فهرس الكتاب

الصفحة 2050 من 2431

وذرية إبراهيم ورد ذكرهم في الآيات الكريمة بقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 83 - 90] .

قال الأستاذ محمد رشيد رضا: «وقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات الثلاث أربعة عشر نبيًا، لم يرتبهم على حسب تاريخهم وأزمانهم؛ لأنه أنزل كتابه هدى وموعظة، لا تاريخًا، ولا على حسب فضلهم ومناقبهم؛ لأن كتابه ليس كتاب مناقب ومدائح، وإنما هو كتاب تذكرة وعبرة، وقد جعلهم ثلاثة أقسام لمعان في ذلك جامعة بين كل قسم منهم» 35.

وخص صاحب المنار القسم الأول بستة أنبياء، وهم: داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، ثم قال: «والمعنى الجامع بين هؤلاء أن الله تعالى آتاهم الملك والإمارة، والحكم والسيادة، مع النبوة والرسالة، وقد قدم ذكر داود وسليمان، وكانا ملكين غنيين منعمين، وذكر بعدهما أيوب ويوسف، وكان الأول أميرًا غنيًا عظيمًا محسنًا، والثاني وزيرًا عظيمًا وحاكمًا متصرفًا، ولكن كلًا منهما قد ابتلي بالضراء؛ فصبر، كما ابتلي بالسراء؛ فشكر، وأما موسى وهارون فكانا حاكمين، ولكنهما لم يكونا ملكين، فكل زوجين من هؤلاء الأزواج الثلاثة ممتاز بمزية، والترتيب بين الأزواج على طريق التدلي في نعم الدنيا، وقد يكون على طريق الترقي في الدين، فداود وسليمان كانا أكثر تمتعًا بنعم الدنيا، ودونهما أيوب ويوسف، ودونهما موسى وهارون، والظاهر أن موسى وهارون أفضل في هداية الدين، وأعباء النبوة من أيوب ويوسف، وأن هذين أفضل من داود وسليمان؛ بجمعهما بين الشكر في السراء والصبر في الضراء، والله أعلم» .

فالأنبياء الذين صرح الله -تبارك وتعالى- في إكرامهم بالنبوة والملك معًا، هم:

1.داود عليه السلام.

قال تعالى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ? وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ?251?) [البقرة: 251] .

2.سليمان عليه السلام.

قال تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ? إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ?35?) [ص: 35] .

3.يوسف عليه السلام.

قال تعالى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] .

وقال: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22] .

كما أكرم الله تبارك وتعالى ملوكًا آخرين ليسوا بأنبياء ولا برسل، وقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم أيضًا، وهم:

1.ذو القرنين.

جاء ذكر (ذو القرنين) في ست عشرة آية من سورة الكهف، أخبرنا القرآن الكريم عن ذي القرنين بأنه كان ملكا مؤمنًا صالحًا.

قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ? قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ?83?إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ?84?فَأَتْبَعَ سَبَبًا ?85?) [الكهف: 83 - 85] .

2.النمرود.

قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ? قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ?258?) [البقرة: 258] .

3.العزيز.

قال الله تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى? سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ? يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ?43? [يوسف: 43] .

وقال الله تعالى: (ٹ ٹ ٹ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ?72?) [يوسف: 72] .

وقال الله تعالى: (ٹ ٹ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ? إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) [يوسف: 88] .

4.طالوت.

قال الله تعالى: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ? قَالُوا أَنَّى? يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ? قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ? وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ?247?) [البقرة: 247] .

5.فرعون.

في عصر الممالك القديمة كان يطلق على حاكم مصر لفظ: «الملك» وذلك زمن سيدنا يوسف عليه السلام.

فقال تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ? فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ?54?) [يوسف: 54] .

ففي القرآن الكريم عندما يذكر حكام مصر القدامى لا يذكرهم إلا بلقب (فرعون) ، وذلك في حوالي ستين آية كريمة؛ إلا في سورة واحدة ذكر فيها حاكم مصر بلقب (ملك) ، وذلك في سورة يوسف في ثلاثة مواضع: 43، 50، 54.

6.بلقيس.

قال تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل: 24] .

وهذه المرأة هي: بلقيس، فيما قال بعضهم 36.

ثانيًا: الفرق بين ملك الله، وملك الناس:

الفرق بين ملك الله وملك الناس فرق عظيم، فالناس وما يملكون كلهم من ملك الله تعالى، والفرق بين الملكين، هو الفرق بين الملك المطلق والملك النسبي، ويتجلى ذلك بوضوح في القرآن الكريم في المعاني الآتية:

1.ملك الله تعالى شامل للخلق والرزق.

يربط الله سبحانه وتعالى ملكه بالخلق والإيجاد والإحياء والإماتة.

قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ? قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ? وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ? يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?17?) [المائدة: 17] .

وقال: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ? فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?158?) [الأعراف: 158] .

وقال: (إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? يُحْيِي وَيُمِيتُ ? وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ?116?) [التوبة: 116] .

وقال: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ? يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ?49?) [الشورى: 49] .

وقد ارتبط هذا المعنى الشريف بأذكار المسلم وأدعيته في اليوم والليلة، منها دعاء السوق: (من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحى عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة) 37.

وكذلك في بعض الأذكار الأخرى كما في الحديث: (من قال حين يصبح: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيءٍ قديرٌعشر مراتٍ: كتب الله له بكل واحدةٍ قالها عشر حسناتٍ، وحط الله عنه بها عشر سيئاتٍ، ورفعه الله بها عشر درجاتٍ، وكن له كعشر رقابٍ، وكن له مسلحةً من أول النهار إلى آخره، ولم يعمل يومئذٍ عملًا يقهرهن، فإن قال حين يمسي، فمثل ذلك) 38.

2.نفي الملك عن الآلهة من دون الله.

وكذلك نفى القرآن الكريم الملك عن آلهة الباطل من دون الله تعالى، التي لا تملك ضرًا ولا نفعًا، ولا رزقًا ولا شفاعة، ومن هنا قرر القرآن الكريم عقيدة ملك الله -تبارك وتعالى- المختلفة تمامًا عن ملك المعبودات الآخرى، كما جاء ذلك في قوله سبحانه: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ? وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ?76?) [المائدة: 76] .

وقال: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) [النحل: 73] .

وقال: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا [طه: 89] .

وقال: (فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ(42 ) ) [سبأ: 42] .

وقال: (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ?86? [الزخرف: 86] .

هذا بصيغة المفرد الغائب «يملك» ، وقد ورد في القرآن الكريم صيغة «يملكون» بالجمع عشر مرات؛ ولكن كلها بصيغة النفي الصريح الظاهر بالأداتين: (لا) النافية تسع مرات، و (ما) النافية مرة واحدة، فنسبة النفي بـ (لا) أكثر من النفي بـ (ما) ؛ لأن (لا) أقوى أدوات النفي في العربية، وهنا ربط بين نفي ملك الناس مجتمعًا، إذا ما قورن بملك الله الفرد الصمد الواحد الأحد -جل جلاله-، كما ورد في الآيات القرآنية الآتية:

قال تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ? قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ? قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى? وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ? أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ? قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ?16?) [الرعد: 16] .

وقال: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا) [الإسراء: 56] .

وقال: (لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَ?نِ عَهْدًا [مريم: 87] .

وقال: (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا) [الفرقان: 3] .

وقال: (ٹ ٹ ٹإِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ? إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ? إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ?17?) [العنكبوت: 17] .

وقال: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ? لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ) [سبأ: 22] .

وقال: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ? قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ) [الزمر: 43] .

وقال: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَ?نِ ? لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ?) [النبأ: 37] .

وأما النفي بـ (ما) فقد ورد مع «يملكون» مرة واحدة في قوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ? ذَ?لِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ? وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ?13?) [فاطر: 13] .

3.ملك الله دائم، وملك غيره زائل.

ومن المقارنات القرآنية الأخرى بين ملك الله تعالى، وملك غيره، أن ملك الله -تبارك وتعالى- دائم، وملك غيره زائل، فقد قال تعالى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الحج: 56] .

وقال: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} [الفرقان: 26] .

وقال: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16] .

ثالثًا: الملك والاغترار به:

يعرض القرآن الكريم في آياته البينات أساليب للتحذير من «الملك» الدنيوي والاغترار به، وقد جاء بأسلوبين على ما يأتي:

1.الملك كله ملك الله.

وصف الله تعالى نفسه بأنه: «مالك الملك» ، فقد ورد هذا الاسم مرة واحدة في القرآن الكريم، وهذه رسالة واضحة للملوك والمالكين أجمعين بأن الله يملكهم وما يملكون، ولقد عبر عن هذا المعنى حجة الإسلام الغزالي فقال: «اعلم أيها السلطان أنك مخلوق ولك خالق، وهو خالق العالم، وجميع ما في العالم، وأنه لا شريك له، فرد لا مثل له، كان في الأزل وليس لكونه زوال، ويكون مع الأبد، وليس لبقائه فناء، وجوده في الأبد والأزل، وما للعدم إليه سبيل، وهو موجود بذاته، وكل أحد محتاج إليه، وليس له إلى أحد احتياج، وجوده به ووجود كل شيء به» 39.

2.الملك كله بيد الله.

قال الله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ? بِيَدِكَ الْخَيْرُ ? إِنَّكَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 26] .

قيل الملك هنا: النبوة، وقيل: الغلبة، وقيل: المال والعبيد، والظاهر شموله لما يصدق عليه اسم الملك من غير تخصيص 40.

3.ظاهرة الاغترار بالملك.

قال الله تعالى: {يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29] .

قال السعدي: «ثم حذر قومه ونصحهم، وخوفهم عذاب الآخرة، ونهاهم عن الاغترار بالملك الظاهر» 41.

وقال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) } [الزخرف: 51] .

رابعًا: ذكر بعض أخلاق الملوك وأفعالهم:

أثبت الله تبارك وتعالى «الملك» لبعض الناس، وذكر بعض أخلاق الملوك في الدنيا وأفعالهم، على ما يأتي:

ذكر الله سبحانه وتعالى صفة ملكية لليهود في معرض تعداد النعم عليهم فقال: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة 20] .

وملكية بني إسرائيل في الدنيا كانت محدودة جدًا، فقد قال حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما: «كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة والخادم والدار؛ سمي ملكًا» 42.

وذكر القرآن الكريم «الملوك» في قصة سبأ مقرونين بالفساد والإفساد فقال تعالى: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل 34] .

قال ابن عاشور: «فعلمت بقياس شواهد التاريخ، وبخبرة طبائع الملوك إذا تصرفوا في مملكة غيرهم؛ أن يقلبوا نظامها إلى ما يساير مصالحهم، واطمئنان نفوسهم من انقلاب الأمة المغلوبة عليهم في فرص الضعف، أو لوائح الاشتغال بحوادث مهمة، فأول ما يفعلونه إقصاء الذين كانوا في الحكم لأن الخطر يتوقع من جانبهم حيث زال سلطانهم بالسلطان الجديد، ثم يبدلون القوانين والنظم التي كانت تسير عليها الدولة، فأما إذا أخذوها عنوة فلا يخلو الأخذ من تخريب وسبي ومغانم، وذلك أشد فسادًا. وقد اندرج الحالان في قولها» 43.

وحين بعث الله تبارك وتعالى ملكًا عندما طلب بنو إسرائيل ذلك في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 246] .

بعث إليهم جنديًا من جنودهم، وهو طالوت، وكان دباغًا وفقيرًا كما يقول المفسرون 44، مصداقًا لقوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة 247] .

لكن الله تبارك وتعالى هنا ذكر أهم صفتين يجب توافرهما في ملوك الدنيا، وهما:

الصفة الأولى: بسطة العلم.

الصفة الثانية: بسطة الجسم.

قال عنهما الإمام القرطبي: «وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت، وهو بسطته في العلم، الذي هو ملاك الإنسان، والجسم، الذي هو معينه في الحرب، وعدته عند اللقاء، فتضمنت بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة، وأنها مستحقة بالعلم والدين والقوة، لا بالنسب، فلا حظ للنسب فيها مع العلم وفضائل النفس، وأنهامتقدمة عليه؛ لأن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم؛ لعلمه وقوته، وإن كانوا أشرف منتسبا» 45.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل، وأجمله وأتمه، وزيادة الجسم مما يهيب العدو، وقيل: سمي طالوت: لطوله. وقيل: زيادة الجسم كانت بكثرة معاني الخير والشجاعة، ولم يرد عظم الجسم» 46.

وقد ضرب القرآن الكريم مثلًا لملك من ملوك الدنيا الظالمين، فقال تعالى في قصة موسى والعبد الصالح: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79] .

