فهرس الكتاب

الصفحة 829 من 2431

أولًا: المعنى اللغوي:

الجهاد من جهد يجاهد مجاهدةً وجهادًا، وهو من الجهد -بفتح الجيم وضمها- أي الطّاقة والمشقّة 1، و «قال ابن الأثير: هو بالفتح، المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وبالضم الوسع والطاقة، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة» 2، ومنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} [التوبة: 79] وجاهد في سبيل الله مجاهدة وجهادًا، والاجتهاد والتجاهد بذل الوسع والمجهود 3.

والحاصل: أن أصل لفظ الجهاد هو بذل ما في الوسع والطاقة في تحقيق شيء معين.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

يدور تعريف الجهاد عند أغلب العلماء حول قتال الكفار، فقد عرفه العلماء بقولهم: هو بذل الجهد من المسلمين في قتال الكفار المعاندين المحاربين، والمرتدين، والبغاة ونحوهم؛ لإعلاء كلمة الله تعالى. وهو ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس 4.

فالجهاد بمعنى عام، يشمل الدّين كله؛ حيث تتسع مساحته فتشمل الحياة كلها بسائر مجالاتها ونواحيها، قال ابن تيمية: «الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان» 5، وله كذلك معنى خاص ذكره الكفوي حيث قال: «الجهاد هو الدعاء إلى الدين الحق، والقتال مع من لا يقبله» 6، فالجهاد يحول دون فساد الأوضاع ووصول الأشرار والفاسدين إلى السلطة والحكم. وعليه، فالمعنى الاصطلاحي خص ببذل الجهد في قتال الكفار ودعوتهم؛ لإعلاء كلمة الله، بينما المعنى اللغوي أعم.

وردت مادة (جهد) في القرآن (41) مرة، والمتعلق منها بالجهاد (35) مرة 7.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 15 ... {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]

الفعل المضارع ... 5 ... {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: 54]

فعل الأمر ... 7 ... {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 41]

المصدر ... 4 ... {إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي} [الممتحنة: 1]

اسم الفاعل ... 4 ... {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} [محمد: 31]

وجاء الجهاد في القرآن على ثلاثة وجوه 8:

الأول: الجهاد بالسلاح: ومنه قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 95] ، يعني: الذين يقاتلون في سبيل الله بالسلاح.

الثاني: الجهاد بالقول: ومنه قوله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) } [الفرقان: 52] ، يعني: بالقرآن.

الثالث: الجهاد في العمل: ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} [العنكبوت: 6] ، يعني: من يعمل الخير فإنما يعمله لنفسه، وله نفع ذلك.

القتال:

القتال لغة:

من قاتل فلان فلانًا، وقاتله مقاتلة وقتالًا، وهو بمعنى المحاربة والمقاتلة، ولا يكون إلا بين اثنين 9.

القتال اصطلاحًا:

القتال صيغة مبالغة من القتل، والمقاتلة هي القتال ولا يكون إلا بين اثنين 10.

الصلة بين الجهاد والقتال:

الجهاد أوسع من القتال، فالقتال نوع من أنواع الجهاد، والقتال يكون بين اثنين.

الغزو:

الغزو لغة:

القصد، والغزو: السير إلى قتال العدو، يقال: غزا يغزو غزوًا فهو غاز، وجمعه غزاة وغز 11.

الغزو اصطلاحًا:

عرفه الأصفهاني بقوله: «الغزو: الخروج إلى محاربة العدو» 12.

الصلة بين الجهاد والغزو:

الغزو: إنما يكون في بلاد العدو، والجهاد: مطلق، فكل غاز مجاهد، دون العكس، وقيل: إن الغزو ما كان الغرض الأصلي فيه الغنيمة، وتحصيل المال - وإن استلزم ذلك الحرب والمقاتلة، والجهاد: ما كان الغرض فيه المحاربة لقهر العدو - وإن استلزم ذلك تحصيل الغنائم والفوائد 13.

النفير:

النفير لغة:

ينفر نفرًا ونفورًا، ويوم النفر والنفير والنفور: يوم نفور الناس من منى، يقال: نفر إلى الحرب، إذا خرج لها، ومضى لقتال العدو، ومنه أيضًا (الاستنفار) : وهو حث القوم على النفر إلى الحرب، أو أن ينفروا منها، والنفير: القوم النافرون لحرب أو غيرها 14.

النفير اصطلاحًا:

قال الأصفهاني: «والاستنفار حث القوم على النفر إلى الحرب» 15.

الصلة بين الجهاد والنفير:

النفر نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله، وهو الخروج لقتال الأعداء اعلاءً لكلمة الله عز وجل.

الحرب:

الحرب لغة:

نقيض السلم، ورجل محرب أي شجاع، وفلان حرب فلان أي يحاربه، وحرّبته تحريبًا أي حرّشته على إنسان فأولع به وبعداوته 16.

الحرب اصطلاحًا:

قال المناوي: «دفع بشدة عن اتساع المدافع بما يطلب منه الخروج فلا يسمح به ويدافع عنه بأشد مستطاع» 17.

الصلة بين الجهاد والحرب:

الجهاد أوسع من الحرب، فالحرب استخدام القوة وفيه شدة، وهذا ليس بالضرورة في الجهاد، والجهاد إنما يكون في سبيل الله، أما الحرب فتطلق على حرب الكفار واستحلالهم بلاد المسلمين.

فرض الله عز وجل الجهاد على المسلمين، وأمرهم بالجهاد في سبيله، ووعد المجاهدين أجرًا عظيمًا، سواء من جاهد عدوًّا داخليًّا، ومن جاهد عدوًّا خارجيًّا، فالجهاد أنواع مختلفة، ولقد قام العلماء بتقسيم الجهاد إلى عدة أقسام، وهي:

أولًا: جهاد النفس:

إن من أعظم الجهاد جهاد النفس، وهو الأصل والأساس؛ لأن العبد إن لم يجاهد نفسه أولًا ويبدأ بها ويلزمها بفعل ما أمرت به وترك ما نهيت عنه فلا يمكن له جهاد عدوه الخارجي وترك العدو الداخلي.

والنفس البشرية عرضة للإغواء ووساوس الشيطان.

قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53] .

فجهادها هو الجهاد الأكبر، قال ابن عجيبة عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) } [البقرة: 218] .

«الجهاد على قسمين: جهاد أصغر وهو جهاد السيف، وجهاد أكبر وهو جهاد النفس، فيجاهدها أولًا في القيام بجميع المأمورات، وترك جميع المنهيات، ثم يجاهدها ثانيًا في ترك العوائد والشهوات، ومجانبة الرخص والتأويلات، ثم يجاهدها ثالثًا في ترك التدبير والاختيار، والسكون تحت مجاري الأقدار، حتى لا تختار إلا ما اختار الحق تعالى لها، ولا تشتهي إلا ما يقضي الله عليها، فإن النفس جاهلة بالعواقب، فعسى أن تكره شيئًا وهو خير لها، وعسى أن تحب شيئًا وهو شر لها» 18.

فعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: (ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه النّاس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم النّاس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذّنوب) 19.

واعتبر جهاد النفس جهادًا أكبر من جهاد العدو؛ «لأنك في ساحة القتال تجاهد عدوًّا ظاهرًا، يتضح لك عدده وأساليبه، أمّا إن كان عدوك من نفسك ومن داخلك، فإنه يعزّ عليك جهاده، فأنت تحب أن تحقق لنفسك شهواتها، وأن تطاوعها في أهوائها ونزواتها، وهي في هذا كله تلح عليك وتتسرّب من خلالك، فعليك أن تقف في جهاد النفس موقفًا تقارن فيه بين شهوات النفس العاجلة وما تورثك إياه من حسرة آجلة باقية، وما تضيعه عليك من ثواب ربك في جنة فيها من النعيم، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» 20.

قال ابن القيم: «جهاد النفس مقدم على جهاد العدو في الخارج، وأصل له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله، بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج» 21.

وقال ابن الجوزي: «اعلم أنه إنما كان جهاد النفس أكبر من جهاد الأعداء؛ لأن النفس محبوبة وما تدعو إليه محبوب؛ لأنها لا تدعو إلا إلى ما تشتهي، وموافقة المحبوب في المكروه محبوبة، فكيف إذا دعا إلى محبوب، فإذ عكست الحال وخولف المحبوب فيما يدعو إليه من المحبوب اشتد الجهاد وصعب الأمر، بخلاف جهاد الكفار فإن الطباع تحمل على خصومة الأعداء» 22.

وجاء تفسير العلماء للجهاد في القرآن الكريم بأنه جهاد النفس في أكثر من موضع، قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] .

فالجهاد هنا يحتمل أن يكون المقصود به جهاد الكفار، أو جهاد النفس والهوى 23.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) } [العنكبوت: 69] .

«والّذين جاهدوا فينا يعني: جهاد النفس من الصبر على إذاية الكفار واحتمال الخروج عن الأوطان وغير ذلك، وقيل: يعني القتال، وهو ضعيف؛ لأن القتال لم يكن مأمورًا به حين نزول الآية» 24.

فأفضل الجهاد عندما نجاهد أنفسنا، كما جاء عن عبد الله بن عمرو عندما سئل: أيّ المؤمنين أفضل إسلامًا؟ قال: (من أسلم المسلمون من لسانه ويده) ، قال: فأيّ المؤمنين أفضل إيمانًا؟ قال: (أحسنهم خلقًا) ، قال: فأيّ المهاجرين أفضل؟ قال: (من هجر ما نهى الله عنه) ، قال: فأيّ الجهاد أفضل؟ قال: (من جاهد نفسه في ذات الله) ، قال: أنت قلته يا عبدالله بن عمرو، أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بل رسول الله صلى الله عليه وسلم 25.

وجهاد النفس أربعة مراتب 26:

1.جهادها على تعلّم أمور الدين والهدى الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، فيجب أن نحمل أنفسنا على معرفة الحق والهدى، وفهم الكتاب والسنة، ومعنى الجهاد أن تبذل كل الوسع والطاقة في معرفة الحق؛ حتى لا تبوء بالخسران يوم القيامة. قال تعالى: (? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ?) [الكهف: 104] .

2.جهادها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها، والنفس البشرية تميل إلى الراحة، فبدون مجاهدتها لا يمكن الفوز بأعلى الدرجات في الجنة. قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 200] . قيل في معنى الآية: أي اصبروا على دينكم، وصابروا مع الأعداء، ورابطوا بالمحافظة على الصلوات، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟) قالوا بلى يا رسول الله. قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط 27) 28.

3.جهادها على الدعوة إليه ببصيرة، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله.

4.جهادها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، وأن يتحمل ذلك كله لله، فجهاد النفس يحتاج إلى صبر على المكاره، قال عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 200] . فمن علم، وعمل، وصبر، فذاك يدعى عظيمًا في ملكوت السموات.

ثانيًا: جهاد الشيطان:

إن من أشد أعداء الإنسان الشيطان، بل هو أخبث الأعداء، قال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ) ، يلقي على الإنسان وساوسه، ويدفعه إلى ارتكاب المعاصي، والبعد عن الطاعات، قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد حديثه عن جهاد العدو الداخلي (النفس) ، والعدو الخارجي (الكفار والمنافقين) : «فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما، ويخذله ويرجف به، ولا يزال يخيل له ما في جهادهما من المشاق وترك الحظوظ وفوت اللذات والمشتهيات، ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ) [فاطر: 6] .

والأمر باتخاذه عدوًّا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته، ومجاهدته، كأنه عدو لا يفتر ولا يقصر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس» 29.

وجهاده يكون على مرتبتين 30:

يقول ابن حجر العسقلاني: «جهاد الشيطان بدفع ما يلقي إليه من الشبهة والشك ثم تحسين ما نهي عنه من المحرمات، ثم ما يفضي الإكثار منه إلى الوقوع في الشبهات وتمام ذلك من المجاهدة أن يكون متيقظًا لنفسه في جميع أحواله؛ فإنه متى غفل عن ذلك استهواه شيطانه ونفسه إلى الوقوع في المنهيات» 31.

فالشيطان لا يدعو حزبه إلا لما فيه هلاكهم وخسارتهم، وقد بين لنا المولى عز وجل طرق محاربته بشتى الطرق والوسائل، قال تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ) [الأعراف: 201] .

وأن يستعين بالله عز وجل، ويستعيذ بالله من شر الشيطان، قال تعالى: (? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ?) [النحل: 98 - 99] .

فإيمان العبد بربه حصن حصين من مكائد الشيطان، فإذا ضعف هذا السلاح كان تحت تأثير الشيطان ووساوسه، قال تعالى: (ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ?) [الزخرف: 36] .

ولقد كتب ابن القيم رحمه الله تعالى كتابًا كبيرًا نافعًا سماه «إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان» بين فيه ما يجب على الإنسان فعله للبعد عن مكائد الشيطان.

ثالثًا: جهاد المنافقين:

أمر الله عز وجل نبيه بجهاد المنافقين، بل أمره بالغلظة في محاربتهم.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ژژ ڑ ڑ ک) [التحريم: 9] .

«ولما كان المنافق يظهر الإسلام ويبطن الشرك ويظهر الخير ويبطن الشر، فلا يمكن جهاده بالقتال كما يجاهد الكافر؛ وذلك لأنه بظاهره يستحق أن يعامل معاملة المسلمين لكن له علامات يعرف بها» 32.

ولا شك أن ضرر هؤلاء أعظم من ضرر الكفار المعلنين بكفرهم، كما قال الله تعالى في أمثالهم: (? ? ? ? ?) [المنافقون: 4] ؛ ولأجل ذلك جاء الشرع بجهادهم، والحث على الغلظة عليهم.

وجهاد المنافقين يكون بمناقشتهم وإقامة الحجة عليهم، وكشفهم، وبيان باطلهم والتحذير منهم، وإقامة الحدود عليهم 33، وعن مجاهد: جهاد المنافقين بالوعيد، وقيل: بإفشاء أسرارهم 34.

فالنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بجهاد المنافقين، وذلك من خلال عطف المنافقين على الكفار في المفعول به للفعل جاهد، ويحمل الفعل على المجاز، فالجهاد بإقامة الحجة والتعريض للمنافق بنفاقه، فإن ذلك يطلق عليه الجهاد مجازًا، كما في قوله صلى الله عليه وسلم للذي سأله الجهاد فقال له: (أحيٌّ والداك؟) ، قال: نعم، قال: (ففيهما فجاهد) 35.

فجهاد المنافقين لإلقاء الرعب في قلوب المنافقين؛ ليشعروا بأن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالمرصاد لهم، فلو بدت من أحدهم بادرة يعلم منها نفاقه عومل معاملة الكافر في الجهاد بالقتل والأسر فيحذروا ويكفوا عن الكيد للمسلمين خشية الافتضاح، فتكون هذه الآية من قبيل قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب: 60 - 61] 36.

رابعًا: جهاد الكافرين:

فرض الله عز وجل الجهاد على عباده؛ لتكون كلمة الله هي العليا، بإخراج من شاء الله من الظلمات إلى النور، وذلك بالدخول في الإسلام، أو بفرض سيادة الإسلام ونشر عدالته والتعريف بحقيقته، والجهاد إذا أطلق فيراد به جهاد الكفار والمشركين، وجهاد الكفار أربع مراتب كما بين ذلك ابن القيم رحمه الله: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهاد الكفار أخص باليد 37.

قال عليه السلام: (من مات ولم يغز ولم يحدّث نفسه بغزوٍ مات على شعبةٍ من النّفاق) 38،

وقد أناط الله قتالهم بوصف الشرك ووصف الكفر، كما قال تعالى: (ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 5] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 123] .

وقال عز وجل: (? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ) [محمد: 4] .

وجهاد الكفار باليد مرّ في مراحل متنوعة بحسب الحال الذي كانت عليه أمة الإسلام.

قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: «أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه (يا أيها المدثر قم فأنذر) فنبأه بقوله (اقرأ) ، وأرسله بـ (يا أيها المدثر) ، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ويؤمر بالكف والصبر والصفح، ثم أذن له في الهجرة، وأذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله له، ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة» 39.

فهذا النوع من الجهاد له فضل عظيم كما بينه لنا المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم عندما قال: (رباط يومٍ في سبيل اللّه خيرٌ من الدّنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنّة خيرٌ من الدّنيا وما عليها، والرّوحة يروحها العبد في سبيل اللّه، أو الغدوة خيرٌ من الدّنيا وما عليها) 40.

أولًا: الجهاد بالمال:

الجهاد بالمال من أهم صور الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 41] .

أي: «فأنفقوها في مجاهدتهم على دين الله الذي شرعه لكم، حتى ينقادوا لكم فيدخلوا فيه طوعًا أو كرهًا، أو يعطوكم الجزية عن يدٍ صغارًا، إن كانوا أهل كتابٍ، أو تقتلوهم» 41.

وتقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في كثير من الآيات فيه دلالة على عظم الجهاد بالمال، فقد لا يستطيع الإنسان أن يشارك بنفسه في الجهاد في سبيل الله؛ بسبب ظروف مختلفة تمنعه من أن يجاهد، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ) [الفتح: 17] .

فليس على الأعمى حرج في التخلّف عن الغزو، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض الذي لا يقدر على الحرب حرج؛ لأن الجهاد منوط بالاستطاعة ونفي الحرج، فمن عجز فله أن ينيب عنه نفرًا بنفقة من عنده فيكون مجاهدًا بماله لما تعذر عليه بنفسه، وقد ذهب إلى هذا القول كثير من العلماء 42.

والجهاد بالمال يشمل المساهمة بالمال في جميع أنواع الجهاد، سواء كان ضد الكافرين أو المنافقين، أو النفس أو الشيطان.

ثانيًا: الجهاد بالنفس:

من أعظم الجهاد من باع نفسه رخيصة في سبيل الله عز وجل؛ لإعلاء كلمة التوحيد.

قال عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 111] .

فبذل النفس في سبيل الله يستدعي الثواب العظيم من الله عز وجل ألا وهو الجنة، «قال بعضهم: ما أكرم الله، فإن أنفسنا هو خلقها، وأموالنا هو رزقها، ثم وهبها لنا، ثم اشتراها منا بهذا الثمن الغالي، فإنها لصفقة رابحة» 43.

وقد قدم الجهاد بالنفس في هذه الآية على الجهاد بالمال بعكس الآيات الأخرى؛ وذلك لأن الآية كانت بمعرض الحديث عن المنافقين وتقاعسهم عن الجهاد بأنفسهم في غزوة تبوك 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت