-الاكتفاء بالأسباب دون التوكل علي المسبب لا يكفي في تحقيق النصر، فقد اعتمد اليهود على قوتهم المادية وعلى لن يهزموا أمام قوة المسلمين، لكنهم تناسوا أن الحق سبحانه معهم وهو ناصر عباده المؤمنين.
ثم بين سبحانه وتعالى حكم الفيء، وكيفية تقسيمه.
-علاقة اليهود بالمنافقين علاقة أخوة ظاهرية، بدلالة أنهم بعدما وعدوا اليهود بمآزرتهم ونصرهم، خذلوهم وأخلفوا وعودهم معهم، فمثلهم كمثل الشيطان حينما وعد الإنسان إن هو كفر أن يحقق له ما يطلبه ويتمناه، فلما كفر الإنسان تركه الشيطان وتبرأ منه، وهكذا شأن المنافقين مع اليهود.
ثم كشف الحق سبحانه وتعالى عن سياسة اليهود القتالية، وأنهم جبناء فهم أحرص الناس على الحياة، قال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96] .
وفى ذلك تثبيت للمؤمنين وتحريضهم على قتالهم.
*نتائج الغزوة:
1.هزيمة اليهود وانتصار المسلمين.
2.تأكيد اليهود لمعنى الغدر والخيانة ونقض العهود.
3.كشف علاقة المنافقين مع اليهود، وذلك من خلال تواطؤ عبد الله بن أبي ابن سلول ومن تبعه من المنافقين مع اليهود.
4.نكث المنافقين للعهود، وخلفهم للوعد، فبعد أن وعد عبد الله بن أبي ابن سلول اليهود بنصرتهم ومعاضدتهم، أسلمهم ونكث في وعده.
5.إجلاء يهود بني النضير من المدينة المنورة.
6.إسلام رجلين من بني النضير، هما: يامين بن عمير بن كعب، وأبو سعد بن وهب، فأحرز النبي صلى الله عليه وسلم أموالهما لهما ولم يقسمها 67.
7.تشريع حكم الفيء في الإسلام.
8.تكشف طبيعة اليهود التي تتسم بالأذى والفساد، وذلك من خلال تخريبهم لبيوتهم بأيديهم وهم خارجون منها لئلا ينتفع بها من بعدهم من المسلمين.
9.غنائم المسلمين من الغزوة، وقدرت بخمسين درعًا، وخمسين بيضةً 68، وثلاثمائة وأربعين سيفًا، وقد جعلها الله عز وجل خالصةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يخمسها، ولم يسهم منها لأحد، ولكنه قسمها بين المهاجرين والأنصار، بعد أن استبقى قسمًا خصصت غلته للكراع 69 والسلاح.
10.هذا بخلاف ما حمله اليهود معهم، حيث حملوا أمتعتهم على ستمائة بعير، ومعهم كميات كبيرة من الذهب والفضة حتى إن سلام بن أبي الحقيق وحده حمل جلد ثور مملوءًا ذهبًا وفضة، بخلاف ما تركوه من النخيل، مما يؤكد ثراء بني النضير وغناهم، وأنهم لم يرعوا تلك النعم التي أنعم الله بها عليهم 70.
11.لؤم اليهود ومكرهم، فبالرغم من عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلهم، فقد خرجوا ومعهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن من خلفهم، حتى لا يشمت بهم المسلمون، فقصد بعضهم خيبر وسار آخرون إلى أذرعات الشام 7172.
12.اغتناء المهاجرين وإعفافهم، حيث صارت لهم أموال من بني النضير، وردهم ما أشركهم فيه إخوانهم من الأنصار من الأموال 73.
13.إيثار الأنصار إخوانهم المهاجرين بالفيء، حيث قبلوا قسمة النبي صلى الله عليه وسلم للفيء على المهاجرين ولم يمتعضوا أو يتضجروا 74.
لم يعتبر يهود بني قريظة 75 وهم الطائفة الثالثة والأخيرة من طوائف اليهود الذين سكنوا المدينة، بما حاق بأسلافهم من بني قينقاع والنضير حينما نقضوا العهد، وحنثوا فيه، فالغدر دأب أصيل لا ينفك عنهم والمكر والخداع طبع لا يفارقهم.
قال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100] .
ولذا وصفهم الخالق سبحانه وتعالى بأخس الصفات، وهي شر ما دب على الأرض.
قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ} [الأنفال: 55 - 56] .
نزلت هذه الآيات في بني قريظة 76.
قال الطبري: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ} يا محمد، يقول: أخذت عهودهم ومواثيقهم أن لا يحاربوك، ولا يظاهروا عليك محاربًا لك، كقريظة ونظرائهم ممن كان بينك وبينهم عهد وعقد 77.
وقد كانت غزوة بني قريظة آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة، إذ تطهرت المدينة عقبها من رجسهم وأحقادهم، وأمن المسلمون بعدها على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، بعد القضاء على الخطر الذي كان يهددهم فيها.
أولًا: زمان الغزوة ومكانها:
أما الزمان: فمن المعلوم أن غزوة بني قريظة كانت عقب غزوة الخندق، فبعد انتهاء النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق توجه مباشرة صوب بني قريظة، ولقربهما جمعهما بعض المفسرين في وقت واحد فقال: غزوة الأحزاب أو الخندق وبني قريظة 78.
وقد ذهب الجمهور من أهل التفسير والسير والمغازي إلى أن غزوة الأحزاب كانت في شهر شوال من السنة الخامسة 79.
قال ابن كثير: والصحيح قول الجمهور أن أحدًا في شوال سنة ثلاث، وأن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة والله أعلم 80.
وذهب بعض العلماء إلى أنها كانت في السنة الرابعة منهم: الإمام مالك بن أنس 81، وموسى ابن عقبة 82، وابن قتيبة 83، والبخاري 84، وابن حزم 85.
وقد حاول البيهقي رحمه الله الجمع بين القولين فقال بعد أن أورد الأقوال في ذلك: «لا اختلاف بينهم في الحقيقة، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل يوم بدر لسنة ونصف من مقدمه المدينة في شهر رمضان.
ثم قاتل يوم أحد من السنة القابلة لسنتين ونصف من مقدمه المدينة في شوال.
ثم قاتل يوم الخندق بعد أُحُد بسنتين على رأس أربع سنين ونصف من مقدمه المدينة.
فمن قال: سنة أربع، أراد بعد أربع سنين، وقبل بلوغ الخمس.
ومن قال: سنة خمس، أراد بعد الدخول في السنة الخامسة وقبل انقضائها. والله أعلم» 86.
قال ابن العماد: وجزم ابن ناصر الدين، أنهما -أي: الخندق وبني قريظة- في الخامسة، وهذا هو الصحيح، لأنه توجه صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة في اليوم الذي انصرف فيه من الأحزاب 87.
وعن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع يوم الخندق، ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال: وضعت السلاح فوالله ما وضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين؟ قال: ها هنا، وأومأ إلي بني قريظة، قالت: فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم) 88.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) 89.
وأما المكان: فقد وقعت الغزوة في منازلهم، وكانت تقع في الجنوب الشرقي للمدينة شرقي قباء، حيث يمر وادي مهزور والتي تبعد حوالي 5 كم عن المسجد النبوي في منطقة لا تزال معروفة قرب سد بطحان 90.
ثانيًا: أسباب الغزوة:
كانت بنو قريظة تمثل خطرًا وشوكة في ظهر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فهم من ساكني المدينة، وهم أعلم بها من غيرهم ممن لم يسكنها، وحصونهم خلف المسلمين، وفي أقرب وقت يستطيعون محاربة المسلمين وقتالهم، ورغم العهد الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنهم لم يراعوه، وسرعان ما نقضوه.
فعقب انتهاء النبي صلى الله عليه وسلم من أمر بني النضير توجه كعب بن الأشرف إلى كفار مكة، يستقويهم على قتال النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وجعل يمدح دينهم، وهو عبادة الأوثان، ففضحه الله تعالى بقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51] 91.
ولم يكتف اليهود بذلك، بل غدروا في أشد الأوقات وأحلك الظروف، حينما تحالفوا مع قريش وغطفان وتآمروا معهم على قتال المسلمين.
ومن ذلك ما رواه ابن كثير: أن نفرًا من اليهود، منهم كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم، وحيي بن أخطب النضريون، وهوذة بن قيس وأبو عمار من بني وائل، وهم كلهم يهود، خرجوا في نفرٍ من بني النضير ونفرٍ من بني وائل، فأتوا مكة، فدعوا قريشًا إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك، فأجابهم أهل مكة إلى ذلك، ثم خرج اليهود المذكورون إلى غطفان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم.
فخرجت قريش يقودهم أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على فزارة، والحارث بن عوف المري على بني مرة ومسعود بن رخيلة على أشجع قاصدين المدينة لقتال النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين 92.
ولما وصلت الجموع قرب المدينة وسلط الله عليهم جنوده من الريح والبرد الشديد، انتكسوا على أعقابهم وفرق الله تعالى جموعهم وألقى الرعب في قلوبهم، وعادت قريش وغطفان مهزومين دون تحقيق ما أتوا من أجله، فلم يلبث النبي صلى الله عليه وسلم من عودته من الخندق حتى أمره الله أن يتوجه لهؤلاء الأوغاد ليقضي فيهم بحكمه تعالى، قال مقاتل بن سليمان: «حين هزم المشركين عن الخندق بالريح والملائكة أتى جبريل عليه السلام على فرس، فقال: سر إلى بني قريظة فإن الله عز وجل داقهم لك دق البيض على الصفا 93.
كانت هذه هي الأسباب التي دفعت النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إلى قتالهم.
ثالثًا: حديث القرآن عن الغزوة:
تحدث القرآن الكريم عن أهم وقائع غزوة بني قريظة، وخصت سورة الأحزاب بذكرها، قال ابن كثير رحمه الله: غزوة الخندق هي: غزوة الأحزاب، وقد أنزل الله الله تعالى فيها صدر سورة الأحزاب 94.
فقال تعالى مخبرًا عن نعمه وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين في صرفه أعداءهم، قريش وغطفان والذين بلغ عددهم عشرة ألاف، حينما تألبوا عليهم، ونزل المشركون شرق المدينة قريبًا من أحد، ونزلت طائفة منهم في أعالي المدينة قريبًا منهم، ومن فوقهم يهود بني قريظة وكان عددهم نحوًا من ثمانمائة مقاتل، وكان عدد المسلمين إذ ذاك ثلاثة ألاف، هنالك ارتعدت فرائص المؤمنين ودب الخوف في قلوبهم.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 9 - 11] .
وقد ظهرت هذه النعمة حينما قورنت بالواقع الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام.
روى الطبري بسنده عن محمد بن كعب القرظي، قال: (قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، لحملناه على أعناقنا، قال حذيفة: يا ابن أخي، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال:(من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يرجع أدخله الله الجنة) .
فما قام أحد، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال مثله، فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع، يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة) .
فما قام رجل من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد؛ فلما لم يقم أحد، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال: (يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر، ولا تحدثن شيئًا حتي تأتينا) .
قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء؛ فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه، فقال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان؛ ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الكراع والخف، واختلفت بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما يطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل.
ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي أن لا تحدث شيئًا حتى تأتيني، لو شئت لقتلته بسهم.
قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه؛ فلما رآني أدخلني بين رجليه، وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه؛ فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم) 95.
وعن مجاهد في قوله: {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} قال: الأحزاب: عيينة بن بدر، وأبو سفيان، وقريظة 96.
ثم صورت الآيات المشهد، ومواقع الأحزاب.
قال تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10 - 11] .
قال يزيد بن رومان قوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} فالذين جاءوهم من فوقهم: قريظة، والذين جاءوهم من أسفل منهم: قريش وغطفان 97.
وفي هذا الوقت العصيب ظهر إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين، حيث شك المنافقون في وعد الله، قال قتادة: قال أناس من المنافقين: قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم، وقد حصرنا هاهنا، حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا 98.
وانسحب بعضهم من المعركة بحجة أن بيوتهم عورة يخافون عليها السرقة وما هي بعورة، فهم يريدون الفرار من الزحف، ولو دخل الكفار عليهم من كل جهة من جهات المدينة ثم سئلوا الكفر لكفروا سريعًا وما ترددوا، وسيسألهم الله تعالى عن عهدهم الذي نقضوه مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد عينهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه بأنهم بنو حارثة 99.
كما أخبر القرآن أن فرارهم لن ينجيهم من الموت إذا حل بهم، وأنه لا عاصم لهم من أمر الله، قال تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: 12 - 17] .
ثم أخبر سبحانه عن إحاطة علمه بالمعوقين غيرهم ممن شهد الحرب، والمثبطين لعزائمهم بقولهم هلم إلى الإقامة في الظلال والثمار، وهم مع ذلك بخلاء بالمودة والشفقة عليكم، فإذا جاء الخوف رأيتهم يجزعون ويفزعون كالذي اقترب أجله، فإذا ذهب الخوف، ارتفعت أصواتهم لطلب الغنيمة، أما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق، وهم بذلك قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير.
قال تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 18 - 20] .
قال الطبري: يحسب هؤلاء المنافقون الأحزاب، وهم قريش وغطفان، لم ينصرفوا، وإن كانوا قد انصرفوا جبنا وهلعا منهم 100.
فيظنون أنهم قريبون منهم وأن لهم عودة، فإذا عاد الأحزاب ودوا لو أنهم ليسوا معكم في المدينة بل في البادية يسألون عن أخباركم، ولو كانوا بين أظهركم ما قاتلوا معكم إلا قليلًا لجبنهم وذلتهم وقلة يقينهم بالله تعالى، ثم علمهم الله تعالى أن عليهم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته، فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .
أي: هلا اقتديتم وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم.
ثم أخبر الله تعالى عن حال المؤمنين الصادقين حينما نزل بهم البلاء، ورأوا الأحزاب، فما زادهم ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا وتصديقًا بوعد الله تعالى، فقال: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] .
أي: انقيادًا لأوامره وطاعةً لرسوله صلى الله عليه وسلم.
قال الطبري: ولما عاين المؤمنون بالله ورسوله جماعات الكفار قالوا تسليمًا منهم لأمر الله، وإيقانا منهم بأن ذلك إنجاز وعده لهم، الذي وعدهم 101.
ثم عدد الله صفات المؤمنين في مقابلة المنافقين الذين نقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأن المؤمنين ثبتوا على العهد والميثاق ولم ينكثوا أو يتراجعوا أو يبدلوا.
قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 23 - 24] .
وورد في سبب نزول هذه الآية ما قاله أنس بن مالك رضي الله عنه: نرى هذه الآيات نزلت في أنس بن النضر رضي الله عنه 102.