أين الأكاسرة الجبابرة الأولى» 31.
«كأن المعنى: ولا تحدثن بالتبرج جاهلية في الإسلام تتشبهن بها بأهل جاهلية الكفر» 32.
ثم «أمرهن أمرًا خاصًّا بالصلاة والزكاة {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ} ، ثم جاء به عامًّا في جميع الطاعات {وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ؛ لأن هاتين الطاعتين البدنية والمالية هما أصل سائر الطاعات، من اعتنى بهما حق اعتنائه جرّتاه إلى ما وراءهما.
ثم بيّن أنه إنما نهاهن وأمرهن ووعظهن؛ لئلا يقارف أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المآثم، وليتصوّنوا عنها بالتقوى، واستعار للذنوب: الرجس، وللتقوى: الطهر؛ لأنّ عرض المقترف للمقبحات يتلوّث بها ويتدنس، كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما المحسنات فالعرض معها نقى مصون كالثوب الطاهر.
{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولى الألباب عما كرهه الله لعباده ونهاهم عنه، ويرغّبهم فيما رضيه لهم وأمرهم به» 33.
عرض القرآن الكريم صورًا للجهالة، نتناولها بالبيان فيما يأتي:
أولًا: الوقوع في المعصية:
قال الله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 17] .
والسوء: «هو العمل القبيح الذي يسوء فاعله إذا كان عاقلًا سليم الفطرة» 34.
قال ابن رجب: «فإنّ كلّ من عصى اللّه فهو جاهلٌ، وكلّ من أطاعه فهو عالمٌ، وبيانه من وجهين:
أحدهما: أنّ من كان عالمًا باللّه تعالى وعظمته وكبريائه وجلاله، فإنّه يهابه ويخشاه، فلا يقع منه -مع استحضار ذلك- عصيانه، كما قال بعضهم: لو تفكّر الناس في عظمة اللّه تعالى ما عصوه، وقال آخر: كفى بخشية اللّه علمًا، وكفى بالاغترار باللّه جهلًا.
والثاني: أنّ من آثر المعصية على الطاعة فإنّما حمله على ذلك جهله، وظنّه أنها تنفعه عاجلًا باستعجال لذّتها، وإن كان عنده إيمان فهو يرجو التخلّص من سوء عاقبتها بالتوبة في آخر عمره، وهذا جهل محضٌ!
فإنّه يتعجّل الإثم والخزي، ويفوته عزّ التقوى وثوابها ولذّة الطاعة، وقد يتمكّن من التوبة بعد ذلك، وقد يعاجله الموت بغتةً، فهو كجائع أكل طعامًا مسمومًا لدفع جوعه الحاضر، ورجا أن يتخلّص من ضرره بشرب الدّرياق بعده، وهذا لا يفعله إلا جاهلٌ» 35.
ولهذا يوصف من لم يعمل بعلمه بالجهل وعدم العلم، «قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ... } فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، ومنه قول ابن مسعود: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا! وقيل للشعبي: أيها العالم! فقال: العالم من يخشى الله!
وقد قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] » 36.
«وقيل: معنى الجهالة أن يأتي الإنسان بالذنب مع العلم بأنه ذنب، لكنه يجهل عقوبته» 37.
ومثل هذه الآية قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54] .
وقوله سبحانه: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 119] .
ثانيًا: عدم التثبت في الأخبار:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] .
«والجهل: فوق الخطأ؛ لأن المجتهد إذا أخطأ لا يسمى جاهلًا، والذي يبني الحكم على قول الفاسق إن لم يصب جهل، فلا يكون البناء على قوله جائزًا» 38.
قال ابن عاشور: «والجهالة: تطلق بمعنى ضد العلم، وتطلق بمعنى ضد الحلم مثل قولهم 39:
بجهل كجهل السيف
فإن كان الأول: فالباء للملابسة، وهو ظرف مستقر في موضع الحال، أي: متلبسين أنتم بعدم العلم بالواقع لتصديقكم الكاذب، ومتعلق {تُصِيبُوا} على هذا الوجه محذوف دل عليه السياق سابقًا ولاحقًا، أي: أن تصيبوهم بضر، وأكثر إطلاق الإصابة على إيصال الضر.
وعلى الإطلاق الثاني: الباء للتعدية، أي: أن تصيبوا قومًا بفعلٍ من أثر الجهالة، أي: بفعل من الشدة والإضرار» 40.
تحدث القرآن الكريم عن علاج الجهالة، وهذا ما سوف نبينه فيما يأتي:
أولًا: التوبة:
من رحمة الله تعالى أنه (ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً) 41؛ لعلم الله سبحانه بضعف هذا الإنسان من كل جهة -كما سبق-، وداء الجهالة التي معناها: الوقوع في الذنب عن علم أو غير علم، جعل الله تعالى له علاجًا ناجعًا، وهذا العلاج مكوّن من أمرين اثنين، أولهما: التوبة الصادقة لله تعالى.
قال الله عز وجل: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 119] .
والجهالة هنا إما:
-عدم العلم بتحريم ذلك، وسبب عدم العلم «عدم أسبابه: من النظر التام، والاستماع التام لآيات الحق وأعلامه، وسبب عدم النظر والاستماع: إما عدم المقتضي فيكون عدمًا محضًا، وإما وجود مانع من الكبر أو الحسد في النفس (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [الحديد: 23] » 42.
-وإما «بجهالة بعاقبة ما تجني عليه، ولو كان متعمدًا للذنب، فإنه لابد أن ينقص ما في قلبه من العلم وقت مفارقة الذنب، فإذا تاب وأصلح بأن ترك الذنب، وندم عليه، وأصلح أعماله، فإن الله يغفر له ويرحمه ويتقبل توبته ويعيده إلى حالته الأولى أو أعلى منها» 43.
«والتوبة: الرجوع، وصحتها مشروطة باستدامة الإصلاح بعدها في الشيء الذي تيب منه» 44.
ففتح باب التوبة من أعظم نعم الله تعالى على عباده، فله الحمد سبحانه.
وعند قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 135] الآية، يروى عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قوله: «هذه الآية خيرٌ لأهل الذنوب من الدنيا وما فيها» 45.
وقال ابن سيرين: «أعطانا اللّه عز وجل هذه الآية مكان ما جعل لبني إسرائيل في كفارات ذنوبهم» 46.
وعند هاتين الآيتين: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 72، 73] .
يلفت شيخ الإسلام رحمه الله الانتباه لنكتة قيّمة فيقول: «وذكر التوبة لعلمه سبحانه وتعالى أنه لابد لكل إنسان من أن يكون فيه جهل وظلم، ثم يتوب الله على من يشاء، فلا يزال العبد المؤمن دائمًا يتبين له من الحق ما كان جاهلًا به، ويرجع عن عمل كان ظالمًا فيه، وأدناه ظلمه لنفسه، كما قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] .. » 47
ثانيًا: الإصلاح:
عطف الله سبحانه وتعالى الإصلاح على التوبة في ثماني آيات من القرآن الكريم، منها الآية التي ذكرت في العلاج الأول: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 119] .
ومنها قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 5] .
ومنها كذلك: {فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} [النساء: 16] .
ولا شك أن هذا التكرار لهذا العطف يدعو المسلم للتدبر في سر ومعنى هذا العطف.
قال الألوسي: « {وَأَصْلَحُوا} : أي: أصلحوا أعمالهم أو دخلوا في الصلاح، وفسّر بعضهم الإصلاح بالاستقامة على التوبة» 48.
وقال ابن كثير: «أي: أقلعوا عما كانوا فيه من المعاصي، وأقبلوا على فعل الطاعات» 49.
وقال شيخ الإسلام عن آدم عليه السلام: «فإن قيل: وهو قد تاب فلماذا بعد التوبة أهبط إلى الأرض؟ قيل: التوبة قد يكون من تمامها عمل صالح يعمله؛ فيبتلى بعد التوبة لينظر دوام طاعته، قال الله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 89] » 50.
وهنا لطيفة يسعفنا بها الشعراوي رحمه الله فيقول: «ومعنى كلمة (أصلح) أنه زاد شيئًا صالحًا على صلاحه، والكون ليس فيه شيء فاسد -اللهم إلا ما ينشأ عن فعل اختياري من الإنسان- وعلى التائب أن يزيد الصلاح في الكون، وهكذا نضمن ألا يجيء التائب إلى الشيء فيفسده؛ لأن من يريد أن يزيد الصالح صلاحًا، لن يفسد الشيء الصالح.
