فهرس الكتاب

الصفحة 1041 من 2431

قال العلامة أبو زهرة في زهرة التفاسير: «الاستئناس أدق في التعريف وأدل على الاستعلام؛ لأن الاستئذان الإذن المجرد، وتتحقق الإجابة بالإذن، أما الاستئناس فطلب الأنس وإزالة الوحشة وذلك لا يتحقق بمجرد الإذن بل لابد لتحققه من إيجاد الألفة، وهو يتضمن في تحقيق طلب الإذن والاستجابة بالإذن فعلًا» 117.

{ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} ، أي: «استئناسكم وتسليمكم على أهل البيت الذي تريدون دخوله خير لكم؛ لأنكم لا تدرون أنكم إذا دخلتموه بغير إذن على ماذا تهجمون؟ على ما يسوءكم أو يسرّكم؟ وأنتم إذا دخلتم بإذن لم تدخلوا على ما تكرهون، وأدّيتم بذلك أيضًا حقّ الله عليكم في الاستئذان والسلام، {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ، أي: لتتذكروا بفعلكم ذلك أوامر الله عليكم واللازم لكم من طاعته، فتطيعوه» 118.

قابل القرآن الكريم بين المتضادات في كثير من آياته، ونصّ على أن بعضًا منها خير من الآخر؛ لتثبيت الناس على الخير منها، وإبعادهم عن الشر منها، والحديث عن ذلك يشتمل على الآتي:

أولًا: المقابلة بين الإله الحق والآلهة الباطلة:

أقام القرآن الكريم الحجج القاطعة الدالة على وحدانية الله تعالى وأحقيته سبحانه بالألوهية والطاعة والعبادة، ومن بين هذه الحجج مقابلته بين الإله الحق سبحانه وتعالى وبين الآلهة الباطلة.

قال تعالى في قصة يوسف عليه السلام وهو يدعو إلى الله في السجن: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39] .

قال الطبري: «ذكر أن يوسف -صلوات الله عليه- قال هذا القول للفتيين اللذين دخلا معه السجن؛ لأن أحدهما كان مشركًا، فدعاه بهذا القول إلى الإسلام وترك عبادة الآلهة والأوثان، فقال: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} ، يقول: أعبادة أربابٍ شتى متفرقين وآلهة لا تنفع ولا تضر، خيرٌ، أم عبادة المعبود الواحد الذي لا ثاني له في قدرته وسلطانه الذي قهر كل شي فذلّله وسخّره؛ فأطاعه طوعًا وكرهًا» 119.

وقال الشيخ أبو زهرة: «هذا استفهام إنكاري توبيخي توجيهي، فليس بمعقول أن تكون أرباب متفرقة ليس لها فضل المنشئ المنعم ليس لواحد منها ذلك، ولا لها مجتمعة قدرة، لا تنفع ولا تضر، وتكون عبادتها مع ضعفها وعدم قدرتها، خيرًا من عبادة الواحد الأحد الخالق للكون وحده والقهار الغالب عليه، والذي لا يكون في الكون شيء إلا بأمره» 120.

وقال تعالى: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] .

قال ابن كثير: «استفهام إنكارٍ على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى، ثم شرع تعالى يبين أنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره» 121.

فذكر تعالى خلق السموات والأرض وما فيهما من بدائع صنعه وعظيم قدرته، وإنزاله المطر وما ينبت به من النباتات والحدائق التي لم تستطع آلهتهم أن تنبت أشجارها ولا تخرج ثمارها، وخلق الجبال والبحار والأنهار، وجعل الحاجز بين المالح منها والعذب، وكونه تعالى يجيب دعاء المضطر ويكشف السوء، ويهدي الخلق، ويبدأ الخلق ثم يعيده.

كما أنه تعالى قد اتصف بجميع صفات الكمال المطلق الذي يليق بذاته المقدسة، فاتصف بالقدرة المطلقة، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، واتصف بالإرادة {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج: 16] ، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] .

واتصف بالعلم المطلق {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل: 6] .

وقال: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 29] .

وقال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [الحجر: 86] .

وإليه تعالى وحده المرجع والمآب قال تعالى: {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [هود: 4] .

وغير ذلك من صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى، بخلاف هذه الآلهة الأخرى التي يعبدها الجاهلون من دون الله، فإنها لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، بل هي من مخلوقات الخالق سبحانه، فصفاتها دائمًا النقص المطلق، والضعف التام.

ثانيًا: المقابلة بين الدنيا والآخرة:

قابل القرآن بين الدنيا الفانية والآخرة الباقية؛ للترغيب في العمل للآخرة، وعدم الانهماك في الدنيا بما ينسي الآخرة؛ لأن متاعها قليل، كما قال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 77] .

قال الطبري: «يعني بقوله جل ثناؤه: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} ، قل يا محمد لهؤلاء القوم الذين قالوا: {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} عيشكم في الدنيا وتمتعكم بها قليل؛ لأنها فانية وما فيها فانٍ، {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ} ، يعني: ونعيم الآخرة خير؛ لأنها باقية ونعيمها باق دائم، {لِمَنِ اتَّقَى} ، يعني: لمن اتقى الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فأطاعه في كل ذلك، {وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} ، يعني: ولا ينقصكم الله من أجور أعمالكم فتيلًا» 122.

وقد صرح القرآن بأن كثيرًا من الناس يؤثرون الدنيا الفانية على الآخرة الباقية.

قال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 16 - 17] .

قال ابن عطية: «أخبر تعالى الناس أنهم يؤثرون الحياة الدّنيا، فالكافر يؤثرها إيثار كفر يرى أن لا آخرة، والمؤمن يؤثرها إيثار معصية وغلبة نفس إلا من عصم الله، وسبب الإيثار حب العاجل، والجهل ببقاء الآخرة» 123.

وقال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} [الضحى: 4] .

قال الطبري: «يقول -تعالى ذكره: وللدار الآخرة وما أعد الله لك فيها خير لك من الدار الدنيا وما فيها، فلا تحزن على ما فاتك منها؛ فإن الذي لك عند الله خير لك منها» 124.

أي: خير لك من الدنيا وما فيها؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يستكثر منها، وكان يقول: (مالي وللدنيا؟! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) 125.

ثالثًا: المقابلة بين نعيم الآخرة وعذابها:

قابل القرآن بين نعيم الآخرة وعذابها، وما على العاقل إلا أن يختار النعيم المقيم.

قال تعالى: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ} [الصافات: 62] .

ومعنى الآية كما قال الطبري: «يقول -تعالى ذكره-: أهذا الذي أعطيت هؤلاء المؤمنين الذين وصفت صفتهم من كرامتي في الجنة ورزقتهم فيها من النعيم خير، أو ما أعددت لأهل النار من الزّقّوم؟!

والزّقّوم: ثمرة شجرةٍ خبيثةٍ مرّةٍ كريهة الطّعم، يكره أهل النّار على تناولها، فهم يتزقّمونه على أشدّ كراهيةٍ، ومنه قولهم: تزقّم الطّعام، إذا تناوله على كرهٍ ومشقّةٍ» 126.

وقال ابن عاشور: «والاستفهام مكنى به عن التنبيه على فضل حال المؤمن وفوزه وخسار الكافر، وهو خطاب لكل سامع، والإشارة بـ {أَذَلِكَ} إلى ما تقدم من حال المؤمنين في النعيم والخلود، وجيء باسم الإشارة مفردًا بتأويل المذكور، بعلامة بعد المشار إليه لتعظيمه بالبعد، أي: بعد المرتبة وسموّها؛ لأن الشيء النفيس الشريف يتخيل عاليًا، والعالي يلازمه البعد عن المكان المعتاد، وهو السفل» 127.

كما قابل القرآن أيضًا بين الآمنين من العذاب وبين المعذبين يوم القيامة، وذلك في قوله تعالى: {أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40] .

«والاستفهام في الآية الكريمة بمعنى التقرير، والغرض التنبيه على أن الذين يلحدون في آيات الله يلقون في النار، والذين يؤمنون بآيات الله يأتون آمنين يوم القيامة، والمعنى: هل يستوي من يلقى في النار قسرًا وقهرًا؛ لإلحاده بالآيات وتكذيبه للرسول، ومن يكون آمنًا يوم القيامة من العذاب؟ والمراد: أن الملحدين في الآيات يلقون في النار، وأن المؤمنين بها يأتون يوم القيامة آمنين، فاحكموا -أيها العقلاء- أيّ الحالين أفضل؟ {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ، أي: اعملوا أي شيء تريدون فعله من خير أو شر؛ فإنّ الله عالم بكم، وبصير بأعمالكم، ومجازيكم بحسب ما تعملون، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وهذا وعيد وتهديد صرف فيه الأمر إلى التهديد» 128.

وقال ابن عاشور: «الآية لبيان أن الوعيد بنار جهنم تعريض بالمشركين بأنهم صائرون إلى النار، وبالمؤمنين بأنهم آمنون من ذلك، والاستفهام تفريع مستعمل في التنبيه على تفاوت المرتبتين» 129.

رابعًا: المقابلة بين الأقوام الهالكين:

قابل القرآن بين الأقوام الهالكين؛ للاتعاظ بأحوالهم، ولبيان عاقبة المتقدمين منهم والمتأخرين، وبيان عاقبة أقويائهم وضعفائهم، ومن ذلك المقابلة بين مشركي مكة وما قبلهم من الأمم، كقوم تبّع، يقول الله تعالى: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [الدخان: 37] .

وتبّع هو تبّع الحميري، كان مؤمنًا وقومه كافرين، ولذلك ذمّ الله قومه ولم يذمّه، قال في الكشاف: «فإن قلت: ما معنى قوله تعالى {أَهُمْ خَيْرٌ} ولا خير في الفريقين؟ قلت: معناه: أهم خير في القوّة والمنعة، وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما: أهم أشدّ أم قوم تبع» 130.

ومعنى الآية: «أكفار قريش الذين هم عرب من عدنان خير في القوة والمنعة، أم قوم تبّع الحميري الذين هم عرب من قحطان، الذين كانوا أقوى جندًا وأكثر عددًا، وكان لهم دولة وحضارة عريقة ومجد، وكذلك الأمم الذين سبقوهم، كعاد وثمود ونحوهم؛ أهلكناهم جميعًا لكفرهم وإجرامهم، فإهلاك من هو دونهم لجرمه وضعفه وعجزه بالأولى، فهم ليسوا بخير من قوم تبع في العدد والعز والمنعة» 131.

وقد ذكر ابن كثير أن الله تعالى أهلك قوم تبع وخرب بلادهم وشردهم وفرقهم في البلاد 132.

وكذلك قوله تعالى: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [القمر: 43] فيه مقابلة بين مشركي مكة ومن قبلهم.

والمعنى: «أكفاركم -معشر قريش- خير من أولئكم الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وآل فرعون، فهم يأملون أن ينجوا من عذابي ونقمي على كفرهم بي، وتكذيبهم رسولي، يقول: إنما أنتم في كفركم بالله وتكذيبكم رسوله، كبعض هذه الأمم التي وصفت لكم أمرهم، وعقوبة الله بكم نازلة على كفركم به كالذي نزل بهم، إن لم تتوبوا وتنيبوا» 133.

قال في الكشاف: «يعني: أكفّاركم -يا أهل مكة- خيرٌ من أولئكم الكفار المعدودين: قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وآل فرعون، أي: أهم خير قوّة وآلة ومكانة في الدنيا؟ أو أقل كفرًا وعنادًا؟ يعني: أنّ كفاركم مثل أولئك بل شر منهم، أم أنزلت عليكم -يا أهل مكة- براءةٌ في الكتب المتقدّمة أنّ من كفر منكم وكذب الرسل كان آمنًا من عذاب الله فأمنتم بتلك البراءة؟!» 134.

خامسًا: المقابلة بين ما عند الله وحطام الدنيا:

ركزت بعض آيات القرآن الكريم على صرف همم الناس عن الدنيا إلى ما عند الله من الأجر والثواب، ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 95 - 96] .

أي: «ولا تنقضوا عهودكم -أيها الناس- وعقودكم التي عاقدتموها من عاقدتم مؤكّديها بأيمانكم، تطلبون بنقضكم ذلك عرضًا من الدنيا قليلًا، ولكن أوفوا بعهد الله الذي أمركم بالوفاء به؛ يثبكم الله على الوفاء به؛ فإن ما عند الله من الثواب لكم على الوفاء بذلك، هو خير لكم إن كنتم تعلمون فضل ما بين العوضين اللذين أحدهما الثمن القليل الذي تشترونه بنقض عهد الله في الدنيا، والآخر الثواب الجزيل في الآخرة على الوفاء به.

ثم بَيَّنَ -تعالى ذكره- فرق ما بين العوضين وفضل ما بين الثوابين، فقال: ما عندكم -أيها الناس- مما تتملكونه في الدنيا، وإن كثر فنافدٌ فانٍ، وما عند الله لمن أوفى بعهده وأطاعه من الخيرات باق غير فانٍ، فلما عنده فاعملوا، وعلى الباقي الذي لا يفنى فاحرصوا، وليثيبنّ الله الذين صبروا على طاعتهم إياه في السّراء والضرّاء ثوابهم يوم القيامة على صبرهم عليها، ومسارعتهم في رضاه بأحسن ما كانوا يعملون من الأعمال دون أسوئها، وليغفرنّ الله لهم سيّئها بفضله» 135.

قال ابن عطية: «أخبر تعالى أن ما عنده من نعيم الجنة ومواهب الآخرة خير لمن اتقى وعلم واهتدى، ثم بيّن الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتنقضي عن الإنسان، أو ينقضي عنها، ومنن الآخرة باقية دائمة» 136.

وقال تعالى: {قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة: 11] .

ومعنى الآية كما قال الطبري: «قل لهم يا محمد: الذي عند الله من الثواب لمن جلس مستمعًا خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وموعظته يوم الجمعة إلى أن يفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، خير له من اللهو ومن التجارة التي ينفضّون إليها، {وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} يقول: والله خير رازق، فإليه فارغبوا في طلب أرزاقكم، وإياه فاسألوا أن يوسع عليكم من فضله دون غيره» 137.

والآية نزلت في شأن من خرجوا من المسجد لطلب التجارة، وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا يخطب الجمعة.

قال ابن كثير: «يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التّجارة الّتي قدمت المدينة يومئذ» 138.

ولا ريب في أن ذلك يشمل كل عمل يلهي عن طلب ما عند الله تعالى.

سادسًا: المقابلة الفاسدة بين خلق إبليس وخلق آدم:

تحدث القرآن الكريم عن قصة خلق آدم عليه السلام وأمر الملائكة بالسجود له، وتكبّر إبليس -عليه اللعنة- وامتناعه عن السجود زاعمًا أنه خير منه؛ لأنه خلق من نار وآدم من طين.

قال تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] .

وادعاء إبليس هذه الخيرية لنفسه باطل من وجوه ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال رحمه الله: «حجّة إبليس في قوله: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} باطلةٌ؛ لأنّه عارض النّصّ بالقياس؛ ولهذا قال بعض السّلف: أوّل من قاس إبليس. ويظهر فسادها بالعقل من وجوهٍ خمسةٍ:

أحدها: أنّه ادّعى أنّ النّار خيرٌ من الطّين، وهذا قد يمنع؛ فإنّ الطّين فيه السّكينة والوقار والاستقرار والثّبات والإمساك، ونحو ذلك، وفي النّار الخفّة والحدّة والطّيش، والطّين فيه الماء والتّراب.

الثاني: أنّه وإن كانت النّار خيرًا من الطّين، فلا يجب أن يكون المخلوق من الأفضل أفضل؛ فإنّ الفرع قد يختصّ بما لا يكون في أصله، وهذا التّراب يخلق منه من الحيوان والمعادن والنّبات ما هو خيرٌ منه.

الثالث: أنّه وإن كان مخلوقًا من طينٍ، فقد حصل له بنفخ الرّوح المقدّسة فيه ما شرّف به؛ حيث علّق السّجود بأن ينفخ فيه من روحه تعالى، فالموجب للتّفضيل هذا المعنى الشّريف الّذي ليس لإبليس مثله» 139.

وقال أبو زهرة: «وإبليس في هذا غافل ومدّعٍ ما لا دليل فيه على دعواه، أما غفلته فهو أن الله تعالى خالق النار وخالق الطين، وما في خلقه تفاوت، فهما خلق الله تعالى وهو الذي اختار النار له، واختار الطين لآدم، واختار أن يسجد إبليس الناري لآدم الذي هو من طين، فكيف يعترض عليه بخلقه؟!

وإن هذا ضلال في الفهم، وغفلة في الإدراك؛ ولذا قال بعض العلماء: أشد العالمين غفلة إبليس، ودعواه أن النار خير من الطين، وأنه بذلك خير من آدم، هذه دعوى لا دليل عليها، بل الدليل يناقضها؛ لأن الطين خلق الله منه الخصب، وكان من الخصب الزروع والثمار والأشجار والنخيل وكل طعام أهل الأرض، والماء ينزل عليه غيثًا فيكون منه ثمر كل شيء وطعام الإنسان والحيوان، والنار تدمر وتحرق، فإذا كان من الطين العمران، فمن النار الدمار» 140.

سابعًا: المقابلة الفاسدة بين فرعون وموسى:

ادعى فرعون عليه لعنة الله أنه خير من موسى عليه السلام؛ لما له من ملك وسلطان وجنود وخدم وبيان لسانه.

قال تعالى حكاية عن فرعون: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 52] .

قال الطبري: «يقول -تعالى ذكره- مخبرًا عن قيل فرعون لقومه بعد احتجاجه عليهم بملكه وسلطانه، وبيان لسانه وتمام خلقه، وفضل ما بينه وبين موسى بالصفات التي وصف بها نفسه وموسى: أأنا خير أيها القوم، وصفتي هذه الصفة التي وصفت لكم؟ أم {هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} لا شيء له من الملك والأموال، مع العلة التي في جسده، والآفة التي بلسانه، فلا يكاد من أجلها يبين كلامه؟» 141.

وقال الفخر: «وعنى بكونه مهينًا كونه فقيرًا ضعيف الحال، وبقوله: {وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} حبسةً كانت في لسانه» 142.

وقال ابن كثير: «إنّما يعني فرعون -عليه اللّعنة- أنّه خيرٌ من موسى عليه السلام، وقد كذب في قوله هذا كذبًا بيّنًا واضحًا، فعليه لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة» 143.

وهذه سفاهة من فرعون أن يدعي أنه خير من نبي الله وكليمه موسى عليه السلام، وقد سمى ابن عاشور كلام فرعون هذا في حق موسى عليه السلام سفسطة عندما تعرض لتفسير هذه الآية، فقال: «ومقصوده تصغير شأن موسى في نفوسهم بأشياء هي عوارض ليست مؤثّرةً، انتقل من تعظيم شأن نفسه إلى إظهار البون بينه وبين موسى الّذي جاء يحقّر دينه وعبادة قومه إيّاه، فقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا} .

والإشارة هنا للتّحقير، والمهين -بفتح الميم-: الذّليل الضّعيف، أراد أنّه غريبٌ ليس من أهل بيوت الشّرف في مصر، وليس له أهلٌ يعتزّ بهم، وهذا سفسطةٌ وتشغيبٌ إذ ليس المقام مقام انتصارٍ حتّى يحقّر القائم فيه بقلّة النّصير، ولا مقام مباهاةٍ حتّى ينتقص صاحبه بضعف الحال.

وأشار بقوله: {وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} إلى ما كان في منطق موسى من الحبسة والفهاهة، وليس مقام موسى يومئذٍ مقام خطابةٍ ولا تعليمٍ وتذكيرٍ حتّى تكون قلّة الفصاحة نقصًا في عمله، ولكنّه مقام استدلالٍ وحجّةٍ، فيكفي أن يكون قادرًا على إبلاغ مراده، وقد أزال اللّه عنه ذلك حين تفرّغ لدعوة بني إسرائيل» 144.

ثامنًا: المقابلة الفاسدة بين مقام أهل الشرك ومقام أهل الإيمان في الدنيا:

وذلك عندما افتخر المشركون بمنازلهم وديارهم وأثاثهم على المؤمنين الفقراء؛ وظنوا أنهم على حق وأنّ المؤمنين على باطل لفقرهم، قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: 73] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت