فهرس الكتاب

الصفحة 1427 من 2431

الصراط

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل الصراط بالسين؛ لأنه من السرط، والصاد لغة، قال الفراء: وهي بالصاد لغة قريش الأولين التي جاء بها الكتاب، قال وعامة العرب تجعلها سينًا 1.

والصراط، بالكسر: الطريق، وجسر ممدود على متن جهنم 2.

قال الراغب: السراط: الطريق المستسهل، أصله من: سرطت الطعام وزردته: ابتلعته، فقيل: سراطٌ، تصورًا أن يبتلعه سالكه، أو يبتلع سالكه 3.

والأصل الذي تفيده كلمة الصراط في اللغة هو البلع، ففي لسان العرب: سرط الطعام سراطًا: بلعه، وانسرط الشيء في حلقه سار فيه سيرًا سهلًا، وسراط وسراطي إذا كان قاطعًا يمر في الضريبة، كأنه يسترط كل شيء يلتهمه، وإنما قيل للطريق الواضح: صراط؛ لأنه كأنه يسترط المارة لكثرة سلوكهم فيه 4.

والمستقيم لغة: المستوي القويم الذي لا اعوجاج فيه ولا التواء، يقال: طريق مستقيم. كما يطلق على العادل الذي لا ميل فيه عن الحق. فيقال: ميزان مستقيم 5.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الصراط من السبيل: ما لا التواء فيه ولا اعوجاج، بل على جهة القصد، فهو أخص من السبيل الأخص من الطريق 6.

وعرفه بعضهم بأنه: الطريق مستقيمًا كان أو غيره، ويطلق على الجسر الممدود على متن جهنم، يعبره أهل الجنة على حسب أعمالهم 7.

والمستقيم اصطلاحًا: المستوي، والمراد به طريق الحق، وهي الملة الحنيفية السمحة المتوسطة بين الإفراط والتفريط 8.

وقال ابن عاشور: المستقيم اسم فاعل، استقام مطاوع قومته فاستقام، والمستقيم الذي لا عوج فيه ولا تعاريج، وأحسن الطرق الذي يكون مستقيما وهو الجادة؛ لأنه باستقامته يكون أقرب إلى المكان المقصود من غيره، فلا يضل فيه سالكه، ولا يتردد ولا يتحير. والمستقيم مستعار للحق البين الذي لا تخلطه شبهة باطل فهو كالطريق الذي لا تتخلله بنيات 9

فتبين أن الصراط المستقيم هو: الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه 10. وهو المعارف الصالحات كلها من اعتقاد وعمل 11.

وفائدة وصف الصراط في الفاتحة بالمستقيم هو: أن الصراط يطلق على ما فيه صعود أو هبوط، والمستقيم ما لا ميل فيه إلى جهة من الجهات الأربع 12.

وردت لفظة (الصراط) في القرآن الكريم (45) مرة 13.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

المصدر ... 45 ... {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) } [آل عمران: 51]

وجاء (الصراط المستقيم) في القرآن الكريم تعبيرًا عن منهج الإسلام المتمثل بعبادة الله تعالى وحده.

قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) } [الأنعام: 161] .

وقال عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) } [آل عمران: 51] . أي: أنا وأنتم عبيد له، فقراء إليه، مشتركون في عبادته وحده لا شريك له، وهذا الذي جئتكم به هو الصراط المستقيم، وهو عبادة الرب، عز وجل، وحده 14.

وتعبدنا الله تعالى بدعائه في كل ركعة من الصلاة أن يهدينا لهذا المنهج القويم، قال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } [الفاتحة: 6 - 7] .

ولم تأت كلمة الصراط بغير هذا المعنى إلا في آيتين، واستعمل (الصراط) فيهما بمعنى: الطريق، قال الله تعالى: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) } [الأعراف: 86] .

وهو خطاب موجه من النبي شعيب إلى قومه، فنهاهم عن رذائل كانوا متلبسين بها فقال: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} أي: ولا تقعدوا بكل طريق من الطرق المسلوكة تهددون من آمن بي بالقتل، وتخيفونه بأنواع الأذى، وتلصقون بي - وأنا نبيكم - التهم التي أنا بريء منها، بأن تقولوا لمن يريد الإيمان برسالتي: إن شعيبا كذاب وإنه يريد أن يفتنكم عن دينكم 15.

وقد روي عن ابن عباس أن بلادهم كانت خصبة، وكان الناس يمتارون منهم، فكانوا يقعدون على الطريق، ويخوفون الناس أن يأتوا شعيبا، ويقولون لهم: إنه كذاب فلا يفتننكم عن دينكم 16.

وقال الله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) } [يس: 66] .

والمعنى: لو نشاء لأعميناهم وتركناهم عميًا يترددون، وكيف يبصرون الطريق حينئذ؟ 17.

الطريق:

الطريق لغة:

الطريق: السبيل، يذكر ويؤنث، تقول: الطريق الأعظم، والطريق العظمى، والجمع أطرقة وطرق. وطرقات: جمع الجمع.

وطريقة الرجل: مذهبه. يقال: ما زال فلان على طريقة واحدة، أي: حالة واحدة 18.

الطريق اصطلاحًا:

لا يختلف معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي.

الصلة بين الصراط والطريق:

الطريق أعم، فمنه السهل ومنه الصعب، ومنه المستقيم ومنه المعوج، وأما الصراط فهو طريق سهل لا اعوجاج فيه 19.

السبيل:

السبيل لغة:

الطريق وما وضح منه يذكر ويؤنث، وسبيل الله: طريق الهدى الذي دعا إليه 20.

السبيل اصطلاحًا:

السبيل: طريق الجادة السائلة عليه الظاهر لكل سالك منهجه، فهو أخص من الطريق، فإنه كل ما يطرق الطارق معتادًا كان أو غيره، وسبيل الله: طريقه التي أمر بسلوكها، واشتقاقه من الجريان من قولك سبل السحاب مطر، والستر أرسله وطوله فسمي الطريق سبيلًا؛ لكثرة الجريان فيه بالمشي 21.

الصلة بين الصراط والسبيل:

الصراط طريق سهل، والسبيل: اسم يقع على ما يقع عليه الطريق، وعلى ما لا يقع عليه الطريق، تقول: سبيل الله، وطريق الله.

والفرق بينهما كالفرق بين الصراط والطريق.

العوج:

العوج في اللغة:

العين والواو والجيم أصل صحيح يدل على ميلٍ في الشيء أو ميلٍ، وفروعه ترجع إليه 22.

والعَوَج، بالتحريك: مصدر قولك: عَوِجَ الشيء بالكسر فهو أعوج. والاسم العِوَج بكسر العين. قال ابن السكيت: وكل ما كان ينتصب كالحائط والعود قيل فيه عَوَجٌ بالفتح، والعِوَج بالكسر ما كان في أرض أو دين أو معاشٍ، يقال: في دينه عِوَج 23.

والعِوَج: الانعطاف فيما كان قائما فمال، كالرمح والحائط.

والعوج في الأرض ألا تستوي. وفي التنزيل: {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) } [طه: 107] .

وعَوَج الطريق وعِوَجُه: زيغه.

وعِوَج الدين والخلق: فساده وميله، على المثل 24.

العوج في الاصطلاح:

وهو بفتح العين مختص بكل شيء مرئي كالأجسام، وبالكسر فيما ليس بمرئي، كالرأي والقول. وقيل: الكسر يقال فيهما معا، والأول أكثر 25.

وقال الكفوي: هو في المحسوسات عدم الاستقامة الحسية، وفي غيرها: عدم كونها على ما ينبغي 26.

الصلة بين العوج والاستقامة:

الاستقامة ضد العوج، فالعلاقة بينهما ضدية.

من أسماء الله الحسنى: الهادي، فهو الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع، وإلى دفع المضار، ويعلمهم ما لا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى، ويجعل قلوبهم منيبة إليه منقادة لأمره 27.

قال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31) } [الفرقان: 31] .

أي: وكفى ربك-أيها الرسول الكريم- هاديا يهدى عباده إلى ما تقتضيه حكمته ومشيئته، وكفى به سبحانه نصيرا لمن يريد أن ينصره على كل من عاداه 28.

وأجل محصول يحصل عليه العبد: أن يهديه الله إلى الصراط المستقيم، وهذه أكبر نعمة ينعم بها الهادي سبحانه على من يشاء من عباده، ولذلك كان وجوبا على العبد أن يسأل ربه الهداية في كل ركعة من صلاته ويردد: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } [الفاتحة: 6] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والعبد مضطر دائما إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم، فهو مضطر إلى مقصود هذا الدعاء؛ فإنه لا نجاة من العذاب، ولا وصول إلى السعادة إلا بهذه الهداية، فمن فاته فهو إما من المغضوب عليهم، وإما من الضالين، وهذا الهدى لا يحصل إلا بهدى الله، وأما سؤال من يقول: فقد هداهم، فلا حاجة بهم إلى السؤال وجواب من أجابه بأن المطلوب دوامها كلام من لم يعرف حقيقة الأسباب، وما أمر الله به؛ فإن الصراط المستقيم أن يفعل العبد في كل وقت ما أمر به في ذلك الوقت من علم وعمل، ولا يفعل ما نهي عنه، وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن يعلم ويعمل ما أمر به في ذلك الوقت، وما نهي عنه، وإلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور، وكراهة جازمة لترك المحظور، فهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يتصور أن تحصل للعبد في وقت واحد، بل كل وقت يحتاج إلى أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما يهتدي به في ذلك الصراط المستقيم» 29.

ومعنى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } [الفاتحة: 6] أي: دلنا وأرشدنا، ووفقنا للصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، فاهدنا إلى الصراط واهدنا في الصراط. فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علمًا وعملًا.

فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته، لضرورته إلى ذلك 30.

قال الرازي: «اعلم أن أهل الهندسة قالوا: الخط المستقيم هو أقصر خط يصل بين نقطتين، فالحاصل أن الخط المستقيم أقصر من جميع الخطوط المعوجة، فكأن العبد يقول: اهدنا الصراط المستقيم لوجوه:

الأول: أنه أقرب الخطوط وأقصرها، وأنا عاجز فلا يليق بضعفي إلا الطريق المستقيم.

الثاني: أن المستقيم واحد وما عداه معوجة وبعضها يشبه بعضا في الاعوجاج فيشتبه الطريق علي، أما المستقيم فلا يشابهه غيره فكان أبعد عن الخوف والآفات وأقرب إلى الأمان.

الثالث: الطريق المستقيم يوصل إلى المقصود، والمعوج لا يوصل إليه.

والرابع: المستقيم لا يتغير، والمعوج يتغير، فلهذه الأسباب سأل الصراط المستقيم، والله أعلم» 31.

وقد أرشدنا الله إلى طلب الهداية منه، ليكون عونا لنا ينصرنا على أهوائنا وشهواتنا بعد أن نبذل ما نستطيع من الجهد في معرفة أحكام الشريعة، ونكلف أنفسنا الجري على سننها، لنحصل على خيري الدنيا والآخرة 32.

والهداية هنا هي البيان والدلالة، ثم التوفيق والإلهام، وهو بعد البيان والدلالة، ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل. فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب عليه هداية التوفيق.

وللهداية مرتبة أخرى -وهي آخر مراتبها- وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة. وهو الصراط الموصل إليها. فمن هدى في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، هدي هناك إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى جنته ودار ثوابه. وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم. وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط. فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من يسعى سعيا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يحبو حبوا، ومنهم المخدوش المسلم، ومنهم المكردس في الناس.

فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا، حذو القذة بالقذة جزاء وفاقا {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} 33.

وقال تعالى: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) } [هود: 56] .

أي: إن ربي على طريق الحق، يجازي المحسن من خلقه بإحسانه، والمسيء بإساءته، لا يظلم أحدًا منهم شيئًا، ولا يقبل منهم إلا الإسلام والإيمان به 34.

ولقد هدى الله تعالى رسله عليهم الصلاة والسلام وثبتهم على الصراط المستقيم، فعلى هذا الصراط المستقيم أقام الله نبيه الكريم من أول خطوه في الحياة 35، قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) } [الأنعام: 161] .

فأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقول ويعلن بما هو عليه من الهداية إلى الصراط المستقيم: الدين المعتدل المتضمن للعقائد النافعة، والأعمال الصالحة، والأمر بكل حسن، والنهي عن كل قبيح، الذي عليه الأنبياء والمرسلون، خصوصا إمام الحنفاء، ووالد من بعث من بعد موته من الأنبياء، خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو الدين الحنيف المائل عن كل دين غير مستقيم، من أديان أهل الانحراف، كاليهود والنصارى والمشركين 36.

وفي قوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي} دليل على أن الهداية لا تحصل إلا بالله تعالى 37.

وقال تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) } [الفتح: 1 - 2] .

والمعنى: يثبتك على الصراط المستقيم، ويزيدك هداية على هداية، ويهدى بك الخلق إلى الحق 38.

والاستقامة على الصراط المستقيم وإن كانت حاصلة قبل الفتح، لكن حصل بعد ذلك من اتضاح سبيل الحق، واستقامة مناهجه، ما لم يكن حاصلًا قبل 39.

وقال ابن عاشور: «ومعنى ويهديك صراطا مستقيما: يزيدك هديا لم يسبق وذلك بالتوسيع في بيان الشريعة والتعريف بما لم يسبق تعريفه به منها، فالهداية إلى الصراط المستقيم ثابتة للنبي صلى الله عليه وسلم من وقت بعثته، ولكنها تزداد بزيادة بيان الشريعة، وبسعة بلاد الإسلام، وكثرة المسلمين مما يدعو إلى سلوك طرائق كثيرة في إرشادهم وسياستهم وحماية أوطانهم، ودفع أعدائهم، فهذه الهداية متجمعة من الثبات على ما سبق هديه إليه، ومن الهداية إلى ما لم يسبق إليه وكل ذلك من الهداية» 40.

وقد امتن الله سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم بالفتح المبين والفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته 41.

وقال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) } [الأنعام: 83 - 88] .

ومعنى: {وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي: وسددناهم فأرشدناهم إلى طريق غير معوج، وذلك دين الله الذي لا عوج فيه، وهو الإسلام الذي ارتضاه الله ربنا لأنبيائه، وأمر به عباده 42.

وقوله: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي: ذلك الهدى إلى صراط مستقيم الذي اهتدى إليه أولئك الأخيار هو هدى الله الذي يهدى به من يشاء هدايته من عباده وهم المستعدون لذلك.

وفي قوله: {مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} من الإبهام ما يبعث النفوس على طلب هدى الله تعالى والتعرض لنفحاته 43.

وأخبر سبحانه وتعالى عن هدايته لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، فقال: {وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) } [الصافات: 118] .

أي: دللناهما على طريق الحق عقلا وسمعا، وأمددناهما بالتوفيق والعصمة، وتشبيه الدلائل الحقة بالطريق المستقيم واضح 44.

وقال الشوكاني: {وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أي: القيم لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام فإنه الطريق الموصلة إلى المطلوب 45.

وإذا أراد الله بعبده خيرا أمده بنور التحقيق، وأيده بحسن العصمة، فيميز بحسن البصيرة بين الحق والباطل فلا يظله غمام الريب، وينجلى عنه غطاء الغفلة، فلا تأثير لضباب الغداة في شعاع الشمس عند متوع النهار، وهذا معنى قوله: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) } [الحج: 54] 46.

فيهديهم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات 47.

وهدى الله تعالى عباده المؤمنين إلى الصراط المستقيم، فقال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) } [المائدة: 15 - 16] .

فقوله: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ} أي: بالكتاب المبين من اتبع رضوانه من كان مطلوبه من طلب الدين اتباع الدين الذي يرتضيه الله تعالى، فأما من كان مطلوبه من دينه تقرير ما ألفه ونشأ عليه وأخذه من أسلافه مع ترك النظر والاستدلال، فمن كان كذلك فهو غير متبع رضوان الله تعالى.

ثم قال تعالى: {سُبُلَ السَّلَامِ} أي: طرق السلامة، ثم قال: {وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} أي: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وذلك أن الكفر يتحير فيه صاحبه كما يتحير في الظلام، ويهتدي بالإيمان إلى طرق الجنة كما يهتدي بالنور، وقوله: {بِإِذْنِهِ} أي: بتوفيقه، والباء تتعلق بالاتباع أي: اتبع رضوانه بإذنه، ولا يجوز أن تتعلق بالهداية ولا بالإخراج؛ لأنه لا معنى له، فدل ذلك على أنه لا يتبع رضوان الله إلا من أراد الله منه ذلك.

وقوله تعالى: {وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وهو الدين الحق، لأن الحق واحد لذاته، ومتفق من جميع جهاته، وأما الباطل ففيه كثرة، وكلها معوجة 48.

وهذه الهداية عين الهداية إلى سبل السلام، وإنما عطفت عليها؛ تنزيلا للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي 49.

والله تعالى يهدي من يشاء إلى الطريق الذي لا عوج فيه، قال تعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) } [النور: 46] .

أي: لقد أنزلنا أيها الناس علامات واضحات دالات على طريق الحق وسبيل الرشاد {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يقول: والله يرشد من يشاء من خلقه بتوفيقه، فيهديه إلى دين الإسلام، وهو الصراط المستقيم والطريق القاصد الذي لا اعوجاج فيه 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت