فهرس الكتاب

الصفحة 759 من 2431

وفي هذا إشارة إلى ربط نعمة الاستيقاظ بوقت المعاد الأكبر، وحقيقة البعث، وفيه تأكيد على حقيقة القبض والإمساك، وتربية للمؤمن على تذكر الموت حال نومه.

فالنوم في أصله موت صغير، فيه تحضير الناس لموعد الموت الأكبر، فكما أنكم تنامون كل يوم ولا تفيقون إلا بإذن الله تعالى فكذلك الموت هو نوم بإذن الله لا عودة بعده إلى هذه الحياة إلا إلى يوم الحساب؛ لأنه نهاية الطريق في عالم الشهادة، ونقطة البداية في عوالم الآخرة؛ لذا وجب على كل نفس التزود له، فمن يدري في أي لحظة يحل أجله.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34] .

وفي استعمال لفظ (آيات) في قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42] .

دليل على ما تحويه آيتا النوم والموت من أسرار لا يفقهها إلا «من كان مكينًا في علمه ومعرفته، قديرًا على البحث والتمحيص، بصيرًا بخطى الفكر والأنحاء التي قد تفضي إليها نتائج البحث والتقصي» 99، لهذا كانت الخاتمة بالتخصيص لقوم تتوفر فيهم هذه الصفات فيتفكرون فيها.

«فمن تعرف على أسرار النوم، وما يتخلله من أحلام مرعبة ورؤى طيبة مبشرة استطاع أن يتصور الموت وما يصاحبه من أحوال القبر والبرزخ» 100.

وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم الحث على زيارة القبور بعد النهي عنها مخافة دخول الشرك للقلوب؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، فقد قال: (زوروا القبور، فإنها تذكر الموت) 101.

«هذه الزيارة هدفها الأول التذكير بالموت، وترقيق القلب بتذكر الذنوب، ما يجعل الإنسان يعتبر بمن قبله، وما كانوا فيه من نعيم وصحة، ثم صاروا إلى قبور تأويهم، ولم يغن عنهم مالهم ولا جاههم ويسارع بالتوبة، فالموت حقيقة لا يمكن الهروب منها.

قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة: 8] .

ولا حتى العودة بعدها لتصحيح الخطأ، وتصليح العمل، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99 - 101] .

ومع كل هذه المواعظ إلا أن كثيرًا من الناس على كفرهم بالبعث واللقاء».

ويلاحظ أن القرآن قد خاطب الناس في هذه القضية بأدلة عقلية وأمثله واقعية؛ لأنها من دلائل عالم الغيب الذي لا يستطيع الإنسان التكهن به، واستحضار التفكر كعملية عالية من عمليات العقل يشير إلى أهمية الموضوع وأثره في حياة الإنسان وآخرته؛ لتعلقه بدار الابتلاء ودار الجزاء.

سادسًا: التفكر في آيات القرآن الكريم:

إن القرآن العظيم هو معجزة الله الخالدة على الأرض، والمتحدى بها كل البشر، أنزله الله تعالى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، نورًا وهداية للخلق، معجز بألفاظه ومعانيه، لا تنقضي عجائبه لمن يمعنون التفكر في رحاب آياته، ويجيلون العقول والقلوب في أسرار كلماته ونظمه، يقول الإمام السعدي: «ولعلهم يتفكرون فيه فيستخرجون من كنوزه وعلومه بحسب استعدادهم وإقبالهم عليه» 102.

وارتبط التفكر في آيات الذكر بآيتين هما:

قوله تعالى: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] .

وقوله: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] .

فالآية الأولى وردت في معرض بيان وظيفة الرسل، وتأكيد على بشريتهم، ما فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بما كان يتهمه به المشركون، ورد واضح على افتراءاتهم وشبهاتهم التي كانوا يثيرونها حول الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر لما تميزت به دعوات الرسل من الحجج الداحضة، والحقائق الدامغة؛ لتنتهي ببيان دور هذا القرآن في كونه ذكر للإنسان لما فطر عليه، وموعظة للغافلين، وأن الرسول الكريم موضح لما جاء فيه، مفصل لأحكامه.

وتحصيل هذه المعاني لا يكون إلا بالتفكر فيه والتدبر لمعانيه، فجاءت الغاية بالبيان وأسندت للرسول توضيحًا للمهمة الأساسية له كون الناس غير قادرين على فهم مقاصد الشرع وحكمه بأنفسهم؛ لقصور مداركهم عن ذلك، وتسهيلًا لهم بالأخذ به.

