ومما يدل على شدة خطورة هذه المهمة إظهار لفظ الجلالة (بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ?) [المائدة: 48] .
فهذا الإظهار «لتربية المهابة» 189 و كذا تحذير النبي من اتباع أهواء من يتحاكمون إليه، وفي هذا لاشك دلالة على أهمية هذه المهمة، وأنها لا تقبل التفريط فيها بحال.
وبعد هذه الآية مباشرة جاء التأكيد على النبي في وجوب التزامه في أحكامه بما أنزل الله مرة أخرى (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [المائدة: 49] .
وذلك لتأكيد هذا الأمر «لأن اليهود كانوا لا يكفون عن محاولتهم فتنته صلى الله عليه وسلم» 190.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال كعب بن أسد وابن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعضٍ: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه! فأتوه. فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك! فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فيهم (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) [المائدة: 49] .إلى قوله: (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50] » 191.
يريد بذلك بيان أن الحكمة في إنزال هذه الآية «إقرار النبي على ما فعل، والأمر بالثبات على ما سار عليه من التزام حكم الله، وعدم الانخداع لليهود» 192.
وهناك نماذج عملية كثيرة ذكرها القرآن لحكم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بما أنزل الله تعالى، منها الآتي:
روى الإمام مسلم عن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه قال: (مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهوديٍ محممًا مجلودًا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم، فقال:(هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟) قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: (أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟) قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيءٍ نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه) فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) إلى قوله: (إِنْ أُوتِيتُمْ هَ?ذَا فَخُذُوهُ) [المائدة: 41] .يقول: ائتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44] .
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [المائدة: 45] .
(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ? وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ?47?) [المائدة: 47] في الكفار كلها 193.
وروى الإمام أحمد عن خولة بنت ثعلبة قالت: (في -والله- وفي أوس بن صامتٍ أنزل الله جل جلاله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقه وضجر، قالت: فدخل علي يومًا فراجعته بشيءٍ فغضب، فقال: أنت علي كظهر أمي، قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعةً، ثم دخل علي، فإذا هو يريدني على نفسي، قالت: فقلت: كلا والذي نفس خويلة بيده، لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني وامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابها، ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه، فجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(يا خويلة ابن عمك شيخٌ كبيرٌ فاتقي الله فيه) . قالت: فوالله ما برحت حتى نزل في القرآن، فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سري عنه، فقال لي: (يا خويلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك) ثم قرأ علي: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ? إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ?1?) [المجادلة: 1] . إلى قوله: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المجادلة: 4] . فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مريه فليعتق رقبةً) . قالت: فقلت: والله يا رسول الله ما عنده ما يعتق، قال: (فليصم شهرين متتابعين) . قالت: فقلت: والله يا رسول الله إنه شيخٌ كبيرٌ ما به من صيامٍ، قال: (فليطعم ستين مسكينًا، وسقًا من تمرٍ) . قالت: فقلت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإنا سنعينه بعرقٍ من تمرٍ) . قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله سأعينه بعرقٍ آخر، قال: (قد أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرًا) . قالت: ففعلت) 194.
وبذلك يظهر كيف أن الحكم بما أنزل الله من مهمات الرسل العظيمة التي قام بها الرسل والتزموها، نسأل الله أن يوفقنا لحسن التزام أحكامه.
رابعًا: الشهادة على الأمة:
من مهمات الأنبياء الجليلة والخطيرة في آنٍ الشهادة على أممهم؛ وذلك يوم القيامة، يوم يجمع الله الأولين والآخرين في موقف عظيم مهيب، فيشهد الأنبياء والمرسلون بأنهم بلغوا أممهم رسالات الله، ويشهدوا بما كان من أممهم من إيمان وكفر، وتصديق وتكذيب.
قال تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) [النحل: 84] .
«وشاهد كل أمة نبيها، يشهد عليها بتصديقها وتكذيبها» 195.
وقال تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ [النحل: 89] .
قال القرطبي: «هم الأنبياء شهداء على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوا الرسالة، ودعوهم إلى الإيمان» 196.
فإذا شهد الأنبياء بما بلغوا به أقوامهم، وبما كان من أقوامهم من تصديق وتكذيب؛ سقطت كل حجة للمكذبين، وبطل كل عذر، وفضحوا على رؤوس الأشهاد؛ ولذا قال الله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [النحل: 84] .
فقوله: « (لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) في الاعتذار؛ لأن اعتذارهم بعدما علم يقينًا بطلان ما هم عليه اعتذار كاذب لا يفيدهم شيئًا (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) وإن طلبوا أيضًا الرجوع إلى الدنيا ليستدركوا لم يجابوا ولم يعتبوا، بل يبادرهم العذاب الشديد الذي لا يخفف عنهم من غير إنظار ولا إمهال من حين يرونه» 197.
ويقول صاحب الظلال رحمه الله: «الذين كفروا واقفون لا يؤذن لهم في حجة ولا استشفاع، ولا يطلب منهم أن يسترضوا ربهم بعمل أو قول، فقد فات أوان العتاب والاسترضاء، وجاء وقت الحساب والعقاب» 198.
ولأجل هذا المعنى بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (قال لي النبي صلى الله عليه وسلم:(اقرأ علي) قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: (نعم) . فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى? هَ?ؤُلَاءِ شَهِيدًا ?41?) [النساء: 41] . قال: (حسبك الآن) فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان 199.
فالنبي -لما أودع الله في قلبه من الرحمة- يبكي؛ لأنه يعلم أن بشهادته وشهادة إخوانه من الأنبياء يهلك كل من كذب وكفر.
فكل نبي من الأنبياء شهيد على أمته، يشهد بين يدي ربه يوم القيامة بأنه بلغ قومه، وأدى رسالة ربه، فلا يجد المكذبون يومئذٍ مفرًا ولا مهربًا.
ومن خصائص الأمة المحمدية أن الله جعلها ونبيها صلى الله عليه وسلم شهداء على الناس يوم القيامة، وشهداء للرسل صلوات الله عليهم وتسليماته.
وبشهادتهم يضيق على المكذبين كل سبيل للإنكار، ويزدادون إحراجًا وتبكيتًا.
وقد جاء هذا في بعض آيات القرآن الحكيم، وفي بعض الآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: (وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ?) [البقرة: 143] .
«فمعنى ذلك: وكذلك جعلناكم أمة وسطًا عدولًا؛ لتكونوا شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ، أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ويكون رسولي محمد صلى الله عليه وسلم شهيدًا عليكم، بإيمانكم به، وبما جاءكم به من عندي» 200.
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، وأكثر من ذلك، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته، فيدعى وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا، فذلك قوله:(وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قال: يقول: عدلًا (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ?) [البقرة: 143] .) 201.
«فإذا قال قائل: كيف تشهد وهي لم تر؟ نقول: لكنها سمعت عمن خبره أصدق من المعاينة صلى الله عليه وسلم» 202.
«فإن قيل: كيف يقبل حكمهم على غيرهم والحال أن كل مختصمين غير مقبول قول بعضهم على بعض؟ قيل: إنما لم يقبل قول أحد المتخاصمين لوجود التهمة، فأما إذا انتفت التهمة وحصلت العدالة التامة، كما في هذه الأمة فإنما المقصود الحكم بالعدل والحق، وشرط ذلك العلم والعدل وهما موجودان في هذه الأمة، فقبل قولها، فإن شك شاك في فضلها وطلب مزكيًا لها فهو أكمل الخلق نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال تعالى: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ?) [البقرة: 143] » 203.
وجاء في أكثر من آية -كما مر معنا- أن الأنبياء يشهدون يوم القيامة على أممهم، كقوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) [النحل: 84] .
وكقوله: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ? وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى? هَ?ؤُلَاءِ) [النحل: 89] .
ولكن هناك آية قد توهم خلاف هذا، وهي قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ? قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ? إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ?109?) [المائدة: 109] .
ففي قولهم: (لَا عِلْمَ لَنَا ? إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [المائدة: 109] .
ما يوهم التعارض بين هذه الآية وما ذكر قبلها من الآيات الدالة على إثبات الشهادة لهم.
