فهرس الكتاب

الصفحة 2135 من 2431

وقال في تفسير قوله تعالى {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} «يجوز أن تكون صديقة مع كونها نبية كإدريس عليه السلام» 50.

والصحيح في هذه المسألة أن مريم عليها السلام ليست نبية وإنما هي صديقة، والدليل على ذلك ما يلي:

1.قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ? فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43) ھ)، فهذا دليلٌ صريحٌ على أن النبوة في الرجال دون النساء.

2.أن مريم وأم إسحاق وأم موسى لم يأت في القرآن تصريح بنبوتهن ضمن من صرح الله بنبوتهم.

3.أن كلام الملائكة لمريم عليها السلام لا يعد دليلا على ثبوت نبوتها، إذ النبوة هي وحى من الله تعالى لنبي من الأنبياء بكيفية مخصوصة، وبواسطة الملك، كما أن كلام جبريل لها لم يكن برسالة أو نبوة بمفهومها الشرعي وإنما كان بأمر من الله تعالى وبشارة منه سبحانه وكلام الملائكة لأم إسحاق لم يكن إلا بشارة لها، والحكمة في الكلام المباشر أن البشارة تعظم في النفس بعظم المبشر بها.

4.أن الإلهام كما يقع للأنبياء فقد يقع للأولياء، ويكون في حقهم كرامة وليس بمعجزة، والرؤيا الصالحة نوع من أنواع الوحي (الإلهامي) ولم يقل أحد أن كل من رأى رؤيا صالحة فهو نبي.

5.أن الوحي بمعناه الأعم: إعلام الله تعالى، جاء في القرآن الكريم في مواضع كثيرة ولم يقل أحد أنه نبوة. قال تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى? فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ?) [فصلت: 12] . وقال تعالى: (وَأَوْحَى? رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) [النحل: 68] . ولم يقل أحد من العقلاء بنبوة الأرض والسماء ولا بنبوة النحل، إذ أن الوحي بمفهومه اللغوي العام أوسع من معناه الشرعي المخصوص: إعلام الله تعالى لنبي من أنبيائه بواسطة أو بغير واسطة.

6.هذا ولم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة وصفها بالنبوة، وإنما جاء وصفها بأوصاف أخرى تدل على صلاحها وطهرها وصديقيتها. قال تعالى: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) [المائدة: 75] .

بلغ غلو بعض طوائف النصارى في مريم إلى عبادتها والاستغاثة بها والتوسل بها والصلاة لها.

يقول ول ديورانت: «كانت تشير عبادة مريم العذراء في العصور الوسطى إلى ما كان لها من التبجيل وقتذاك» 51.

وفي موضع آخر يقول: بل إن العابد التقي في بلاد البحر الأبيض المتوسط في هذه الأيام يلجأ إلى مريم أكثر مما يلجأ إلى الأب أو الإبن 52.

وفي موضع آخر يذكر «ذلك أن سيريل كبير أساقفة الإسكندرية وصف في موعظة له شهيرة ألقاها في إفسس عام 431، مريم بكثير من العبارات التي كان الوثنيون من أهل تلك المدينة يصفون بها «إلهتهم الكبرى» أرتميس - ديانا دلالة على حبهم إياها» 53.

وقد بين القرآن الكريم أنها عابدةٌ قانتةٌ لله تعالى، مستسلمةٌ لقضائه راضيةٌ بحكمه، وأنها بلغت منازل الصديقين، بصدقها واجتهادها في العبادة.

قال تعالى في سورة المائدة: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ? قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ? وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ? يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(17 ) ) .

فالمسيح عليه السلام بشرٌ رسولٌ، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولو أراد الله أن يهلكه وأمه ومن في الأرض جميعا فلا يملك أحدٌ من الخلق أمرًا، وكل ما في السموات والأرض ملكٌ لله تعالى وتحت قدرته تعالى، لا يقدر أحدٌ من المخلوقين أن يدفع عن نفسه ضرًا أراده الله، فضلا عن أن يدفع عن غيره ما حل به، وفي هذا ردٌ لمن زعم ألوهية مريم أو أضفى عليها شيئا من الخصائص أو الصفات الإلهية.

(مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ? كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ? انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى? يُؤْفَكُونَ) [المائدة: 75] .

فبين الله تعالى القول الحق في المسيح عليه السلام وهو أنه بشرٌ رسول، ونسبته لمريم، لأنه لا أب له، ولو كان له أبٌ لنسب إليه، وإنما خلقه الله بلا أبٍ لحكمةٍ بالغةٍ، تدل على كمال قدرته تعالى، وبديع صنعه، وعيسى عليه السلام بشرٌ رسولٌ، شأنه شأن من سبقه من الرسل، أرسله الله على نهجهم وأقامه على سننهم، وأمه صديقةٌ عابدةٌ، كانا يأكلان الطعام، والحاجة للطعام والشراب غريزةٌ إنسانيةٌ، أما الإله فهو غنيٌ قويٌ، ليس كمثله شيء، فكيف يدعون أنه إله أو ابن إله! فتأمل كيف يقيم الله الحجة عليهم من وجوهٍ عديدةٍ ثم هم يصرفون عن الحق، ويقلبون الحقائق ويقرون الأباطيل! مع جلاء الآيات وتصريفها!

موضوعات ذات صلة:

بنو إسرائيل، زكريا عليه السلام، عيسى عليه السلام، النساء

1 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 358.

2 المصدر السابق 1/ 358.

3 البداية والنهاية 2/ 56.

4 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 368، السيرة النبوية، ابن هشام 2/ 158.

5 في ظلال القرآن 4/ 2395.

6 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 368.

7 مفاتيح الغيب، الرازي 8/ 26.

8 قصص الأنبياء، ابن كثير ص 549.

9 قال القاسمي في محاسن التأويل 4/ 91: قال المفسرون هي في لغتهم بمعنى العابدة، سمتها بذلك رجاء وتفاؤلا أن يكون فعلها مطابقا لاسمها.

وقال ابن حجر في فتح الباري 6/ 541: (مريم) بالسريانية تعني: الخادم.

10 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 3/ 234.

11 انظر: روح المعاني، الألوسي 3/ 136.

12 محاسن التأويل، القاسمي 4/ 92.

13 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب القرعة في المشكلات 2/ 953.

14 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 8/ 43، روح البيان، إسماعيل حقي 1/ 32، روح المعاني، الألوسي 3/ 155، محاسن التأويل، القاسمي 4/ 96.

15 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 8/ 43 روح المعاني، الألوسي 3/ 155، محاسن التأويل، القاسمي 4/ 96.

16 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب فضل خديجة، 5/ 660، رقم 3878. قال الترمذي: حديث صحيح.

17 مفاتيح الغيب، الرازي 8/ 44.

18 انظر: المفردات، الراغب ص 413.

19 روح المعاني، الألوسي 3/ 158.

20 روح المعاني، الألوسي 3/ 158.

21 روح البيان، إسماعيل حقي 2/ 34.

22 انظر: روح المعاني، الألوسي 3/ 160.

23 الكشاف، الزمخشري 1/ 363.

24 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/ 88.

25 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 363.

26 روح المعاني، الألوسي 3/ 162.

27 مفاتيح الغيب، الرازي 8/ 51.

28 انظر: روح المعاني، الألوسي 3/ 163.

29 في ظلال القرآن 1/ 398.

30 أي: ذو عقل وانتهاء عن فعل القبيح. انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير ص 562.

31 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 115.

32 نظم الدرر، البقاعي 4/ 527.

33 أخرجه النسائي في سننه، كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة، رقم 446.

34 ذكره الزمخشري في الكشاف 3/ 11.

35 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 116.

36 حاشية الجمل على الجلالين 3/ 57.

37 مفاتيح الغيب، الرازي 21/ 204.

38 انظر: جامع البيان، الطبري 16/ 54، زاد المسير، ابن الجوزي 5/ 221، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 17، ومفاتيح الغيب، الرازي 21/ 205.

39 أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: (واذكر في الكتاب مريم) ، 4/ 165.

40 انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير ص 565.

41 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/ 99.

42 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء، رقم 2135.

43 مفاتيح الغيب، الرازي 21/ 209.

44 انظر: غرائب القرآن، النيسابوري 16/ 53، مفاتيح الغيب، الرازي 21/ 214.

45 انظر: فتح القدير، الشوكاني 3/ 321.

46 انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم 5/ 17.

47 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/ 83.

48 المصدر السابق.

49 المصدر السابق 4/ 84.

50 المصدر السابق.

51 قصة الحضارة 1/ 482.

52 المصدر السابق 11/ 453.

53 المصدر السابق 16/ 441.

54 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 128.

55 أدب الدنيا والدين، الماوردي ص 195.

56 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/ 66.

57 التحرير والتنوير، ابن عاشور 3/ 232.

58 الأساس في التفسير، سعيد حوى 2/ 762.

59 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم) ،4/ 165.

60 نظم الدرر 2/ 72.

61 المصدر السابق.

62 البحر المحيط 2/ 336.

63 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/ 86.

64 شرح العقيدة الطحاوية، شرح ابن أبي العز ص 495.

65 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 491.

66 المصدر السابق.

67 البحر المحيط 6/ 132.

68 المحرر الوجيز، ابن عطية 4/ 14.

69 روح المعاني، الألوسي 16/ 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت