أولًا: المعنى اللغوي:
«الواو والقاف والتاء: أصلٌ يدل على حد شيءٍ وكنهه في زمان وغيره، منه الوقت: الزمان المعلوم، والموقوت: الشيء المحدود» 1، ووقت الشيء بالتخفيف فهو موقوتٌ إذا بين له وقتا ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] .
أي: مفروضا في الأوقات، والتوقيت تحديد الأوقات، ويقال: وقته ليوم كذا توقيتًا مثل أجله، ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) } [المرسلات:11] 2، وفي لسان العرب: «الوقت: مقدار من الزمان، وكل شيء قدرت له حينا، فهو مؤقت، وكذلك ما قدرت غايته، فهو مؤقت.» 3 وقال الكفوي: «الوقت، لغة: المقدار من الدهر، وأكثر ما يستعمل في الماضي كالميقات، ونهاية الزمان المفروض لعمل، ولهذا لا يكاد يقال إلا مقيدا.» 4
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
بالنظر في أقوال العلماء في الدلالة اللغوية والاصطلاحية للوقت نجد أنه لا فرق بينهما، فالوقت هو الدهر، وهو حياة الإنسان التي ينبغي أن تعمر بالطاعات، وهو المقدار من الزمان، ولا يكاد يذكر إلا مقيدًا، مثل أوقات العبادات كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وآجال أداء الديون والحقوق، وعدد النساء.
وردت مادة (وقت) في القرآن الكريم (13) مرة 5.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 1 ... {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) } [المرسلات:11]
المصدر ... 3 ... {إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) } [الحجر:38]
اسم ... 8 ... {فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) } [الشعراء:38]
اسم مفعول ... 1 ... {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) } [النساء:103]
وجاء في القرآن بمعناه في اللغة وهو: الزمان المعلوم. والموقوت: الشيء المحدود 6.
والميقات: الوقت المضروب للفعل 7.
الأوان:
الأوان لغةً:
الحين والزمان، والجمع: آونة مثل: زمان وأزمنة، تقول: جاء أوان البرد 8، و «آن الشيء أينًا حان» 9.
الأوان اصطلاحًا:
«أوان الشيء: وقته الذي يوجد فيه وجمعه آونة» 10، و (الأوان) أعم من (الوقت) .
الصلة بين الأوان والوقت:
أن (الوقت) : مقدار من الزمان مفروض لأمر ما، و (الأوان) : الحين، وهو الزمان قل أو كثر، وسواء كان مفروضا أم لا، فكل وقت أوان دون العكس 11، ولذلك يقال عن الأمر الذي يقع بشكل غير منتظم زمانيا: أحيانا يقع كذا، أما الأمر الذي يقع بانتظام زمانيا فيقال عنه: في وقت كذا يقع.
الميقات:
الميقات لغةً:
«مصدر (الوقت) » 12.
الميقات اصطلاحًا:
«الوقت المضروب للشيء، والوعد الذي جعل له وقت وقد يقال الميقات للمكان الذي يجعل وقتا للشيء، كميقات الحج» 13.
الصلة بين الميقات والوقت:
أن الميقات: ما قدر ليعمل فيه عمل من الأعمال، وأما الوقت فهو: وقت الشيء قدره مقدر، أو لم يقدره 14.
الدهر:
الدهر لغةً:
«الزمان» 15 قال ابن فارس: «الدال والهاء والراء أصل واحد، وهو الغلبة والقهر. وسمي الدهر دهرا؛ لأنه يأتي على كل شيء ويغلبه» 16.
الدهر اصطلاحًا:
اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه وعليه قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) } [الإنسان:1] .
ثم عبر به عن كل مدة كثيرة 17.
الصلة بين الدهر والوقت:
أن الدهر يعبر به عن كل مدة كثيرة، بخلاف الوقت فإنه يقع على المدة القليلة والكثيرة، ويقال: دهر فلان: مدة حياته.18.
الساعة:
الساعة لغةً:
قال ابن فارس: «السين والواو والعين يدل على استمرار الشيء ومضيه من ذلك الساعة سميت بذلك» 19.
الساعة اصطلاحًا:
هي جزء من أجزاء الزمان، قال الراغب: «الساعة جزء من أجزاء الزمان، ويعبر به عن القيامة» 20.
الصلة بين الساعة والوقت:
أن الساعة هي الوقت المنقطع من غيره، والوقت اسم الجنس ولهذا تقول إن الساعة عندي ولا تقول الوقت عندي» 21.
الحين:
الحين لغةً:
«الزمان قليله وكثيره» 22.
الحين اصطلاحًا:
«وقت بلوغ الشيء وحصوله، وهو مبهم المعنى ويتخصص بالمضاف إليه» 23.
الصلة بين الحين والوقت:
الوقت قدر من الزمان مفروض مميز من جملته، مشار إليه بعينه، وكذلك الحين هو مدة أطول من الوقت وأفسح وأبعد، وإنما تقترن أبدا هاتان اللفظتان بما يميزهما ويفصلهما من جملة الزمان الذي هو كل لهما، فيقال: وقت كذا وحين كذا، فينسب إلى حال أو شخص أو ما أشبه ذلك.
فإذا أريد بهما الإبهام لا الإفهام قيل: كان كذا أو يكون كذا في حين أو وقت، فيعلم السامع أن المتكلم لم يؤثر تعيين الوقت والحين، وهما لا محالة معينان محصلان 24.
العصر:
العصر لغةً:
الدهر، وجمعه: عصور، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) } [العصر:1 - 2] 25، أي: الدهر.
العصر اصطلاحًا:
«العصر: الدهر واليوم والليلة والعشاء إلى احمرار الشمس» 26.
الصلة بين العصر والوقت:
الوقت هو مقدار من الزمان مفروض لأمر ما، وأما العصر فهو الزمن والظرف الذي يملؤه الإنسان في حياته بعمله.
أولًا: الوقت نعمة إلهية:
من أجل نعم الله تعالى على الإنسان في حياته نعمة الوقت، والتي لولاها لما تمكن من القيام بأي عمل ينتفع به في دنياه أو آخرته، فبالوقت واستغلاله يؤدي العبادة لخالقه ويتقرب إليه، بل إن في الوقت فرصة متاحة له إن كان معرضا عن عبادة الله وطاعته لكي يتوب ويؤوب إليه، وبالوقت أيضًا يتمكن من العمل والإنتاج، فالوقت ساحة العمل والانتفاع وميدان للجد والاجتهاد.
وقد أوضح الله تعالى في كتابه العزيز عظم نعمة الوقت وتنظيمه في عدة مواضع، وبين أن ذلك من آياته الباهرة لعباده، ورحمته الواسعة بهم.
قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) } [إبراهيم:33 - 34] .
فامتن الله تعالى على عباده بتسخير الليل والنهار والشمس والقمر لتنتظم أمور حياتهم وأعمالهم.
قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) } [الإسراء:12] .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها مخالفته بين الليل والنهار، ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار للمعايش والصناعات والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك؛ ولهذا قال: {لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} ، أي: في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك، {وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} ، فإنه لو كان الزمان كله نسقا واحدا وأسلوبا متساويا لما عرف شيء من ذلك» 27.
فالليل والنهار نعمتان عظيمتان على الإنسان، ولا غنى له عن أحدهما، فتتعذر حياة الإنسان والحيوان والنبات لو كان الليل سرمدًا إلى يوم القيامة، وكذا تتعذر الحياة لو كان النهار سرمدًا إلى يوم القيامة.
قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) } [القصص:71 - 72] .
والمعنى: «أخبروني من يقدر على هذا؟ والسرمد: الدائم المتصل، من السرد وهو المتابعة» 28.
وفي الآيتين السابقتين امتن الله تعالى على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار، اللذين لا قوام لهم بدونهما. وبين لهم أنه لو جعل الليل دائما عليهم سرمدا إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم، ولسئمته النفوس، ولهذا قال تعالى: {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ} أي: تبصرون به وتستأنسون بسببه، ثم أخبر أنه لو جعل النهار سرمدا دائما مستمرا إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم، ولتعبت الأبدان وكلت من كثرة الحركات والأشغال؛ ولهذا قال: {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} أي: تستريحون من حركاتكم وأشغالكم 29.
قال الزمخشري: «فإن قلت: هلا قيل: بنهار تتصرفون فيه، كما قيل: {بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} ؟
قلت: ذكر الضياء وهو ضوء الشمس: لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة، ليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة، ومن ثمة قرن بالضياء {أَفَلَا تَسْمَعُونَ} لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل {أَفَلَا تُبْصِرُونَ} لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره. وأنت من السكون ونحوه ومن رحمته زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة: لتسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضل الله في الآخر وهو النهار ولإرادة شكركم» 30.
قال تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) } [القصص:73] .
وقال تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) } [الرحمن:5] .
أي: بحساب دقيق، وتقدير حكيم بحيث لا يشوب جريهما اختلال أو اضطراب 31، «يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها، ويدلان بذلك على عدد الشهور والسنين» 32 والأيام، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد ٌكيف يحسب لأن الدهر يكون كله ليلا أو نهارا. فالشمس والقمر يجريان بحساب ومنازل محكمة ليعرف الإنسان بذلك شهر الصوم، وأشهر الحج، ويوم الجمعة، وعدد النساء اللاتي تعتد بالشهور، كاليائسة والصغيرة والمتوفى عنها زوجها 33، ومدة الحمل، ومدة الرضاعة، ومدة الإجارة، وآجال الخلائق، وتاريخ الأمم والشعوب، وغير ذلك من الأمور المستفادة معرفتها من جريان الشمس والقمر، وهو من تيسير الله تعالى على خلقه في أمور حياتهم، ومن مظاهر رحمته تعالى بهم، كما يشهد له مطلع السورة: {الرَّحْمَنُ (1) } [الرحمن:1] .
أي: الرحمن هو الذي أنعم بذلك، ولذلك يكثر في هذه السورة قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) } [الرحمن:13] .
حيث تكرر واحدًا وثلاثين مرة فيها.
وقد أنعم الله تعالى على خلقه بتنظيم أوقاتهم وجعلها أياما وشهورا وسنين، ليعلموا من ذلك ما مضى من أعمارهم وأوقاتهم، وليتنبهوا إلى اقتراب آجالهم، ودنو حسابهم، فيكون ذلك دافعا وحافزا لهم على العمل والجد والاستعداد ليوم الحساب.
ثانيًا: الوقت مسؤولية:
وهذه النعمة العظيمة على الإنسان في تنظيم وقته سيسأله الله تعالى عنها.
قال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) } [التكاثر:8] .
والنعيم لفظ عام، فهو يشمل كل ما يتنعم به الإنسان في الدنيا، سيسأل عنه يوم القيامة 34.
والوقت من أجل النعم، وقد أورد الإمام ابن كثير رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإشارة إلى نعمة الوقت والحث على اغتنامها: عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبونٌ 35 فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ) 36.
ثم قال ابن كثير: «ومعنى هذا: أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه، فهو مغبون» 37.
فالوقت نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على عباده، سيسألهم عنها وما عملوا فيها، ومن اللطائف أن السورة التي تلت هذه الآية من سورة التكاثر في المصحف، هي سورة العصر، وفي مطلعها قسمه تعالى بالعصر: {وَالْعَصْرِ (1) } [العصر:1] .
وهو الوقت، وفي ذلك إشارة إلى نعمة الوقت ودخوله في النعيم المسؤول عنه يوم القيامة.
وفي الحديث عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه) 38.
فالواجب على العبد حتى ينجو بنفسه في ذلك اليوم العصيب، أن يحافظ على قضاء وقته في طاعة الله تعالى، ويقوم بشكر نعمة الله عليه في ذلك.
وقد أمر الله تعالى عباده بالحفاظ على نعمة الوقت وصيانته، ومن ذلك أنه تعالى حرم عليهم الانتحار وقتل النفس بغير الحق عمومًا.
قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء:33] .
وفي ذلك حفظ لحياة الإنسان وعمره ووقته، ومن ذلك أيضًا تحريمه تعالى بعض الأشياء كالخمر والميسر وغيرهما مما فيه إضاعة للوقت ومشغلة عن طاعة الله والتفكر في خلقه.
قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) } [المائدة:91] .
الوقت عمر الإنسان، ورأس ماله، ولولا الوقت لما تعلم متعلم ولا وصل سائر، ولولا الوقت لما بدا من اجتهاد نبي الله نوح عليه السلام في دعوته لقومه ما بدا، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) } [العنكبوت:14] .
ولولا الوقت لما تعجب من قصة أصحاب الكهف من تعجب، {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) } [الكهف:25] .
ولما كان الوقت بتلك الأهمية والقيمة في حياة الإنسان، أشار القرآن الكريم إلى أهميته، لينبه على ضرورة اغتنامه وصرفه فيما ينبغي من العبادات وأعمال البر التي يهدي إليها القرآن الكريم، قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9] .
ومن الإشارات القرآنية التي تدل على أهمية الوقت وفضله ما يلي:
أولًا: القسم بالوقت:
ولعظم مكانة الوقت أقسم الله تعالى به على مختلف أطواره (الليل، والنهار، والفجر، والصبح، والضحى، والعصر) في عدة مواضع من كتابه الكريم، ومما لا شك فيه أن الله تعالى إذا أقسم بأمر فإنما يدل هذا القسم على مكانة المقسم به العالية، وأهميته البالغة، ومنافعه الحسية والمعنوية التي يريد لفت أنظار الناس إليها.
فقد أقسم تعالى بالفجر، قال تعالى: {وَالْفَجْرِ (1) } [الفجر:1] كما أقسم بالصبح في قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) } [المدثر:34] .
وقوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) } [التكوير:18] .
أقسم تعالى بالفجر، الذي هو آخر الليل ومقدمة النهار، لما في إدبار الليل وإقبال النهار، من الآيات الدالة على كمال قدرة الله تعالى، وأنه وحده المدبر لجميع الأمور، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ويقع في الفجر صلاة فاضلة معظمة، يحسن أن يقسم الله بها 39.
قال السعدي: «أقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة» 40.
ومن ذلك قسمه تعالى بالضحى على إنعامه على رسوله صلى الله عليه وسلم وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه، كما في قوله تعالى: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) } [الضحى:1 - 5] .
قال ابن القيم رحمه الله: «فتأمل مطابقة هذا القسم -وهو نور الضحى- الذي يوافى بعد ظلام الليل للمقسم عليه -وهو نور الوحي- الذي وافاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه: ودع محمدًا ربه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه» 41.
ومن ذلك قسمه تعالى بالليل، وقد أقسم الله تعالى به في ثمانية مواضع، سبعة منها بإفراد الليل وهي:
{وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) } [المدثر:33] .
{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) } [التكوير:17] .
{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) } [الانشقاق:17] .
{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) } [الفجر:4] .
{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) } [الشمس:4] .
{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) } [الليل:1] .
{وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) } [الضحى:2] .
وواحد بالجمع وهو قوله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) } [الفجر:2] .
«فهو سبحانه يقسم بالليل في جميع أحواله إذ هو من آياته الدالة عليه» 42.
فالليل فيه السكن والمأوى والهدوء والراحة والستر.
ومن ذلك أيضًا قسمه تعالى بالنهار، فقد أقسم بالنهار في موضعين، قال تعالى: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) } [الشمس:3] .
وقال تعالى: {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) } [الليل:2] .
يعني: النهار إذا جلى الظلمة وأضاء الدنيا 43.
ومن ذلك أيضًا قسمه تعالى بالعصر، كما في قوله: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) } [العصر:1 - 2] .
والعصر: «الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم، من خير وشر» 44، «فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الانسان ومحلها على عاقبة تلك الأفعال وجزائها» 45، وفيه إشارة إلى ضرورة صرف هذا الوقت في طاعة الله، وإلا فإن ضيع وقته في معصية الله فقد خسر أوقاته، وخسر نفسه معها.
ثانيًا: الثناء على مستثمري الوقت:
ومما يبين اهتمام القرآن الكريم بالوقت وعنايته به: ثناؤه على مستثمريه من العباد والصالحين والدعاة وغيرهم من الطائعين لرب العالمين، والآيات في ذلك كثيرة جدًّا.
قال الله تعالى في وصفه المحسنين من عباده: {آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) } [الذاريات:16 - 18] .
كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر، ثم في السحر أخذوا في الاستغفار 46، فمدح الله أفعالهم وانتفاعهم بوقتهم.
قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) } [الزمر:9] .
وقوله في مدح صفوته وأحبائه: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) } [الفرقان:64] .
وقال الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) } [آل عمران:190 - 191] .
إنهم يستغلون أوقاتهم على جميع الهيئات قائمين وقاعدين وعلى جنوبهم، ولذلك كانوا أهلًا لاستجابة الله لهم، وإكرامه لهم، {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران:195] .