فلم يذكر القرآن اسمه، وتجاهل شأنه، وكان التركيز في المساكين دون الملك، قال القرطبي: «مما يستعمله الملك في مصالح نفسه وشهواته» 47.

ومن ملكية الدنيا ذكر الله تعالى في القرآن الكريم سعة ما يملك الملوك وعظم عروشهم وممالكهم، ولكن المثال القرآني كان مضروبًا لامرأة نكرة، لم يذكر اسمها كما تذكر أسماء ملوك الدنيا عند الناس، وهي ملكة سبأ، بلقيس كما نعرف، وناقل خبر ملوكيتها طائر من الطيور، وهو هدهد سليمان، وهنا نتأمل في الخبر وصاحبته وناقله.

قال تعالى: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] .

قال الشوكاني: «وأوتيت من كل شيءفيه مبالغة، والمراد أنها أوتيت من كل شيء من الأشياء التي تحتاجها، وقيل: المعنى: أوتيت من كل شيء في زمانها شيئًا، فحذف (شيئًا) لأن الكلام قد دل عليه» 48.

ومن بين ما يملكه الملوك وخصه الله سبحانه وتعالى بالذكر في القرآن الكريم: الصواع، وهو جام كهيئة المكوك من فضة. وقرأ يحيى بن يعمر: (صوغ الملك) بغين معجمة، يذهب إلى أنه كان مصوغًا فسماه بالمصدر 49، فقال تعالى: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72] .

وهذا الشيء المنسوب للملك -وهو من أشيائه وخواصه- ورد في معرض الحديث عن جريمة سرقة، وانشغال المملكة بفقدانه، وهذا ما يصوره القرآن الكريم في تعلق الممالك بملكها -وإن قل شأنه-.

وما دمنا في الحديث عن هذا الملك في زمن سيدنا يوسف عليه السلام فمن المناسب استكمال بعض صفاته الملكية الدنيوية، منها أوامر الملك فقد ذكر القرآن الكريم أمرين له بصيغة: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50] .

وذكر القرآن الكريم اهتمام الملوك بالرؤيا، وفزعهم منها لا سيما إذا كانت تتعلق بممالكهم، أو فيها إشارة لذلك.

قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43] .

ولذلك كان نبي الله يوسف عليه السلام فطنًا لهذا الملك وتصرفاته وأوامره ونواهيه، فتمت عملية التفتيش بصورة متقنة فقال تعالى: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76] .

ثم إن دين الملك هو غير دين نبي الله يوسف عليه السلام، وهنا إشارة قرآنية إلى دين الملوك الذي يجب أن يكون أفضل مما يملكون، وأن يكون دينهم أولى من ملكهم، كما قال بعض الحكماء: «ينبغي للملك أن يأنف أن يكون في رعيته من هو أفضل دينا منه، كما يأنف أن يكون فيهم من هو أنفذ أمرًا منه» 50.

وإن مما يملك الناس في الدنيا أيضًا، وذكره القرآن الكريم هو (ملك اليمين) ، وقد ذكرنا مواضع وروده في مطلب «الملك» في الاستعمال القرآني.

أولًا: الملك الراشد:

يتصف الملك أحيانًا بالراشد، من الرشد وهو نقيض كلمة (الغي) التي تستعمل في وصف كل ما يذم، وقد وصف به النبي محمد صلى الله عليه وسلم خلفاءه من بعده بهذا الوصف، فقال عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) 51.

ذكر جلال الدين الشيزري خمسة عشر وصفًا في الملك الراشد، وهي: (العدل، العقل، الشجاعة، السخاء، الرفق، الوفاء، الصدق، الرأفة، الصبر، العفو، الشكر، الأناة، الحلم، العفاف، الوقار) 52، وكل خصلة من هذه الخصال الكريمة لها شواهدها من القرآن الكريم، إذا ما طبقها الملوك؛ كان بالإمكان وصف ملكهم بأنه «راشد» .

وقد عقد الماوردي بابًا في أخلاق الملك، وأوصى الملوك بسياسة أنفسهم قبل غيرهم، فقال: «فإذا بدأ الإنسان بسياسة نفسه كان على سياسة غيره أقدر وإذا أهمل مراعاة نفسه كان بإهمال غيره أجدر» 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت