أولًا: المعنى اللغوي:
بالنظر في المعاجم اللغوية يظهر أن مادة (القاف والسين والميم) تشمل عدة معانٍ، إلا أن القسم بالتحريك يرادف الحلف واليمين، قال ابن فارس: «القاف والسين والميم أصلان صحيحان، يدل أحدهما على جمالٍ وحسن والآخر على تجزئة شيء. فالأول القسام، وهو الحسن والجمال، وفلانٌ مقسم الوجه، أي: ذو جمالٍ. والقسمة: الوجه، وهو أحسن ما في الإنسان والأصل الآخر القسم: مصدر قسمت الشيء قسمًا. والنصيب قسمٌ بكسر القاف. فأما اليمين فالقسم. قال أهل اللغة: أصل ذلك من القسامة، وهي الأيمان تقسم على أولياء المقتول إذا ادعوا دم مقتولهم على ناسٍ اتهموهم به» 1.
فالقسم، وهو المصدر، والجمع أقسام، وقد أقسم بالله واستقسم به وقاسمه: حلف له، وتقاسم القوم تحالفوا، والقسامة: الذين يحلفون على حقهم ويأخذونه، ويمين القسامة منسوبة إليهم، والمقسم: القسم، والمقسم: الموضع الذي حلف فيه، والمقسم: الرجل الحالف، أقسم يقسم إقسامًا 2، فالعلاقة بين القسامة والقسم وطيدة.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
هو: «ربط العقد بالامتناع والترك أو بالإقدام على فعلٍ بمعنى معظمٍ حقيقةً أو اعتقادًا» 3.
أو هو: «ربط النفس، بالامتناع عن شيء أو الإقدام عليه، بمعنى معظم عند الحالف حقيقة أو اعتقادًا. وسمي الحلف يمينًا؛ لأن العرب كان أحدهم يأخذ بيمين صاحبه عند التحالف» 4.
فالمعنى الاصطلاحي لا يختلف عن المعنى اللغوي كثيرًا إلا أنه قيد بتقييدات معينة.
وردت مادة (أقسم) في القرآن الكريم (25) مرة 5.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
فعل الماضي ... 9 ... {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ} [الأعراف:49]
فعل المضارع ... 13 ... {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) } [الواقعة:75]
فعل الأمر ... 1 ... {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ} [النمل:49]
اسم مصدر ... 2 ... {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) } [الفجر:5]
وجاء القسم في القرآن بمعناه في اللغة وهو: الحلف، وأصله من (القسامة) وهي الأيمان تقسم على الأولياء في الدم 6.
الحلف:
الحلف لغةً:
قال ابن فارس: «الحاء واللام والفاء أصلٌ واحد، وهو الملازمة. يقال: حالف فلانٌ فلانًا، إذا لازمه» 7.
الحلف اصطلاحًا:
هو «العهد بين القوم، والمحالفة المعاهدة والملازمة» 8.
الصلة بين الحلف والقسم:
قال أبو هلال العسكري: «الصلة بين القسم والحلف: أن القسم أبلغ من الحلف؛ لأن معنى قولنا: أقسم بالله أنه صار ذا قسم بالله والمراد أن الذي أقسم عليه من المال وغيره قد أحرزه ودفع عنه الخصم بالله، والحلف من قولك: سيفٌ حليف، أي: قاطع ماضٍ، فإذا قلت: حلف بالله، فكأنك قلت: قطع المخاصمة بالله، فالأول أبلغ؛ لأنه يتضمن معنى الآخر مع دفع الخصم، ففيه معنيان. وقولنا: (حلف) يفيد معنى واحدًا، وهو قطع المخاصمة فقط، وذلك أن من أحرز الشيء باستحقاق في الظاهر فلا خصومة بينه وبين أحد فيه، وليس كل من دفع الخصومة في الشيء فقد أحرزه» 9. وعلى هذا فالقسم أعم من الحلف.
اليمين:
اليمين لغةً:
القسم، يقال: سمي بذلك؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل منهم يمين صاحبه 10.
اليمين اصطلاحًا:
هو «عقد يقوى به عزم الحالف على الفعل والترك» 11.
الصلة بين اليمين والقسم:
يظهر أنهما مترادفان في المعنى.
الميثاق:
الميثاق لغةً:
قال ابن فارس: «الواو والثاء والقاف كلمةٌ تدل على عقدٍ وإحكام. ووثقت الشيء: أحكمته، وناقةٌ موثقة الخلق. والميثاق: العهد المحكم. وهو ثقةٌ، وقد وثقت به» 12.
الميثاق اصطلاحًا:
«هو العقد المؤكد إما بوعيدٍ أو بيمينٍ» 13. قال صاحب المنار: «العهد ما يتفق رجلان أو فريقان من الناس على التزامه بينهما لمصلحتهما المشتركة، فإن أكداه ووثقاه بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به سمي ميثاقًا» 14.
الصلة بين الميثاق والقسم:
أن الميثاق عهدٌ مؤكدٌ بالقسم، فالقسم أعم من الميثاق؛ إذ يشمل العهد المؤكد به، ويشمل القسم ما ليس بعهد، وقد نص ابن هشام على أن أخذ الميثاق قسم 15، أي: جزء من القسم.
الحنث:
الحنث لغةً:
هو الإثم والحرج. يقال: حنث فلانٌ في كذا، أي: أثم. ومن ذلك قولهم: بلغ الغلام الحنث، أي: بلغ مبلغًا جرى عليه القلم بالطاعة والمعصية، وأثبتت عليه ذنوبه 16.
الحنث اصطلاحًا:
هو «الذنب المؤثم، وسمي اليمين الغموس حنثًا لذلك» 17.
الصلة بين الحنث والقسم:
هما نقيضان فلا يجتمعان، فالقسم إلزام النفس بفعل شيء أو تركه، والحنث نقض ذلك القسم.
النقض:
النقض لغةً:
من نقضت البناء نقضًا، والنقض اسم البناء المنقوض إذا هدم، ونقضت الحبل نقضًا: حللت برمه، وانتقضت الطهارة: بطلت، وانتقض الجرح بعد برئه، والأمر بعد التئامه: فسد، وتناقض الكلامان: تدافعا كأن كل واحد نقض الآخر، وفي كلامه تناقضٌ إذا كان بعضه يقتضي إبطال بعض 18.
النقض اصطلاحًا:
«الفسخ وفك التركيب» 19.
الصلة بين النقض والقسم:
إذا كان القسم في إلزام النفس على فعل شيء أو تركه، فإن النقض هو فك ذلك الإلزام، وعدم الوفاء به، فكل منهما مناقض للآخر.
النكث:
النكث لغةً:
نكث العهد، والحبل، ينكثه وينكثه: نقضه فانتكث، ونكث السواك: تشعث رأسه 20.
النكث اصطلاحًا:
«هو ما نقض من غزل الشعر وغيره» 21.
الصلة بين النكث والقسم:
هما ضدان، فالقسم في إلزام، والنكث نقض ذلك الإلزام.
ذكر العلماء أن للقسم أنواعًا ثلاثة: (لغو، ومنعقدة، وغموس) وذهب البعض إلى أنهما نوعان فقط (لغو ومنعقدة) وفيما يلي نستجلي حقيقته، ونبين أحكامه المذكورة في القرآن الكريم:
أولًا: اليمين اللغو:
ذكر المولى سبحانه أنه لا يؤاخذنا باللغو في اليمين في قوله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225] .
{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89] .
«اللغو: سقط الكلام الذي لا حكم له، ويستعمل في الهجر والرفث وما لا حكم له من الأيمان تشبيهًا بالسقط من القول، واختلف العلماء في اليمين التي هي لغو:
فقال ابن عباس وعائشة وعامر الشعبي وأبو صالح ومجاهد رضي الله عنهم: «لغو اليمين: قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة: لا والله، وبلى والله دون قصد لليمين» .
وقال أبو هريرة وابن عباس أيضًا والحسن ومالك رضي الله عنهم وجماعة من العلماء: «لغو اليمين: ما حلف به الرجل على يقينه فكشف الغيب خلاف ذلك» . قال ابن عطية: «وهذا اليقين هو غلبة ظن أطلق الفقهاء عليه لفظة اليقين تجوزًا» .
وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبد الله وعروة ابنا الزبير رضي الله عنهم: «لغو اليمين: الحلف في المعاصي كالذي يحلف ليشربن الخمر أو ليقطعن الرحم، فبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه» .
وقال ابن عباس أيضًا وطاووس رضي الله عنهما: «لغو اليمين: الحلف في حال الغضب» .
وقال مكحول الدمشقي رضي الله عنه وجماعة من العلماء: «لغو اليمين: أن يحرم الرجل على نفسه ما أحل الله فيقول: مالي علي حرام إن فعلت كذا أو الحلال علي حرام» .
وقال زيد بن أسلم وابنه رحمهما الله: «لغو اليمين: دعاء الرجل على نفسه؛ أعمى الله بصره، أذهب الله ماله، هو يهودي هو مشرك إن فعل كذا» .
وقال ابن عباس رضي الله عنه أيضًا والضحاك رحمه الله: «لغو اليمين: هو المكفرة، أي: إذا كفرت اليمين فحينئذ سقطت وصارت لغوًا ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير» .
وقال إبراهيم النخعي رحمه الله: «لغو اليمين: ما حنث فيه الرجل ناسيًا» .
وقيل: «اللغو: أيمان المكره» 22.
هذه أقوال تسعة في تفسير لغو اليمين، إلا أننا إذا نظرنا في الآية الكريمة نجدها تصرح بأن اليمين اللغو هي التي لا كفارة فيها، فنص الآية: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} فقابل بين اليمين اللغو واليمين التي فيها كفارة، وهذا يسقط بعض الأقوال، فيسقط القول بأنها الحلف في المعاصي؛ لأنها -على فرض أنها لا كفارة فيها- فيها مؤاخذة.
والقول: بأنها دعاء الرجل على نفسه؛ لأن هذا دعاء وليس قسمًا، والقول: بأنها اليمين المكفرة؛ وذلك لأنه على هذا القول يكون قابل بين الشيء ونفسه.
وأما القول: بأنها اليمين في غضب فقد ذكر قائلوه حديثًا لم أقف عليه؛ لذلك تركت ذكره، ولو صح فليس بنص في أن هذا هو اليمين اللغو.
وأما القول بأنها: أن يحرم الرجل على نفسه ما أحل الله، فإن هذا فيه مؤاخذة؛ إذ فيه مخالفة صريحة لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [المائدة: 87] .
قال ابن عطية رحمه الله تعليقًا على الأقوال السابقة: «وطريقة النظر أن يتأمل لفظة: (اللغو) ولفظة: (الكسب) ويحكم موقعهما في اللغة، فكسب المرء ما قصده ونواه، واللغو: ما لم يتعمده أو ما حقه لهجنته أن يسقط، فيقوى على هذه الطريقة بعض الأقوال المتقدمة ويضعف بعضها، وقد رفع الله عز وجل المؤاخذة بالإطلاق في اللغو، فحقيقته ما لا إثم فيه ولا كفارة، والمؤاخذة في الأيمان هي بعقوبة الآخرة في الغموس، وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة، وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة؛ لأن المؤاخذة قد وقعت فيها، وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم» 23.
قلت: وأقوى الأقوال فيها: القول بأنها قول الرجل: لا والله وبلى والله دون قصد لليمين. والقول بأنها ما حلف به الرجل على يقينه فكشف الغيب خلاف ذلك، وذلك أن الحالف في هاتين الحالتين لم يتعمد معصية، ففي القول الأول جرى لفظ القسم على لسانه دون معناه، وهذا أشبه بالساقط من الكلام؛ إذ اللغو -كما عرفه الراغب- «ما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن رويَّة وفكر فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير» 24.
وفي الثاني: تعمد القسم، ولكن لم يتعمد الكذب.
وأما القول: بأنها ما حنث فيه الرجل ناسيًا، والقول: بأنها أيمان المكره فلا يبعدان عن القولين السابقين، فالحنث ناسيًا غير مؤاخذ به؛ وذلك أن النسيان مرفوع عن هذه الأمة، وأيمان المكره كذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (تجاوز الله عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) 25.
وقد رجح أبو حيان رحمه الله القول بأنها ما لا يقصد به حقيقة اليمين، وإنما هو شيء يجري على اللسان عند المحاورة من غير قصد، قائلًا -بعد ذكره الأقوال-: «وهذه الأقوال يحتملها لفظ اللغو، إلا أن الأظهر هو ما فسرناه أولًا؛ لأنه قابله كسب القلب، وهو تعمده للشيء، فجميع الأقوال غيره ينطبق عليها أنها كسب القلب؛ لأن للقلب قصدًا إليها: ونفي الوحدة يدل على أنه لا إثم ولا كفارة، فيضعف قول من قال: إنها تختص بالإثم، ويفسر اللغو باليمين المكفرة» 26.
قلت: ولا مانع من أن يكون المعنيان مرادين؛ إذ اللغو في اليمين «الساقط الذي لا يتعلق به حكم» 27 ويكون هذا من باب ما يسمى عند البلاغيين بأسلوب الاستخدام، وما يسمى عند الأصوليين استخدام المشترك في معنييه، ويكون هذا من الإعجاز القرآني؛ إذ يشمل اللفظ القليل المعاني الكثيرة.
وقد ذهب الشيخ أبو زهرة رحمه الله لأبعد من هذا، فقال: «وأرى أن كل صور أيمان اللغو الواردة عن الصحابة تدخل في معنى يمين اللغو التي كان من فضل الله على عباده ورحمته بهم أن رفع عنهم إثمها، ولم يجعلها موضع مؤاخذة ولا اعتداد، فلا إثم ولا كفارة فيها» 28.
وأما حكم هذه اليمين فقد وضحت آيتا سورة البقر وسورة المائدة أنها لا مؤاخذة فيها.
ثانيًا: اليمين المنعقدة:
اليمين المنعقدة: هي على المستقبل التي يصح فيها الحنث والبر 29.
وعرفها ابن العربي بأنها: «ربط القول بالقصد القائم بالقلب، يعزم بقلبه أولًا متواصلًا منتظمًا، ثم يخبر عما انعقد من ذلك بلسانه» 30.
ثم إن الأيمان المنعقدة -في نفسها- تنقسم إلى أقسام، فالأيمان المنعقدة التي تتكرر كأن تقول: أقسم بالله العظيم. أقسم بالله العظيم. أقسم بالله العظيم؛ أقوى من قولك: أقسم بالله -مرة واحدة-.
والأيمان التي تنشأ ابتداءً أقل رتبة في العظم من الأيمان المصبورة التي يحبس عليها صاحبها، والأيمان المصبورة التي حبس عليها صاحبها أيضًا تتفاوت في العظم، فمثلًا: إذا حبس شخص بعد الصلاة كما قال الله سبحانه: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 106] .
أي: صلاة العصر، فإذا حبس في مسجد ما ليس ذلك كمن يحبس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقواها رجل حبس على يمين بعد صلاة العصر عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه أعظم من اليمين الأخرى، وإن كانت كلها أيمانًا منعقدة 31.
واليمين المنعقدة لا تكون إلا باسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته، فلو حلف بغير الله تعالى لا تعد يمينًا منعقدة، وقد ذكروا لانعقاد اليمين شروطًا:
1.أن يكون الحالف بالغًا عاقلًا؛ فلا تنعقد يمين الصبي والمجنون؛ لرفع المؤاخذة عنهما.
2.ألا تكون اليمين لغوًا.
3.أن يكون الحلف بذات الله تعالى مثل: أقسم بالله، أو بأحد أسمائه تعالى، مثل: أقسم بالرحمن أو برب العالمين، أو بصفة من صفاته تعالى مثل: أقسم بعزة الله، أو بعلمه أو بإرادته أو بقدرته 32.
ثم إن لليمين المنعقدة أنواعًا:
النوع الأول: اليمين على ما هو متصور الوجود عادة، إذا كان المحلوف عليه أمرًا يتصور حدوثه بحسب العادة والإمكان، كأن يقول: (والله لآكلن هذا الرغيف) .
النوع الثاني: اليمين على ما هو مستحيل غير متصور الوجود أصلًا، وهو المستحيل عقلًا مثل قول الشخص: (والله لأشربن الماء الذي في هذا الكوب) وليس في الكوب ماء.
النوع الثالث: اليمين على ما هو مستحيل عادة، وذلك إذا كان الأمر المحلوف عليه متصور الوجود في نفسه، ولكنه مستحيل بحسب العادة كالصعود في السماء، و الطيران في الهواء 33.
واليمين المنعقدة يجب فيها الكفارة؛ لنص الآية الصريح على ذلك: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَ?كِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ? فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ? فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ? ذَ?لِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ? وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(89 ) ) وسيأتي تفصيل الحكم فيها -إن شاء الله-.
ثالثًا: اليمين الغموس:
اليمين الغموس: الحلف على فعلٍ أو تركٍ ماضٍ كاذبًا، سميت به؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم 34.
قال الزمخشري: «اليمين الغموس تدع الديار بلاقع. هي اليمين الكاذبة تغمس في المآثم، وتقول العرب للأمر الشديد الغامس في الشدة والبلاء: غموس» 35.
وفي تسميتها بالغموس زيادة في تقبيحها، فكأنها سبب في إحاطة صاحبها بالذنوب وغمره بها، فكأنه انغمس فيها، إذ الغمس «إرساب الشيء في الشيء الندي في ماءٍ أو صبغٍ حتى اللقمة في الخل» 36.
واليمين الغموس وتسمى المصبورة؛ لأن صبرها مغالبة وقوة عليها، كما يصبر الحيوان للقتل والرمي 37.
واليمين الغموس عادة من عادات المنافقين، ذمهم الله تعالى عليها في كتابه، وتوعدهم عليها، فقال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ? إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (16) لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ? أُولَ?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ? وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى? شَيْءٍ ? أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [المجادلة: 14 - 18] .
فهؤلاء المنافقون دأبهم الحلف الكاذب، وهذا هو اليمين الغموس، فهيأ الله لهم عذابًا شديدًا مؤلمًا، وكانوا يحلفون هذه الأيمان؛ ليتستروا بها، وليصدوا عن منهج الله تعالى، فكان مصيرهم عذاب مذل لهم، ولن ينفعهم كثرة الأموال والأولاد، وهم أصحاب النار الملازمون لها يوم القيامة حين يبعثهم الله ويخبرهم، فيحاولون أن يحلفوا أيمانًا كاذبة ظانين أن أيمانهم ستروج يوم القيامة كما كانت تروج في الدنيا، ولكن هيهات هيهات.
وقد كثرت الأحاديث الصحيحة، وكذلك الآثار التي تدل على أنها من الكبائر، فمن ذلك عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) 38.
وورد تفسيرها في حديث آخر فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (جاء أعرابيٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال:(الإشراك بالله) قال: ثم ماذا؟ قال: (ثم عقوق الوالدين) قال: ثم ماذا؟ قال: (اليمين الغموس) قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: (الذي يقتطع مال امرئٍ مسلمٍ هو فيها كاذبٌ) 39.
وقد ورد في الوعيد عليها قوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان) 40.
وعن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، والذي نفسي بيده لا يحلف الرجل على مثل جناح بعوضة إلا كانت كية في قلبه يوم القيامة) 41.
ومن الآثار في ذلك ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه: «كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس. فقيل: ما اليمين الغموس؟ قال: اقتطاع الرجل مال أخيه باليمين الكاذبة» 42.
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: «كنا نعد اليمين الغموس من الكبائر» 43.
وقد فسر الشعبي رضي الله عنه الحنث العظيم في قوله: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ) [الواقعة: 46] .
بأنه اليمين الغموس 44. ومعنى الآية: أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون وكذبوا في ذلك 45. فعلى هذا تكون هذه اليمين سببًا لجعل صاحبها من أصحاب الشمال، ومن ذهب من العلماء إلى أنها لا تكفر -كما سيأتي- ليس للتخفيف على صاحبها، بل؛ لأنها «أعظم من أن تكفر» 46.
وإنما كانت اليمين الغموس بهذه الدرجة؛ لأن صاحبها امتهن من حلف به؛ إذ الحلف يكون في أمر جد، أما هذا فجعل الهزل موطن الجد، فكأنه احتقر من حلف به، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن اليمين يكون الغرض منها تأكيد الكلام وتوثيقه، مما يجعل المخاطب يصدق ما يقال له، ويذعن لخصمه في الوقت الذي هو كاذب محتال، فتضيع الحقوق، وتميع الحقائق، ويختلط الحق بالباطل، وهذه اليمين عادة المنافقين، وديدن الفاسقين، وعادة المستهترين، فما أجرأهم على اسم الله تعالى، حتى رأينا منهم في زماننا هذا من يقفون على أبواب المحاكم يشهدون زورًا، ويحلفون فجورًا، يتربحون بذلك، فيشترون الدنيا بالآخرة، يغدون في صباحهم على الحنث عازمين، وعلى الكذب مجترئين، ويروحون فرحين مسرورين، ولا يشعرون أنهم باؤوا بغضب عظيم، وسخط جسيم، لا يبالون بأن يقتل إنسان بسبب يمينهم، أو يسجن آخر جراء إجرامهم؛ لذلك كان رأي الجمهور أنها أعظم من أن تكفر بكفارة ضئيلة، ودراهم قليلة، بل أمرها إلى الله، فإذا أراد التوبة لا بد وأن يحسن توبته، ويظل يعيش بين خوف ورجاء، تؤرقه يمينه، وتنغص عليه حياته، فهي يمين مكر وخديعة، لا يرضى بها ذو مروءة، حسبنا الله ونعم الوكيل.
ورغم اتفاق العلماء على حرمة هذه اليمين، إلا أنهم اختلفوا فيها، هل لها كفارة أم لا، وسوف يأتي تفصيل القول في ذلك في موضعه إن شاء الله.
صيغ القسم نوعان:
«فالصريح يكون مع الإتيان بلفظ الحلف، كقوله: أحلف بالله لأفعلن كذا، وأقسم بالله لأفعلن كذا، ومع الإتيان بحرف من حروف القسم، وهي الواو، كما في قوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ?23?) [الأنعام: 23] .
وبالتاء المثناة، كما في قوله تعالى حكاية عن الخليل عليه السلام: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) [الأنبياء: 57] .