وربما كان هؤلاء الذين أسرفوا على أنفسهم في لحظة من لحظات غفلة وعيهم الإيماني ساعة يذكرون الذنب أو الجريرة التي اقترفوها بالنسبة لدينهم، يحاولون أن يجدّوا ويسارعوا في أمرٍ صالح حتى يجبر الله كسر معصيتهم السابقة بطاعتهم اللاحقة» 51.
-أرشد القرآن الكريم إلى وسائل التعامل مع الجاهلين؛ ليسلكها المؤمنون مع الجاهلين، وهذه الوسائل نذكرها فيما يأتي:
أولًا: الإعراض:
قال الله تعالى لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .
اعلم أن «الحقوق التي تستوفى من الناس وتؤخذ منهم، إما أن يجوز إدخال المساهلة والمسامحة فيها، وإما أن لا يجوز.
أما القسم الأول: فهو المراد بقوله: {خُذِ الْعَفْوَ} ويدخل فيه ترك التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية، ويدخل فيه أيضًا التخلق مع الناس بالخلق الطيب، وترك الغلظة والفظاظة، كما قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .
ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف، كما قال تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] .
وأما القسم الثاني: وهو الذي لا يجوز دخول المساهلة والمسامحة فيه، فالحكم فيه أن يأمر بالمعروف، والعرف، والعارفة، والمعروف: هو كل أمر عرفٍ أنه لابد من الإتيان به، وأن وجوده خير من عدمه؛ وذلك لأن في هذا القسم لو اقتصر على الأخذ بالعفو ولم يأمر بالعرف ولم يكشف عن حقيقة الحال، لكان ذلك سعيًا في تغيير الدين وإبطال الحق وأنه لا يجوز، ثم إنه إذا أمر بالعرف ورغّب فيه ونهى عن المنكر ونفّر عنه، فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء! فلهذا السبب قال تعالى في آخر الآية: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .
وقال في آية أخرى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72] .
وقال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3] .
وقال في صفة أهل الجنة: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا} [الواقعة: 25] » 52.
«وفي قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} قولان:
أحدهما: أنهم المشركون، أمر بالإعراض عنهم، ثم نسخ ذلك بآية السيف.
والثاني: أنه عام فيمن جهل، أمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم، وإن وجب عليه الإنكار عليهم.
وهذه الآية عند الأكثرين كلها محكمة، وعند بعضهم أن وسطها محكم وطرفيها منسوخان على ما بيّنا» 53.
قال ابن جرير: «وذلك وإن كان أمرًا من الله نبيه؛ فإنه تأديب منه عز ذكره لخلقه باحتمال من ظلمهم أو اعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جهل الواجب عليه من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته وهو للمسلمين حرب!» 54.
وقد ورد في البخاري مثال تطبيقي لهذه الآية مع الخليفة الثاني رضي الله عنه عمر بن الخطاب، يحكيه ابن عباس رضي الله عنهما، فيقول: (قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبانًا»، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: «فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر» ، فلما دخل عليه، قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] . وإن هذا من الجاهلين، «والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله) 55.
ثانيًا: الخطاب بالحسنى:
لم يكتف الحق سبحانه وتعالى في أمر عباده الأتقياء بالإعراض عن الجاهلين فحسب، بل وحثهم على أن يقولوا لهم قولًا حسنًا، ويردوا عليهم ردًّا جميلًا، فقال تعالى حاكيًا حال عباده مع أهل الجهالة: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] .
«أي: صوابًا من القول وسدادًا.
وقال الحسن البصري رحمه الله: هذا دأبهم في النهار، فإذا دخل الليل كانوا كما وصف الله في آخر الآية: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} » 56.
«وقال مجاهد: معنى {سَلَامًا} قولًا سديدًا، أي: يقول للجاهل كلامًا يدفعه به برفق ولين فقالوا على هذا التأويل عامل في قوله {سَلَامًا} على طريقة النحويين، وذلك أنه بمعنى قولًا، وهذه الآية كانت قبل آية السيف فنسخ منها ما يختص الكفرة، وبقي أدبها في المسلمين إلى يوم القيامة» 57.
قال الشعراوي: «والجاهل: هو السفيه الذي لا يزن الكلام، ولا يضع الكلمة في موضعها، ولا يدرك مقاييس الأمور، لا في الخلق ولا في الأدب.
وسبق أن فرقنا بين الجاهل والأمي:
الأمي خالي الذهن، ليس عنده معلومة يؤمن بها، وهذا من السهل إقناعه بالصواب. أما الجاهل فعنده معلومة مخالفة للواقع؛ لذلك يأخذ منك مجهودًا في إقناعه؛ لأنه يحتاج أولًا لأن تخرج من ذهنه الخطأ، ثم تدخل في قلبه الصواب.
والمعنى: إذا خاطبك الجاهل، فحذار أن تكون مثله في الرد عليه فتسفه عليه كما سفه عليك، بل قرعه بأدب وقل: {سَلَامًا} لتشعره بالفرق بينكما» 58.
موضوعات ذات صلة:
الأمية، العلم، الفقه
1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 490.
2 كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي 2/ 597.
3 نظم الدرر، البقاعي 5/ 220.
4 كشف المشكل، ابن الجوزي 2/ 375.
5 التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/ 13.
6 الكشاف، الزمخشري 3/ 537.
7 التحرير والتنوير، ابن عاشور 4/ 136.
8 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 184.
9 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 209.
10 انظر: الصحاح، الجوهري، 5/ 1952، مقاييس اللغة، ابن فارس، 3/ 90.
11 انظر: ثلاثة الأصول وشروط الصلاة والقواعد الأربع، محمد بن عبد الوهاب، ص 14.
12 تاج العروس، الزّبيدي، 27/ 224.
13 أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، نخبة من العلماء، ص 58.
14 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، 12/ 11، رقم 12318. وحسنه الألباني في السلسة الصحيحة، 7/ 1373، رقم 3467.
15 طريق الهجرتين، ابن القيم ص 108.
16 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة، باب رقم 49، 4/ 659، رقم 2499، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، 2/ 1420، رقم 4251. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 2/ 831، رقم 4515.
17 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 546.
18 التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 548.
19 مفاتيح الغيب، الرازي 27/ 471.
20 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 131.
21 جامع البيان. للطبري 13/ 80.
22 مفاتيح الغيب، الرازي 14/ 349.
23 الكشاف، الزمخشري 2/ 467.
24 المصدر السابق.
25 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 7/ 263.
26 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/ 185.
27 مفاتيح الغيب، الرازي 24/ 562.
28 في ظلال القرآن، سيد قطب 5/ 2647.
29 مفاتيح الغيب، الرازي 24/ 562.
30 تفسير الشعراوي 17/ 10806
31 مفاتيح الغيب، الرازي 25/ 167.
32 الكشاف، الزمخشري 3/ 537.
33 المصدر السابق.
34 تفسير المراغي 4/ 207.
35 روائع التفسير. ابن رجب الحنبلي 1/ 297.
36 مجموع فتاوى ابن تيمية 7/ 539.
37 لباب التأويل، الخازن 1/ 355.
38 مفاتيح الغيب، الرازي 28/ 99.
39 الشاهد من بيت لابن الرومى، تمامه:
بجهل كجهل السّيف والسيف منتضى
وحلم كحلم السيف والسّيف مغمد
انظر: الصناعتين. للعسكري ص 424.
40 التحرير والتنوير، ابن عاشور 26/ 232.
41 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، رقم 5354.
42 مجموع الفتاوى، ابن تيمية 14/ 23.
43 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 451.
44 المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 297.
45 انظر: الترغيب والترهيب، قوام السنة 1/ 171، رقم 219.
46 تفسير ابن رجب الحنبلي 1/ 564.
47 مجموع فتاوى ابن تيمية 3/ 348.
48 روح المعاني، الألوسي 7/ 482.
49 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 610.
50 مجموع فتاوى ابن تيمية 8/ 322.
51 تفسير الشعراوي 3/ 1605.
52 مفاتيح الغيب، الرازي 15/ 435.
53 زاد المسير، ابن الجوزي 2/ 181.
54 جامع البيان، الطبري 13/ 332.
55 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، 6/ 60، رقم 4642.
56 انظر: لطائف الإشارات، التستري 1/ 114.
57 المحرر الوجيز، ابن عطية 4/ 218.
58 تفسير الشعراوي 17/ 10502.