، في فترة الحياة الدنيا» 112.
وقصارى القول: أنّ من مقاصد الثواب في القرآن التحفيز نحو إتيان الأفعال والأعمال التي ترضي الحق سبحانه وتعالى، ويستفيد من يأتي بتلك الأفعال وينفذها بالثواب الجزيل من الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة، أو التحفيز نحو الابتعاد عن الأفعال التي لا ترضي الله ورسوله، ويستفيد من ينتهي ويبتعد عن تلك الأفعال بالثواب والأجر الكبير من الله.
ولقد تنوعت أساليب التحفيز في القرآن ما بين ترغيب وترهيب، ووعد ووعيد، وتبشير وإنذار وغيرها، وفي ذلك التنويع ما يدل على ثراء القرآن وإعجازه في إقناع المتلقين، ومن ثمّ استمالتهم وتحفيزهم على تحصيل الثواب.
إن الحق سبحانه وتعالى قد يرغّب في فعل بعض الأعمال وذلك بزيادة المثوبة التي تترتب على فعلها، وذلك يقع في النفوس والقلوب موضع الإقبال والمبادرة، فيبادر الإنسان لفعل تلك التكاليف والعبادات التي يكون في مقابلها من الحق مزيد الثواب والأجر، فمزيد الثواب على بعض الأعمال يقصد به الحق سرعة الاستجابة لتنفيذ الأمر الإلهي بالفعل، سواء أكان الأمر يدل على وجوب الفعل أو الندب إليه أم حتى مجرد إباحته، فتعظيم الثواب يعظّم من الاستجابة والتنفيذ، وكلما كان التنفيذ على وجه السرعة كان دليلًا على حسن الاعتقاد، وزيادة الإيمان، وكمال الإسلام.
كما قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 261 - 262] .
فهذا المثل راجع إلى قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 254] .
والآية تثير في نفوس السامعين الاستشراف لما يلقاه المنفق في سبيل الله، فهذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف 113.
فقوله: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: في وجوه الخيرات من الواجب والنفل {كَمَثَلِ حَبَّةٍ} لابد من تقرير مضافٍ في أحد الجانبين أي: {مَثَلُ} نفقتهم {كَمَثَلِ حَبَّةٍ} أو مثلهم {كَمَثَلِ} باذر {حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} أي: أخرجت ساقًا تشعّب منها سبع، لكل واحدة منها سنبلة {فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} كما يشاهد ذلك في الذرة والدخن في الأراضي المغلة، بل أكثر من ذلك، وإسناد الإنبات إلى الحبة مجازيٌ كإسناده إلى الأرض والربيع، وهذا التمثيل تصويرٌ للأضعاف كأنها حاضرةٌ بين يدي الناظر 114.
وهذا المثل أبلغ في النفوس، من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عز وجل لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة.
وروي عن ابن مسعود: أن رجلًا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتأتين يوم القيامة بسبعمائة ناقة مخطومة) 115.
وعن عبد الله بن مسعود كذلك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل جعل حسنة ابن آدم بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم، والصوم لي وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) 116.
ومعنى قوله: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} أن المضاعفة درجات كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى؛ لأنها تترتب على أحوال المتصدق وأحوال المتصدق عليه، وأوقات ذلك وأماكنه. وللإخلاص، وقصد الامتثال ومحبة الخير للناس، والإيثار على النفس، وغير ذلك مما يحف بالصدقة والإنفاق، تأثير في تضعيف الأجر، {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} 117.
وقوله: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي: إنه تعالى لا ينحصر فضله، ولا يحد عطاؤه، وهو عليم بمن يستحق هذه المضاعفة كالمنفقين في إعلاء شأن الحق، وتربية الأمم على آداب الدين وفضائله التي تسوقهم إلى سعادة المعاش والمعاد، حتى إذا ما ظهرت آثار ذلك في قوة ملتهم وسعادة أمتهم جنوا من ذلك أجلّ الفوائد وعاد ذلك عليهم بالخير الوفير 118.
ثم بيّن ثواب الإنفاق في الآخرة بعد بيان منافعه في الدنيا فقال: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} أي: إن الذين يبذلون أموالهم يبتغون بذلك مرضاة ربهم، ولا يتبعون ذلك بمنّهم على من أحسنوا إليهم ولا بإيذائهم، لهم عند ربهم ثواب لا يقدر قدره، {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} حين يخاف الناس وتفزعهم الأهوال، {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} حين يحزن الباخلون الممسكون عن الإنفاق في سبيل الله، إذ هم أهل السكينة والاطمئنان والسرور الدائم 119.
مما سبق يمكن القول أن تعظيم القرآن لشأن الإنفاق، وتكثير ثوابه، وتضعيف الأجر عليه يجعل في النفس الهمة والمبادرة إلى ذلك العمل الذي يحبه الله، ويعظّم من شأنه، ويكثر من ثوابه وفضله، وهكذا فإن من مقاصد الثواب جعل الإنسان المؤمن يبادر ويسارع إلى فعل الخيرات، كما قال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 90] .
فدأب المؤمنين دائمًا المسارعة والمبادرة إلى فعل الخيرات؛ لنيل الثواب من الله، وكما قال: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61] .
ثالثًا: بيان عدل الله وفضله في معاملة الخلق:
إن الله تبارك وتعالى خلق الخلق، ونظّم لهم حياتهم بما يحفظ لكل ذي حق حقه، وأمر بالعدل، وجعل العدل هو ميزان الدنيا والآخرة، فلا جور ولا حيف، كما قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .
ففي الآية أمر بالعدل حتى مع الأعداء، فالعدل نظام هذا الوجود الإنساني، فلا يصح أن يكون البغض الشديد حاملًا على الاعتداء، ولا أن يكون البغض الشديد حاملًا على منع الحقوق، بل يعطي كل ذي حق حقه، ولو كان عدوًّا مبينًا، فالحق ليس منحة من شخص لشخص يسلبه إن أبغض، ويعطيه إن أحب، بل إن التمكين منه واجب مقدس أمر الله سبحانه وتعالى به، وحث عليه 120.
فعن أبي ذرٍّ، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنّه قال: (يا عبادي إنّي حرّمت الظّلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا) 121.
وإذا كان العدل ينبغي أن يكون شعار كل مسلم فما بالنا بالخالق الذي من أسمائه العدل، ولذلك بيّن الحق سبحانه وتعالى أنه لا يظم أحدًا فقال تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] .
قال الطبري: «ولا يجازي {رَبُّكَ أَحَدًا} يا محمد بغير ما هو أهله، لا يجازي بالإحسان إلا أهل الإحسان، ولا بالسيئة إلا أهل السيئة، وذلك هو العدل» 122.
ولذا يقول سبحانه وتعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8] .
و (المثقال) مفعال من الثقل، ويطلق على الشيء القليل الذي يحتمل الوزن، و (الذرة) تطلق على أصغر النمل، وعلى الغبار الدقيق الذي يتطاير من التراب عند النفخ فيه. والمقصود المبالغة في الجزاء على الأعمال مهما بلغ صغرها، وحقر وزنها 123.
قال الطبري: «فمن عمل في الدنيا وزن ذرة من خير، يرى ثوابه هنالك -يعني: في الآخرة- حتى ولو كان هذا العمل في نهاية القلة» 124.
{وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} يقول: ومن كان عمل في الدنيا وزن ذرة من شر يرى جزاءه هنالك. حتى ولو كان هذا العمل أيضًا في أدنى درجات القلة.
والآية تدل على أمرين مهمين:
الأول: أن الحق سبحانه وتعالى يسجّل لكل عبد من عباده -من خلال الملائكة- الحسنات والسيئات مهما قلّت أو كثرت، كما قال: {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف: 49] .
الثاني: أن الحق سبحانه وتعالى يجازي كل إنسان بما كسبت يديه، فمن يعمل خيرًا يجد جزاء ذلك خيرًا، ومن يعمل شرًّا يجد جزاء ذلك شرًّا، فالجزاء من جنس العمل، والثواب والجزاء من قبل الله يكون في الدنيا والآخرة. فعدل الله أنه يثيب المحسن ويجازي المسيء.
ولذا يقول الحق مؤكدًا هذا المعنى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] .
فقوله: {فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} أي: فلا يظلم الله نفسًا ممن ورد عليه منهم شيئًا، بأن يعاقبه بذنب لم يعمله، أو يبخسه ثواب عمل عمله، وطاعة أطاعه بها، ولكن يجازي المحسن بإحسانه، ولا يعاقب مسيئًا إلا بإساءته. وقوله: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} أي: وإن كان الذي من عمل الحسنات، أو عليه من السيئات وزن {حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} وجئنا بها فأحضرناها إياه. وقوله: {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} يقول: وحسب من شهد ذلك الموقف بنا حاسبين؛ لأنه لا أحد أعلم بأعمالهم وما سلف في الدنيا من صالح أو سيِّء منا 125.