وفي هذا يقول صاحب الظلال رحمه الله: «إن التخلي عن تكاليف الأمة المسلمة في الأرض خيانة لله والرسول. فالقضية الأولى في هذا الدين هي قضية: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» ، قضية إفراد الله سبحانه بالألوهية والأخذ في هذا بما بلّغه محمد صلى الله عليه وسلم وحده، ومن هنا كان التخلي عنها خيانة لله والرسول يحذّر الله منها العصبة المسلمة التي آمنت به وأعلنت هذا الإيمان، فأصبح متعيّنًا أن تجاهد لتحقيق مدلوله الواقعي والنهوض بتكاليف هذا الجهاد في الأنفس والأموال والأولاد.
كذلك يحذّرها خيانة الأمانة التي حملتها يوم بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام.
فالإسلام ليس كلمة تقال باللسان، وليس مجرد عبارات وأدعيات، إنما هو منهج حياة كاملة شاملة تعترضه العقبات والمشاق. إنه منهج لبناء واقع الحياة على قاعدة أن لا إله إلا الله، وذلك برد الناس إلى العبودية لربهم الحق وردّ المجتمع إلى حاكميته وشريعته، وردّ الطغاة المعتدين على ألوهية الله وسلطانه من الطغيان والاعتداء وتأمين الحق والعدل للناس جميعًا، وإقامة القسط بينهم بالميزان الثابت، وتعمير الأرض، والنهوض بتكاليف الخلافة فيها عن الله بمنهج الله.
وكلها أمانات من لم ينهض بها فقد خانها، وخاس بعهده الذي عاهد الله عليه، ونقض بيعته التي بايع بها رسوله» 49.
وتلك أهم زاوية من زوايا الأمانة، وأعمق تعريف لها؛ لأنه يشمل كل التعاريف السابقة ويزيد عليها بيان مسؤولية الأمة عن ريادة العالم، وقيامها بمهمتها التي ندبها الله لها.
سادسًا: خيانة العهد:
لقد رسم القرآن الكريم للبشرية منهاجًا من الوفاء، لو اتبعته وسارت به لعزت في الدنيا ونجت في الآخرة، وتوالت وصايا القرآن الكريم مشدّدة على الوفاء بالعهد والبعد عن خيانته، فقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34] .
وحذّرهم من نقضه والانقلاب عليه، ونبّههم إلى أن هذا العهد عهد مع الله، وأن الله كفيل عليهم، فقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91] .
ووصف المؤمنين المفلحين بأنهم: {لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8] .
وفي خيانة العهد تحدث القرآن الكريم مبيّنًا ضرره وخطره ومنهجية التعامل معه، كما يرد في عاقبتهم ومنهجية التعامل معهم، وورد هذا في قوله تعالى مخاطبًا الرسول صلى الله عليه وسلم: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً} [الأنفال: 58] .
وقد نص المفسرون على أن الخيانة هنا: خيانة العهد، يقول الإمام الماوردي رحمه الله: «قوله عز وجل: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً} يعني: في نقض العهد.
{فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} أي: فألق إليهم عهدهم حتى لا ينسبوك إلى الغدر بهم. والنبذ هو الإلقاء» 50.
لقد ربط القرآن الكريم بين الكفر ونقض العهد والخيانة فيه؛ تفظيعًا له، وبيانًا لما هو فيه من شر وضرر، فقال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 55 - 58] .
وبيّن للنبي أنه إن شعر منهم بالنقض أو بوادره ينبذ إليهم على سواء؛ ذلك أن الله لا يحب الخائنين، حتى ولو كان ذلك الفعل مع الكفار.
وعلى {سَوَاءٍ} هنا بمعنى: البيان والوضوح، ذكر ابن عادل الحنبلي في الموضع الرابع من مواضع معنى كلمة سواء: أنها «بمعنى: البيان» 51.
لقد حذّر القرآن النبي من خيانة الخائنين، ومكر الماكرين، وبيّن له أن تلك سمتهم وهذا ديدنهم، فقال له: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} [المائدة: 13] .
{عَلَى خَائِنَةٍ} أي: على معصية، وكانت خيانتهم نقض العهد، ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، وهمّهم بقتله وسمه، ونحوها من الخيانات الّتي ظهرت منهم.
وبيّن أن هذه الخيانة طبع اليهود، لا يغادرونها ولا تغادرهم، {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} يعني: مكرهم وغدرهم لك ولأصحابك 52.
وقال مجاهدٌ وغيره: يعني بذلك تمالؤهم على الفتك بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم 53.
وتلك من خلائقهم التي ورثوها ممن قبلهم وورّثوها أولادهم وأحفادهم، والواقع المنظور خير دليل على ذلك.
المتتبع لآيات القرآن الكريم في قضية الخيانة يجد أنها رسمت في التعامل مع الخائنين منهاجًا واضح المعالم، بيّن القسمات، لو طبّقته الأمة المسلمة في التعامل معهم لنجوا من تكرار الخيانة في واقعهم، ولابتعدوا عن الوقوع فيها أفرادًا وجماعات، وشعوبًا وحكومات؛ ذلك المنهاج الحق، والطريق الصدق يتلخص في النقاط الآتية:
أولًا: عدم المدافعة عنهم:
وأول طريقة من طرق التعامل مع الخائنين هي عدم المدافعة عنهم، أو التستر عليهم؛ حتى لا ينبت هذا الداء العضال في أوصال المسلمين، أو يعشّش في بيوتهم وقلوبهم، وهو المجتمع الذي يتغيا الصفاء، ويبغي الطهر، ويسعى نحو الكمال البشري، ويبدو من ملامح الآية الكريمة التي تناولت تلك المنهجية، ومن خلال أسباب نزولها، أنها وقعت في أفراد من بين ثنايا المجتمع المسلم، قام به واحد، وشاركه آخرون، وسعى في الدفاع عنه غيرهم، فنزلت الآيات الكريمة -كما سيأتي- تبيّن للجميع منهاجية القرآن العادلة في التعامل معهم.
ولنا أن نقف أمام الآية الكريمة التي تناولت تلك المنهجية؛ حتى يتسنى لنا تبيّن معالم وملامح منهجية التعامل مع الخائنين، وسنجد الآية الكريمة تخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم قائلة: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [النساء: 105 - 109] .
وأول ما نقف أمامه من تلك الآية الكريمة هو سبب نزولها؛ حتى يتسنى لنا تبيّن الجو الذي نزلت فيه زمانًا، ومكانًا، وأفرادًا، فقد نزلت الآية في المدينة بمجتمعها الذي يجمع أنماطًا من الناس: مؤمنين ومسلمين ومشركين ويهود ومنافقين، حتى يكون هذا نموذجًا للمجتمع الجامع الذي يتعايش فيه الناس، متوحّدين على قاسم مشترك، مهما تباينت رؤاهم، واختلفت توجهاتهم، وتنزل الآيات تبيّن الحكم الفصل الذي ينطبق على الجميع بما أن قيادة هذا المجتمع في أيدي المسلمين القيمين على البشرية بما أوتوا من مؤهّلات تضعهم في الصدارة، وتعينهم على إقامة القسط والحكم بالعدل، ولو على أنفسهم والأقربين، كما سيتضح ذلك جليًّا في تضاعيف معالجة القرآن لهذا التعامل في قضية الخيانة.
وتذكر كتب التفسير وعلوم القرآن إجماعًا على نزول هذه الآيات في طعمة بن أبيرق، كما قال الإمام الكرماني: «أجمع المفسرون على أن هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر بن الحرث، إلا ابن بحر فإنه قال: نزلت في المنافقين» 54.
وفصّل ابن العربي سبب النزول «بأن بني أبيرق سرقوا طعام رفاعة بن زيد، واعتذر عنهم قومهم بأنهم أهل خير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتادة بن النعمان ذلك، فطالبهم عن عمه رفاعة بن زيد، فقال رفاعة: الله المستعان، فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ونصر رفاعة وأخزى الله بني أبيرق بقوله: {بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} أي: بما أعلمك، وذلك بوحي أو بنظر» 55.
كما يتبدّى أيضًا من متابعة سبب النزول أن الآية نزلت نصرة ليهودي على مسلم؛ لأن الحق في جانب اليهودي، وفي ذلك من ملامح قيام الأمة الممثّلة في رسولها صلى الله عليه وسلم على إقامة الحق ما فيه، والمتأمل لسياق الآية ودلالات السياق والسباق واللحاق يجد ذلك بيّنًا، فصدر الآية يؤكد للرسول صلى الله عليه وسلم أنه أنزل إليه الكتاب ليحكم بين الناس بالحق، ولك أن تتأمل {بَيْنَ النَّاسِ} وليس بين المسلمين فقط، «إنه مطلب تكليفي من الله للمسلمين حتى يشيع في كل الناس، ولا يخص المؤمنين يتعاملون به فيما بينهم، وإنما يشمل أيضًا ما بين المؤمنين والكافرين، وما بين الكافرين بعضهم مع بعض إن ارتضوا حكم رسول الله، وحينما أمر الحق رسوله أن يحكم بين الناس فذلك الحكم يقتضي عدم تمييز المؤمن على الكافر؛ لأن المسلمين هم القوّام، وهم خير أمة أخرجها الله للناس كافة. ولو فهم الناس أن خير الأمة الإسلامية عائد عليهم لما حاربوها. فنحن -المسلمين- لسنا خيرًا لأنفسنا فقط، ولكننا أمة لخير الناس جميعًا» 56.
وكما قال المفسرون: «وفي هذه الآية تشريف للرسول صلى الله عليه وسلم، وتفويض الأمور إليه بقوله: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} 57.
إن الإسلام -والقرآن دستوره الخالد- يمتلك منهاج ريادة البشرية، والقدرة على العبور بها إلى بر الأمان، دون تفريق بين دين ودين، أو جنس وجنس، أو فصيل و فصيل، إن اليهود هم من أسسوا: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} ، ولكن الإسلام بما أنه كلمة الله الخاتمة إلى أهل الأرض يضع قانونًا عادلًا، ومنهاجًا وسطًا، الناس جميعهم أمامه سواء.
وكما قال شوقي في همزيته 58:
الله فوق الخلق فيها وحده
والناس تحت لوائها أكفاء
وإن خطابات القرآن الكريم للنبي صلى الله عليه وسلم ترد في صورة حانية، هادئة، حتى في مواطن العتاب يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بصيغ أهدأ وألطف، حتى يخاطبه بصيغة الغيبة في عتابه في ابن أم مكتوم: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} [عبس: 1 - 2] .
ويقدم العفو قبل بيان العتاب في: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} في موطن آخر، أما هنا فالخطاب بصورة مباشرة، وبصيغة لافتة.
وإذا كان هذا الخطاب والتنبيه للنبي بتلك الصورة فهو لأمته من باب أولى، «إننا نحس في التعبير صرامة، يفوح منها الغضب للحق، والغيرة على العدل، وتشيع في جو الآيات وتفيض منها، وأول ما يبدو هذا في تذكير رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنزيل الكتاب إليه بالحق ليحكم بين الناس بما أراه الله، وإتباع هذا التذكير بالنهي عن أن يكون خصيمًا للخائنين، يدافع عنهم ويجادل. وتوجيهه لاستغفار الله سبحانه عن هذه المجادلة.
ثم تكرار هذا النهي، ووصف هؤلاء الخائنين، الذين جادل عنهم صلى الله عليه وسلم بأنهم يختانون أنفسهم، وتعليل ذلك بأن الله لا يحب من كان خوّانًا أثيمًا.
وهم خانوا غيرهم في الظاهر، ولكنهم في الحقيقة خانوا أنفسهم، فقد خانوا الجماعة ومنهجها، ومبادئها التي تميّزها وتفردها، وخانوا الأمانة الملقاة على الجماعة كلها، وهم منها.
ثم هم يختانون أنفسهم في صورة أخرى، صورة تعريض أنفسهم للإثم الذي يجازون عليه شر الجزاء، حيث يكرههم الله، ويعاقبهم بما أثموا، وهي خيانة للنفس من غير شك.
وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم، هي تلويث هذه الأنفس وتدنيسها بالمؤامرة والكذب والخيانة» 59.
لكن هل كان هؤلاء الذين دافعوا عن أبيرق يعلمون خيانته؟
إن المفسرين يقولون: إنهم «لم يكونوا أيضًا على يقين من أمر الخائن وسرقته، ولكنه لم يكن لهم الحكم جائزًا على اليهودي بالسرقة لأجل وجود الدرع في داره» 60.
وهذا يدل على أنه غير جائز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة أمره؛ لأن الله تعالى قد عاتب نبيه على مثله وأمره بالاستغفار منه، وهذه الآية وما بعدها من النهي عن المجادلة عن الخونة إلى آخر ما ذكر كله تأكيد للنهي عن معونة من لا يعلمه حقًّا 61.
لكن أكان النبي صلى الله عليه وسلم هو المخاطب أصالة بهذا الخطاب أم كان المقصود من الخطاب أمته، وصدور الخطاب بهذه الصورة لشخص النبي صلى الله عليه وسلم مقصود به تفخيم الأمر والتنبيه على خطورته؟
يرى بعض المفسرين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد شيئًا من ذلك، ولا علم له بالواقعة، لولا أطلعه تعالى، وعليه فلا نقص في اهتمامه، ولا درك يلحقه، وأن الآية خرجت مخرج التعريف بحقيقة الأمر في النازلة 62.
ويرى بعضهم أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، كقوله: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} «والنبي لا يشك مما أنزل الله، فإن قيل: قد أمر بالاستغفار، قلنا: هو لا يوجب وجود الذنب، ولا يجب أن يستغفر كما أمر في سورة الفتح بالاستغفار من غير ذنب مقدّم» 63.
وعلى كل حال فلا ينافي أن يكون الرسول مخاطبًا بذلك أصالة مقام النبوة؛ فهو صلى الله عليه وسلم بشر يوحى إليه، ولعل كون الخطاب له يشعر بعدالة السماء، فإذا كان القرآن قد تعامل مع أفضل الخلق بهذا فغيره من باب أولى.
كما يبدو من الآية أن من منهاج التعامل مع الخائنين عدم جواز المجادلة عنهم، وعدم جواز مجادلتهم هم عن أنفسهم؛ إذ كانت خائنة، «لها في السر أهواء وأفعال باطنة تخفى على الناس، فلا يجوز المجادلة عنها، فالاعتذار عن النفس بالباطل والجدال عنها لا يجوز» 64.
ثانيًا: طرح عهودهم:
أما الملمح الثاني من ملامح منهج التعامل مع الخائنين، فيكمن في طرح عهودهم، ونبذ معاهداتهم، وهذا ما بيّنه قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58] .
وهذا واضح فيه أنه في جانب الدول والأمم، حيث المعاهدات والمواثيق، وإن لم ينص المفسرون على هذا المعنى صراحة، لكن ورود العهد والنبذ والحرب وتشريد بهم من خلفهم يوحي بكونها في جانب الأمم والدول.
ومعنى {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} : أعلمهم بأنّك قد نقضت عهدهم حتّى يبقى علمك وعلمهم بأنّك حربٌ لهم، وهم حربٌ لك، وأنّه لا عهد بينك وبينهم على السّواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك» 65.
ومن تتبّع كلام المفسرين في معنى {سَوَاءٍ} {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} يبين لنا أنها تدل على واحد من خمسة معان: أحدها: على مهل. والثاني: على محاجزة مما يفعل بهم. والثالث: على سواء في العلم حتى لا يسبقوك إلى فعل ما يريدونه بك. والرابع: على عدل من غير حيف، أي: إلى العدل. والخامس: على الوسط 66.
ومما يشعر بالجانب الحضاري في هذا الدين أن عدم حب الله للخائنين ليس مقصورًا على الخائنين للمسلمين فحسب، بل مطلق الخائنين، أي: «حتّى ولو في حق الكافرين، لا يحبّها أيضًا» 67.
ولقد عاش الجيل القرآني الفريد هذا المعنى القرآني، وطبّقه في تعاملاته، حتى كانوا نماذج تحتذى للبشرية كلها، وفخرًا حقيقيًّا لكل مسلم على كرّ الدهور والعصور، فعن سليم بن عامر قال: «كان معاوية يسير بأرض الروم وكان بينهم وبينه أمد، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدّها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء) فبلغ ذلك معاوية فرجع، وإذا الشيخ عمرو بن عبسة» 68.
والمراد من خوف الخيانة ظهور آثارها، أو الإحساس ببدايتها، وليس ظن الخيانة، وليس الانتظار حتى يتمكن الخائنون، والنموذج التطبيقي لذلك ما حدث من بني قريظة في مظاهرتهم أبا سفيان ومن معه من المشركين 69 وذلك في غزوة الأحزاب.
وهذا هو ثبات المعايير، وصدق المبادئ في حضارة الإسلام، مع العدو والصديق، والقريب والبعيد، وتلك من مؤهلات الشهود الحضاري، الذي اختصت به أمة الإسلام.
ودلت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة المحققة منهم لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدهم؛ لأنه لم يخف منهم، بل علم ذلك، ولعدم الفائدة، ولقوله: {عَلَى سَوَاءٍ} وهنا قد كان معلومًا عند الجميع غدرهم. ودل مفهومها أيضًا أنه إذا لم يخف منهم خيانة، بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته 70.
«إن الإسلام يعاهد ليصون عهده، فإذا خاف الخيانة من غيره نبذ العهد القائم جهرة وعلانية، ولم يخن ولم يغدر ولم يغش ولم يخدع، وصارح الآخرين بأنه نفض يده من عهدهم، فليس بينه وبينهم أمان.
وبذلك يرتفع الإسلام بالبشرية إلى آفاق من الشرف والاستقامة، وإلى آفاق من الأمن والطمأنينة، إنه لا يبيت الآخرين بالهجوم الغادر الفاجر وهم آمنون مطمئنون إلى عهود ومواثيق لم تنقض ولم تنبذ، ولا يروّع الذين لم يأخذوا حذرهم حتى وهو يخشى الخيانة من جانبهم.
فأما بعد نبذ العهد فالحرب خدعة؛ لأن كل خصم قد أخذ حذره، فإذا جازت الخدعة عليه فهو غير مغدور به إنما هو غافل! وكل وسائل الخدعة حينئذ مباحة؛ لأنها ليست غادرة! إن الإسلام يريد للبشرية أن ترتفع، ويريد للبشرية أن تعف، فلا يبيح الغدر في سبيل الغلب، وهو يكافح لأسمى الغايات وأشرف المقاصد، ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة.
إن الإسلام يكره الخيانة، ويحتقر الخائنين الذين ينقضون العهود، ومن ثمّ لا يحب للمسلمين أن يخونوا أمانة العهد في سبيل غاية مهما تكن شريفة، إن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة، فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة، وليس مسلمًا من يبرّر الوسيلة بالغاية، فهذا المبدأ غريب على الحس الإسلامي والحساسية الإسلامية؛ لأنه لا انفصال في تكوين النفس البشرية وعالمها بين الوسائل والغايات.
إن الشط الممرع لا يغري المسلم بخوض بركة من الوحل، فإن الشط الممرع لابد أن تلوّثه الأقدام الملوثة في النهاية، من أجل هذا كله يكره الله الخائنين ويكره الله الخيانة.
ويجب أن نذكر أن هذه الأحكام كانت تتنزل والبشرية بجملتها لا تتطلع إلى مثل هذا الأفق المشرق. لقد كان قانون الغابة هو قانون المتحاربين حتى ذلك الزمان، قانون القوة التي لا تتقيد بقيد متى قدرت» 71.
ثالثًا: التنكيل بهم:
ومن منهجية التعامل مع الخائنين التي رصدها القرآن الكريم، ودل عليها صريح الآيات وبيّنها سياقها أننا بعد النبذ إليهم على سواء، لابد من مناجزتهم، وعدم تركهم يعيثون في الأرض فسادًا، يفرّخون فسادهم، ويدبّرون مكائدهم، فمن أمن العقوبة أساء الأدب، كما قالوا في أدبنا العربي؛ ولذلك تجد الآية السابقة عليها في نفس سياقها تقول: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأنفال: 57] .
والمعنى: «نكّل بهؤلاء الذين جاءوا لحربك أو نقضوا عهدك تنكيلًا يفرّق بينهم من خلفهم من جماعاتهم» 72.
ذلك أن من الناس من لا يرعوي حتى يرى العقوبة ماثلة، بل في ذلك ما يجعلهم عبرة لكل من يجترأ على حرمات الديار وخفر الذمار، كما ختمت الآية بـ {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} «أي: لعل المشردين يتعظون بما شاهدوا ما نزل بالناقضين، فيرتدعوا عن النقض أو عن الكفر» 73.