فهرس الكتاب

الصفحة 1138 من 2431

وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا} [سبأ: 10] 62.

وذكر الغزالي أن الملك والسلطان يأتي في المرتبة الثالثة بعد أن ذكر أن الأنبياء هم أعلى رتبة ويليهم العلماء حيث قال: «ثم يليهم السلاطين بالعدل؛ لأنهم أصلحوا دنيا الخلق كما أصلح العلماء دينهم، ولأجل اجتماع الدين والملك والسلطنة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان أفضل من سائر الأنبياء، فإنه أكمل الله به صلاح دينهم ودنياهم، ولم يكن السيف والملك لغيره من الأنبياء» 63.

رفعة القرآن من جهة أنه قرآن مكتوب معتنىً به:

ذكر الله تعالى أن القرآن مكرم عنده مرفوع في اللوح المحفوظ، مطهر، وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) } [الزخرف: 4] .

ونحو الآية قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) } [الواقعة: 77 - 80] .

وقال جل ذكره: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22) } [البروج: 21 - 22] .

وقال جل في علاه: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) } [عبس: 11 - 14] .

يخبر سبحانه وتعالى عن منزلة القرآن وعلوه ورفعته وشرفه، وإنه عليٌّ في ذاته، وأنه مودع في أم الكتاب عند الله، مكتوب في اللوح المحفوظ في السماء السابعة، ومكتوب أيضًا في صحف عند الملائكة، وحسبه بهذا علوًّا وشرفًا، وكونه عاليًا على جميع الكتب بسبب كونه معجزًا باقيًا على وجه الدهر 64.

والقرآن الكريم رفيع من حيث كونه كلام رفيع الدرجات جل جلاله، وهل هناك أمجد وأرفع وأعرق من قول الله العظيم؟ وهو في لوح محفوظ، وهو رفيع في الأخلاق الرفيعة التي يدعوا إليها، ورفيع في القضاء العادل الذي يأمر به 65.

رفعة القرآن لمن يعمل به:

يخبر الله تعالى أن اتباع آياته والعمل بما جاء فيها سببًا للهداية والتزكية والرفعة، قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف: 176] .

أي: أن من شأن من أوتي آيات الله تعالى أن ترتقي نفسه، وترتفع في مراقي الكمال درجته، لما فيها من الهداية والإرشاد والذكرى، وإنما يكون ذلك لمن أخذ هذه الآيات وتلقاها بالقبول، وعمل بما جاء فيها، وأخلص في عمله.

والرفع يشمل معاني كثيرة، منها الرفع في المنزلة عنده، والرفع في شرف الدنيا ومكارمها، والرفع في الذكر الجميل والثناء الرفيع، والرفعة مستعارة لكمال النفس وذكائها، لأن الصفات الحميدة تخيل صاحبها مرتفعًا على من دونه، أي لو شئنا لاكتسب بعمله بالآيات فضلًا وذكاءً وتميزًا بالفضل، فمعنى لرفعناه ليسرنا له العمل الذي يشرف به 66.

{وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} ، أي: سكن إلى الحياة الدنيا في الأرض، ومال إليها، وآثر لذتها وشهواتها على الآخرة، فحططناه ووضعنا منزلته، وجاء الاستدراك هنا تنبيهًا على السبب الذي لأجله لم يرفع ولم يشرف كما فعل بغيره ممن أوتي الهدى فآثره واتبعه، والكلام تمثيل لحال المتلبس بالنقائص والكفر بعد الإيمان والتقوى، بحال من كان مرتفعًا عن الأرض فنزل من اعتلاء إلى أسفل، فبذكر الأرض علم أن الإخلاد هنا ركون إلى السفل، أي: تلبس بالنقائص والمفاسد 67، {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} ، ورفض طاعة الله وخالف أمره، واتباع الهوى ترجيح ما يحسن لدى النفس من النقائص المحبوبة، على ما يدعو إليه الحق والرشد، فالاتباع مستعار للاختيار والميل، والهوى شاع في المحبة المذمومة الخاسرة عاقبتها، وموافقة الهوى تنزل صاحبها من سماء العزّ إلى تراب الذّل، وتلقيه في وهدة الهوان، ومن لم يصدّق علمًا فعن قريب يقاسيه وجودًا، والأرض في هذه الآية عبارة عن الدنيا، وذلك أن الدنيا هي الأرض، لأن ما فيها من العقار والرياع والضياع كلها أرض وسائر متاعها يستخرج منها 68.

ثم ضرب الله له مثلًا فقال: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف: 176] .

ولو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ، فمثله كمثل الكلب، فصفته التي هي مثل في الخسة والضعة كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها، وهي حال دوام اللهث به واتصاله، سواء حمل عليه أو ترك غير متعرض له بالحمل عليه، ومحل الجملة الشرطية النصب على الحال، كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلًا دائم الذلة لاهثًا في الحالتين، وقيل: لما دعا بلعم على موسى عليه السلام خرج لسانه فوقع على صدره، وجعل يلهث كما يلهث الكلب، ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من اليهود بعد ما قرءوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة 69.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) } [البقرة: 2] : «من فوائد الآية: بيان علوّ القرآن؛ لقوله تعالى: {ذَلِكَ} ، فالإشارة بالبعد تفيد علوّ مرتبته؛ وإذا كان القرآن عالي المكانة والمنزلة، فلا بد أن يعود ذلك على المتمسك به بالعلوّ والرفعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33] ، وكذلك ما وصف به القرآن من الكرم، والمدح، والعظمة فهو وصف أيضًا لمن تمسك به» 70.

وخلاصة ذلك: إن من شأن من يؤتى الآيات أن تسمو نفسه وتصعد في سلم الكمال؛ لما فيها من الهداية إلى سبيل الخير الحاضة على عمل النافع وما فيه فائدة روحية له، على شريطة أن يتلقاها بعزيمة ونية صادقة كما جاء في الحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) 71، أما من تلقاها بغير قصد أو بنية كسب المال والجاه وفى نفسه ما يصرفه عنها فلن يستفيد منها شيئًا وسرعان ما ينسلخ منها 72.

وقد ورد في هذا المعنى من حديث عامر بن واثلة، أن نافع بن عبد الحارث، لقي عمر بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي، فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين) 73.

وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) 74.

وعند النظر في عدد آيات القرآن نجد أن الرفعة عظيمة جدًّا، فإن عدد آيات القرآن ست وثلاثون ومائتان وستة آلاف، على اختلاف في ذلك، فسبحان من أعطى هذه الدرجات 75.

ذكر الله تعالى أن أول من بنى المسجد الحرم ورفع أساسه هو إبراهيم الخليل عليه السلام، وولده إسماعيل عليه السلام.

قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) } [البقرة: 127] 76.

وقيل: إن إبراهيم عليه السلام كان يبني وإسماعيل يرفع إليه الأحجار ويناوله، والرفع يقال في الأجسام، وفي الشرف، وعبر عنه بالمضارع وخولف الأسلوب الذي يقتضيه الظاهر في حكاية الماضي أن يكون بالفعل الماضي بأن يقول وإذ رفع إلى كونه بالمضارع (يرفع) لاستحضار الحالة وحكايتها كأنها مشاهدة؛ لأن المضارع دال على زمن الحال فاستعماله هنا استعارة تبعية، شبه الماضي بالحال لشهرته ولتكرر الحديث عنه بينهم، فإنهم لحبهم إبراهيم عليه السلام وإجلالهم إياه لا يزالون يذكرون مناقبه، وأعظمها بناء الكعبة، فشبه الماضي لذلك بالحال، ولأن ما مضى من الآيات في ذكر إبراهيم، من قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} [البقرة: 124] إلى قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ} [البقرة: 127] ، مما يوجب امتلاء أذهان السامعين بإبراهيم وشؤونه حتى كأنه حاضر بينهم، وكأن أحواله حاضرة مشاهدة، وكلمة (إذ) قرينة على هذا التنزيل؛ لأن غالب الاستعمال أن يكون للزمن الماضي، وهذا معنى قول النحاة أن إذ تخلص المضارع إلى الماضي 77.

وذكر القرآن الكريم الحالة التي كان عليها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس، واستمرارهما على هذا العمل العظيم، وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء، حتى إنهما مع هذا العمل دعوا الله أن يتقبل منهما عملهما، حتى يحصل فيه النفع العميم، ودعوا لأنفسهما، وذريتهما بالإسلام الذي حقيقته خضوع القلب، وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح 78.

وقيل: ليس المراد برفعهما قواعد البناء فقط، بل رفع مكانة البيت وإظهار شرفه ودعاء الناس إلى حجّه، ودعاء الله بحفظه، وصح نسبة ذلك إليهما وإن كان الله تعالى في الحقيقة شرفه من حيث أنهما من الأسباب المتأخرة لتشريفه 79.

والأكثرون من أهل الأخبار على أن هذا البيت كان موجودًا قبل إبراهيم عليه السلام، واحتجوا بقوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ} [البقرة: 127] .

فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه السلام رفعها وعمرها 80.

ومن خلال ما سبق يتبين أن أول من دله الله تعالى على مكان البيت إبراهيم عليه السلام، وهو أول من بناه مع ولده إسماعيل، وأول من حجه، ويجب على العبد أن يخلص بعمله ويقصد به وجه الله تعالى، وأن يكون أشد حرصًا على طلب القبول من الله تعالى لهذا العمل، ويلح بالدعاء كما فعل إبراهيم الخليل وولده إسماعيل عليهما السلام.

ذكر القرآن الكريم التفاوت في الدرجات بين الناس في الدنيا في آيات عدة منها:

قوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) } [الزخرف: 32] .

وقوله سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الأنعام: 165] .

وقوله جل جلاله: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) } [الإسراء: 21] .

ذكرت الآيات أن الله تعالى هو الذي يقسم فضله بين أهل الفضل، على حسب علمه بمواقع الاختيار، ومن يصلح له ممن لا يصلح، وهو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات، وقسم بينهم معايشهم ودرجات التفضيل، فهو القاسم ذلك وحده لا غيره، وهو الذي جعل لكل واحد من عباده درجة معينة في الأرزاق والأخلاق، والمحاسن والمساوي، والمناظر والأشكال والألوان، وجعل لكل واحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة، ومنهم من يعيش بالحلال، ومنهم من يعيش بالحرام، وجعل الله تعالى هذا التفاوت بين العباد لحكمة؛ لأنه لو سوى بينهم في كل هذه الأحوال لم يخدم أحد أحدًا، ولم يصر أحد منهم مسخرًّا لغيره، وحينئذ يفضي ذلك إلى خراب العالم وفساد نظام الدنيا، وهذا التفاوت ليس لأجل العجز والجهل والبخل فإنه تعالى متعال عن هذه الصفات، وإنما هو لأجل الابتلاء والامتحان، وهو المراد من قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام: 165] .

وقوله تعالى: {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32] .

أي: أن الله تعالى إذا خص بعض عبيده بنوع فضله ورحمته في الدين، فهذه الرحمة خير من الأموال التي يجمعها؛ لأن الدنيا على شرف الانقضاء والانقراض، وفضل الله ورحمته تبقى أبد الآباد 81.

وفي هذا التفاوت الذي بين الناس، وفي درجات التفاضل المقسومة بينهم، يتحرك الناس، فيلحق المتأخر بالمتقدم، ويسعى المتقدم ليلحق بمن تقدم عليه وفضله، أو ينزل عن مكانه الذي هو فيه ليأخذه غيره، وهكذا يتحرك الناس في الحياة صعودًا وهبوطًا، ويتبادلون المواقف، ويتنازعون منازل الفضل، وبهذا تظل ريح الحياة في حركة دائمة مجدّدة، يتنفس فيها الناس أنفاس الأمل، والقوة، والحياة 82.

وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ} [الأنعام: 165] ، فيه عبرة وعظة، لعدم الاغترار بالقوة والرفعة، ولجعل ذلك وسيلة لشكر تلك النعمة، والسعي في زيادة الفضل لمن قصر عنها، والرفق بالضعيف وإنصاف المظلوم، ولذلك عقبه بقوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام: 165] .

أي: ليخبركم فيما أنعم به عليكم من درجات النعم حتى يظهر للناس كيف يضع أهل النعمة أنفسهم في مواضعها اللائقة بها وهي المعبر عنها بالدرجات، والدرجات مستعارة لتفاوت النعم، وهي استعارة مبنية على تشبيه المعقول بالمحسوس لتقريبه، والإيتاء مستعار لتكوين الرفعة في أربابها تشبيهًا للتكوين بإعطاء المعطي شيئًا لغيره.

والبلو: الاختبار، والمراد به ظهور موازين العقول في الانتفاع، والنفع بمواهب الله فيها وما يسره لها من الملائمات والمساعدات، فالله يعلم مراتب الناس، ولكن سمى ذلك بلوى؛ لأنها لا تظهر للعيان إلا بعد العمل، أي ليعلمه الله علم الواقعات بعد أن كان يعلمه علم المقدرات، فهذا موقع لام التعليل 83.

ثانيًا: الرفعة في الآخرة.

لا منزلة ولا درجة أرفع من الجنة، وقد ذكر القرآن الكريم أن التفاضل في درجات الآخرة أكبر من التفاضل في درجات الدنيا، فالدرجات أكبر، والتفاضل أعظم؛ لأن الآخرة ثواب وأعواض وتفضل وكلها متفاوتة، فأهل النار في دركات سفلى متفاوتة، وأهل الجنة في درجات عليا متفاضلة، وأن المجاهدين والمهاجرين أعظم درجة عند الله.

قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) } [الإسراء: 21] .

وقال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) } [التوبة: 20] .

وقال جل وعلا: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) } [آل عمران: 163] .

ومنها قوله في ربط درجات العمل بدرجات الجزاء: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96) } [النساء: 95 - 96] .

وقوله عز وجل: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) } [الأنعام: 132] .

وقوله سبحانه: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) } [طه: 75] 84.

فهذه الآيات تبين أن درجات الآخرة أعظم من درجات الدنيا ومن تفضيلها، فإنّ نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، فإن كان الإنسان تشتدّ رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب الآخرة أحرى؛ لأنها دار المقامة، فلا نسبة لنعيم الدنيا ولذاتها إلى الآخرة بوجه من الوجوه، فكم بين من هو في الغرف العاليات واللذات المتنوعات والسرور والخيرات والأفراح ممن هو يتقلب في الجحيم ويعذب بالعذاب الأليم، وقد حل عليه سخط الرب الرحيم، وكل من الدارين بين أهلها من التفاوت ما لا يمكن أحدًا عده، والجنات نفسها متنوعة، فهناك جنات الفردوس، وجنات عدن، وجنات نعيم، وهناك دار الخلد، ودار السلام، وجنة المأوى، وهناك عليون الذي هو أعلى وأفضل الجنات، وأعلى ما فيها التمتع برؤية الحق تبارك وتعالى، وهو نعيم يعلو كثيرًا عن أي نعيم في الطعام والشراب في الدنيا، ودرجات الجزاء في الآخرة على حسب الأعمال والنوايا، وحسب درجات الارتقاء بالعلم والعمل في الدنيا، وأن هذه الدرجات لا يعلمها إلا من أحاط بكل شيء علمًا 85.

وفي الآيات تعظيم شأن يوم القيامة، والترغيب والترهيب، ليخاف الناس في الدنيا من أسباب الخفض في الآخرة فيطيعوا الله ويرغبوا في أسباب الرفع فيطيعوه أيضًا، وأن عطاء الدنيا غير منوط بصلاح الأعمال ألا ترى إلى ما فيه من تفاضل بين أهل العمل المتحد، وقد يفضل المسلم فيه الكافر، ويفضل الكافر المسلم، ويفضل بعض المسلمين بعضًا، وبعض الكفرة بعضًا، وكفاك بذلك هاديًا إلى أن مناط عطاء الدنيا أسباب ليست من وادي العمل الصالح ولا مما يساق إلى النفوس الخيرة 86.

قال الضحاك في تفسير قوله تعالى: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الأنفال: 4] : أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد، ولهذا جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم، كما ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء) قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا ينالها غيرهم، فقال: (بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين) 87.

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الدرجات العلى، كما تراءون الكوكب الغابر في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما) 88.

لقد خص الله تعالى بالرفعة في الحياة الدنيا والآخرة من يشاء من عباده، وجعل أرفع درجة في الحياة الدنيا النبوة، واصطفى من عباده من يشاء لهذه الدرجة الرفيعة، وخصهم بالأخلاق الرفيعة التي تؤهلهم لحمل هذه الرسالة التي سوف يحملونها للعالم، وجعل الله تعالى للرفعة أسباب أخرى، ترفع صاحبها في الدنيا ولآخرة، ومن هذه الأسباب، الإيمان والعلم والجهاد في سبيل الله تعالى واتباع الحق والعمل به، وسوف أذكر هذه الأسباب في النقاط الآتية:

1.النبوة والرسالة.

ذكر الله تعالى أن النبوة والرسالة هي أرفع الدرجات التي يصطفي إليها من يشاء من عباده، ويخصهم بهذه المرتبة العالية، وليس لأحد سبب اختيار هذه الدرجة، أو اعتراض عليها، ولكنه سبحانه وحده الذي له اختيار ذلك، قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] .

أي: هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) } [الزخرف: 31] .

يعنون: لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير مبجل في أعينهم {مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ} ، أي: مكة والطائف، وذلك لأنهم -قبحهم الله- كانوا يزدرون بالرسول، صلوات الله وسلامه عليه، بغيًا وحسدًا، وعنادًا واستكبارًا، كما قال تعالى مخبرًا عنهم: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) } [الأنبياء: 36] .

وقال سبحانه: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) } [الفرقان: 41] .

وقال جل وعلا: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) } [الأنعام: 10] 89.

2.الإيمان.

قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت