فدل الحديثان على أن الجن يأكلون الطعام، وأن طعامهم العظم والروث ونحوه مما ذكر في الحديث.
3.ما رواه أبو داود عن أمية بن مخشيٍ -وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا ورجلٌ يأكل فلم يسم حتى لم يبق من طعامه إلا لقمةٌ فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «ما زال الشيطان يأكل معه فلما ذكر اسم الله عز وجل استقاء ما في بطنه» ) 128.
والحديث دليل على أن أكل الجن إنما هو مضغ وبلع مثل الإنس.
الفريق الثاني: يرى أن أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لا مضغ وبلع 129.
القول الثاني: أن صنفًا منهم يأكلون ويشربون، وصنفًا لا يأكلون ولا يشربون 130.
ويشهد لهذا القول أثر مروي عن وهب، فقد أخرج الطبري عن عبد الصمد بن معقل.
قال: سمعت وهب بن منبه، وسئل عن الجن ما هم، وهل يأكلون أو يشربون، أو يموتون، أو يتناكحون؟ قال: هم أجناس، فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون ويموتون، وهي هذه التي منها السعالي والغول وأشباه ذلك 131.
القول الثالث: أن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون، وهذا قول محكي عن بعض الأطباء والفلاسفة، وقد وصفه بعض العلماء بأنه قول ساقط 132.
لم يرد في القرآن الكريم ذكر أكل الحيوانات كثيرًا، إلا في مواضع قليلة على الرغم من ورود ذكر حيوانات متعددة في القرآن الكريم، وبيان ذلك على النحو التالي:
أولًا: الوحي إلى النحل بالأكل من كل الثمرات.
من نعم الله تعالى وإعجازه في خلق النحل أنه أوحى إليه باتخاذ مساكنه من الجبال والشجر ومما صنعه الناس من عرائش، وأباح له جل شأنه أن يأكل من كل الثمرات التي خلقها الله عز وجل، لينتج شراب العسل الذي هو غذاء ودواء، فقال جل شأنه: (وَأَوْحَى? رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ?68?ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ? يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: 68 - 69] .
ولفظة (من) في الآية حملها بعض المفسرين على التبعيض، وحملها بعض آخر على ابتداء الغاية 133.
ولفظة (كل) في الآية يرى أكثر المفسرين على أنها ليست للعموم، وقيل: المقصود إباحة الأكل لها من أي ثمرة تشتهيها 134.
قال الرازي: «لفظة (من) ههنا للتبعيض أو لابتداء الغاية ... ألهم الله تعالى هذا النحل حتى أنها تلتقط تلك الذرات من الأزهار وأوراق الأشجار بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها، فإذا شبعت التقطت بأفواهها مرة أخرى شيئًا من تلك الأجزاء وذهبت بها إلى بيوتها ووضعتها هناك؛ لأنها تحاول أن تدخر لنفسها غذاءها، فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلية شيء كثير فذاك هو العسل، ومن الناس من يقول: إن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق المعطرة