وقد أجاب العلماء رحمهم الله عن هذا الاستشكال بأجوبة كثيرة، فقالوا:
أولًا: لم يكن ذلك من الرسل إنكارًا أن يكونوا عالمين بما عملت أممهم، ولكنهم ذهلوا عن الجواب من هول ذلك اليوم، ثم أجابوا بعد أن ثابت إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم، وهذا القول حكاه الطبري عن السدي والحسن ومجاهد 204.
ثانيًا: «قيل: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم، فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم، وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهارًا للتشكي واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم؛ وذلك أعظم على الكفرة، وأفت في أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم، إذا اجتمع توبيخ الله، وتشكي أنبيائه عليهم» 205.
ثالثًا: قيل: معنى قوله: (مَاذَا أُجِبْتُمْ ?) [المائدة: 109] .
ماذا عملوا بعدكم؟ قالوا: (لَا عِلْمَ لَنَا ? إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [المائدة: 109] .
ويشبه هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يرد علي أقوام الحوض فيختلجون، فأقول: أمتي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) 206207.
رابعًا: قيل: معنى الآية: لا علم لنا إلا علمًا أنت أعلم به منا. وهو محكي عن ابن عباس 208.
وقال الطبري معلقًا: «وقول ابن عباس أصوب هذه المناحي؛ لأنه يتخرج على التسليم لله تعالى، ورد الأمر إليه، إذ قوله: (مَاذَا أُجِبْتُمْ) علم عندهم في جوابه إلا بما شوفهوا به مدة حياتهم، وينقصهم ما في قلوب المشافهين من نفاق ونحوه، وما ينقصهم ما كان بعدهم من أمتهم، والله تعالى يعلم جميع ذلك على التفصيل والكمال» 209.
لله تعالى سنن في اصطفاء من يصلح لمقام النبوة نتناولها فيما يلي:
أولًا: أن يكونوا من البشر:
مما اقتضته سنة الله تعالى في أنبيائه المبعوثين إلى خلقه أن يكونوا بشرًا، قال جل جلاله: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى? إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَ?هُكُمْ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ ?) [الكهف: 110] .
وقال تعالى: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى? مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [إبراهيم: 11] .
وقال: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى? إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَ?هُكُمْ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ) [فصلت: 6] .
فكل الظروف التي تحيط بنا تحيط بالرسل، وكل الضغوط يتحملونها، والبيئات يعيشونها، والملابسات يمرون بها، فلذلك حينما ينتصرون على أنفسهم يكون الأنبياء حجة علينا، ولا يقنع الإنسان أن يكون النبي ملكًا، فلا بد من أن يكون من بني البشر، يشتهي كما نشتهي، ويحب كما نحب، ويغضب كما نغضب، ولكنه انتصر على نفسه وسار على منهج الله، ودعا إلى الله. فالأنبياء ما هم إلا خلق من خلق الله، اصطفاهم الله لرسالاته، وأيدهم بوحيه، ورفعهم على خلقه بهذا الاصطفاء، لكنهم بشر يأكلون ويشربون وينكحون، ويصيبهم ما يصيب البشر من الأمراض، ويجري عليهم من أمر الموت ما يجري على البشر جميعًا.
ولما كان الأنبياء بشرًا كسائر البشر نجد أنهم كانت تعتريهم أمور من مقتضيات البشرية التي كتبها الله على بني البشر، ومن هذه الأمور:
••أنهم يجوعون ويأكلون.
فالبشر جميعًا يجوعون ويأكلون فطرةً، وقد أخبر الله تعالى في أكثر من آية أن الأنبياء كانوا كذلك، يجوعون فيأكلون.
قال تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ? كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ? انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى? يُؤْفَكُونَ ?75?) [المائدة: 75] .
وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ? فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ?7?وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ?8?) [الأنبياء: 7 - 8] .
وقال: (وَقَالُوا مَالِ هَ?ذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ? لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ?7?) [الفرقان: 7] .
وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ? وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ? وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ?20?) [الفرقان: 20] .
••يتزوجون.
قال تعالى مبينًا أن الزواج سنة الأنبياء والمرسلين من قبل النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ? وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ? لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ?38? [الرعد: 38] .
يقول الطبري في تفسير الآية: «يقول تعالى ذكره: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) يا محمد (رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ) إلى أمم قد خلت من قبل أمتك، فجعلناهم بشرًا مثلك، لهم أزواج ينكحون، وذرية أنسلوهم، ولم نجعلهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، فنجعل الرسول إلى قومك من الملائكة مثلهم، ولكن أرسلنا إليهم بشرًا مثلهم، كما أرسلنا إلى من قبلهم من سائر الأمم بشرًا مثلهم» 210.
وقال تعالى عن زكريا: (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ?) [الأنبياء: 90] .
وقال عن أيوب: (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى? لِأُولِي الْأَلْبَابِ ?43?) [ص: 43] .
وقال الرجل الصالح لموسى: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى? أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) [القصص: 27] .
وقال الله أيضًا عن موسى: (فَلَمَّا قَضَى? مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ) [القصص: 29] .
وقال عن نبيه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ) [الأحزاب: 50] .
فهذه الآيات جميعًا تبين أن الأنبياء كانوا يتزوجون وينكحون النساء كسائر البشر.
••يقومون بأعمال بشرية.
الأنبياء بشر، كانوا يعملون كسائر البشر، ويزاولون ما كان البشر يزاولونه من أعمال.
فموسى عليه السلام يستأجره الرجل الصالح ليعمل معه فيما عنده من أعمال: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ? إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ?26?قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى? أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ? فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ? وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ? سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ?27?) [القصص: 26 - 27] .
وداود يصنع دروعًا لتحمي المحاربين في ساحات المعارك من وقع الأسلحة عليهم.
قال تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ? فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ?80?) [الأنبياء: 80] .
ونوح يصنع الفلك بنفسه، قال تعالى عنه: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) [هود: 37] .
وبينت السنة أن ما من أحد من الأنبياء إلا ورعى الغنم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم) فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: (نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) 211.
وهكذا كان الأنبياء يقومون بأعمال بشرية كسائر البشر.
••يتعرضون للبلاء.
فإن الأنبياء كسائر الخلق يتعرضون للبلاء، وينالهم الأذى أحيانًا، بل إن أكثر الناس بلاء هم الأنبياء، قال صلى الله عليه وسلم: (إن من أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) 212.
وذكر القرآن الكثير من بلاءات الرسل، فيوسف عليه السلام سجن، قال تعالى عنه: (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) [يوسف: 42] .
ويعقوب عليه السلام ذهب بصره، قال تعالى عنه: (وَتَوَلَّى? عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى? عَلَى? يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ?84? [يوسف: 84] .
وبيع ولده يوسف بعد خطفه.
وإبراهيم عليه السلام ألقي في النار المؤججة.
قال تعالى: (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) [الصافات: 97] .
ويونس عليه السلام التقمه الحوت، فلبث في بطنه ما شاء الله له، قال تعالى عنه: (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ?142? [الصافات: 142] .
وأيوب عليه السلام ابتلي بالمرض.
قال تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى? رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ?83? [الأنبياء: 83] .
ومحمد عليه السلام أخرج من أحب البلاد إليه، قال تعالى عن نبيه محمد: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [التوبة: 40] .
إلى غير هذا مما هو معروف ومشهور في القرآن والسنة.
••يموتون.
قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ? أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى? أَعْقَابِكُمْ ? وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى? عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ? وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ?144?) [آل عمران: 144] .
وقال سبحانه لنبيه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) [الزمر: 30] .
وقال مخاطبًا نبيه أيضًا: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ? أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) [الأنبياء: 34] .
وقد مات كل الأنبياء عليهم صلوات الله وتسليماته غير أن أجسادهم لا تبلى كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم 213.
الحكمة من جعل الرسل من البشر:
ولقد اعترض أعداء الرسل وخصومهم على كون الرسل بشرًا، وكان هذا من أعظم ما صد الناس عن الإيمان واتباع هدى الله.
قال تعالى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى? إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا) [الإسراء: 94] .
بل إنهم جعلوا من بشرية الرسل سببًا لتقبيح السير وراءهم أو اتباع هديهم (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ? [المؤمنون: 34] .
(فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ) [القمر: 24] .
وقد اقترح أعداء الرسل أن يكون الرسل الذين يبعثون إليهم من الملائكة يعاينونهم ويشاهدونهم، أو على الأقل يبعث مع الرسول البشري رسولًا من الملائكة (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى? رَبَّنَا ?) [الفرقان: 21] .
(وَقَالُوا مَالِ هَ?ذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ? لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) [الفرقان: 7] .
لكن حكمة الله شاءت أن يكون أنبياؤه بشرًا، وليسوا ملائكة، وجعل لهذه الحكمة العديد من الفوائد لمن تأمل نصوص الكتاب العزيز، ومن هذه الفوائد ما يلي:
••يسهل اتباعهم والأخذ عنهم.
فمن لطف الله ورحمته بعباده أن جعل الأنبياء المبعوثين إليهم رسلًا؛ لأنه لو جعل الأنبياء ملائكة مثلًا لما تيسر للبشر أن يأخذوا عنهم العلم والإيمان، ولما تمكنوا من فهمهم ومواجهتهم لاختلاف الجنس.
يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ) [الإسراء: 95] : «يقول تعالى منبهًا على لطفه ورحمته بعباده: إنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم؛ ليفقهوا عنه ويفهموا منه، لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر رسولًا من الملائكة لما استطاعوا مواجهته، ولا الأخذ عنه، كما قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [آل عمران: 164] ؛ ولهذا قال ها هنا: (قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ) [الإسراء: 95] .
أي: كما أنتم فيها (لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا) أي: من جنسهم، ولما كنتم أنتم بشرًا، بعثنا فيكم رسلنا منكم لطفًا ورحمة» 214.
«فمن رحمة الله عز وجل بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلًا منهم؛ ليدعو بعضهم بعضًا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) [آل عمران: 164] » 215.
••قدرة البشر على القيادة والتوجيه.
فمن حكم جعل الأنبياء بشرًا وليس ملائكة أن البشر أقدر على القيادة والتوجيه، وهم الأصلح ليكونوا قدوة وأسوة.
يقول سيد قطب رحمه الله في هذا: «وإنها لحكمة تبدو في رسالة واحد من البشر إلى البشر، واحد من البشر يحس بإحساسهم، ويتذوق مواجدهم، ويعاني تجاربهم، ويدرك آلامهم وآمالهم، ويعرف نوازعهم وأشواقهم، ويعلم ضروراتهم وأثقالهم، ومن ثم يعطف على ضعفهم ونقصهم، ويرجو في قوتهم واستعلائهم، ويسير بهم خطوة خطوة، وهو يفهم بواعثهم وتأثراتهم واستجاباتهم؛ لأنه في النهاية واحد منهم، يرتاد بهم الطريق إلى الله بوحي من الله وعون منه على وعثاء الطريق.
وهم من جانبهم يجدون فيه القدرة الممكنة؛ لأنه بشر مثلهم، يتسامى بهم رويدًا رويدًا، ويعيش فيهم بالأخلاق والأعمال والتكاليف التي يبلغهم أن الله قد فرضها عليهم، وأرادها منهم، فيكون بشخصه ترجمة حية للعقيدة التي يحملها إليهم، وتكون حياته وحركاته وأعماله صفحة معروضة لهم، ينقلونها سطرًا سطرًا، ويحققونها معنى معنى، وهم يرونها بينهم، فتهفوا نفوسهم إلى تقليدها؛ لأنها ممثلة في إنسان» 216.
••صعوبة رؤية الملائكة.
لقد مر بنا كيف أن الكفار اقترحوا أن يكون الرسل إليهم ملائكة؛ وذلك لأنهم لا يدركون طبيعة الملائكة، ولا يعلمون مدى المشقة والعناء الذي سيلحق بهم من جراء ذلك.
فالاتصال بالملائكة ورؤيتهم أمر ليس بسهل أبدًا، فالرسول صلى الله عليه وسلم مع كونه أفضل الخلق، وهو على جانب عظيم من القوة الجسمية والنفسية عندما رأى جبريل على صورته أصابه هول عظيم 217، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعاني من اتصال الوحي به شدة 218، ولذلك قال تعالى في الرد عليهم: (ٹ ٹ ٹ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى? يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا [الفرقان: 22] .
«ذلك أن الكفار لا يرون الملائكة إلا حين الموت أو حين نزول العذاب، فلو قدر أنهم رأوا الملائكة لكان ذلك اليوم يوم هلاكهم» 219.
••أقوى في إقامة الحجة.