والآية الثانية جاءت تتحدث عن عظم تأثير القرآن في النفوس، وتمثيل أثره بصورة محسوسة لعل القلوب تئوب له فتخشع عند تلاوته، وتتدبر معانيه، وتعمل بأحكامه، وتتخذه دستور حياة، قال السعدي: «فإن التفكير فيها يفتح للعبد خزائن العلم، ويبين له طريق الخير والشر، ويحثه على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ويزجره عن مساوئ الأخلاق، فلا أنفع للعبد من التفكر في القرآن، والتدبر لمعانيه» 103.

كما أن من التفكر في آيات القرآن التفكر في عاقبة من لا يتعظ بها أو يعمل بها، وفي هذا تنبيه لعظم الجرم المقترف، فالهدف من إنزال القرآن هو العمل به في ميادين الحياة، وإهمال هذا مخالفة للقرآن الكريم وللمقصد منه، وجاء الحث والترغيب على ذلك بتصوير حال المهمل لأحكام القرآن بحال خسيسة في آية سورة الأعراف؛ لينهض كل فرد ويغير حاله، والمطلوب التفكر العميق في هذه القصة؛ للاعتبار والاتعاظ بها.

ومن النظر في القرآن النظر في نظمه، وهذه خصيصة امتاز بها عن سائر المعجزات، فهو حسن التنسيق، محكم الترتيب، قوي الأثر، سهل الفهم، موسع التفسير، متلاحم النسيج، مترابط الأفكار، ودقيق المعاني، يجعل لقارئه ملكة تمكنه من «تقييم أقواله وأفعاله وحركاته وخطراته وأفكاره ونواياه وجل تصرفاته، ووزنها بذلك الفرقان ... ، فالقرآن يكون بمثابة النموذج المعرفي الكلي للإنسان» 104.

والتفكر في آياته باعث على الخشية الإلهية لما فيه من أوامر ومواعظ وزواجر، كما أن هذه الخشية تجعل الإنسان يتلذذ بمعانيه وتكسبه الإحساس بالأمان والطمأنينة القلبية، والسكون النفسي.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) 105.

وفي هذا تنبيه للإنسان الغافل المعرض عنه؛ كي يتفطن لقسوة قلبه وغلظة طبعه، كما أن فيه إشارة إلى ثبات النبي صلى الله عليه وسلم، وقوته التي امتن الله بها عليه، وجلده في تحمل تبعات التنزيل والبيان.

قال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5] .

فهو مدح للنبي؛ لتحمله ما لا تطيقه الجبال الرواسي {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ جَمِيعًا أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [الرعد: 31] .

والتلاوة لها معنيان:

الأول: قراءة آياته بتحقيق حروفه وصفاتها والتمكن من أحكام تجويده.

والثاني: اتباع آياته بالاستجابة لأوامره، وتحليل حلاله، وتحريم حرامه، والعمل به في الحياة.

وذلك معنى أداء التلاوة بحقها، كما كان عمل الصحابة، وليس مجرد تحريك اللسان بالكلمات والقلب لاهٍ والعقل ساهٍ.

فقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان ابن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: «فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا» .

لذا ينبه ابن تيمية قارئ القرآن على أن يظل «دائم التفكر والتدبر لألفاظه واستغنائه بمعاني القرآن وحكمه عن غيره من كلام الناس، وإذا سمع شيئًا من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن، فإن شهد له بالتزكية قبله وإلا رده» 106.

لأن قراءة القرآن بالتفكر أصل صلاح القلب، ففيه حياة القلوب والأبدان، «فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا، والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله ... ، فإذا قرأه بتفكر ومر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم» 107.

ويعد القرآن قائدًا للعقل، ودليلًا له في معترك الحياة، يأخذ بناصيته إلى النور المبين، والطريق المستقيم، فالعقل ذو رؤية محدودة لا تجاوز الواقع المرئي أمامه، والقرآن هو التفسير السليم الوحيد لحقائق الكون والكاشف للسنن الإلهية فيه، يخاطب العقل على حسب مستواه، ويوقظ الفطرة بأسلوبه السلس، فيحفز النفس على النهوض بتكاليف الأمانة الربانية.

«ولا يخرج كنوزه إلا المتفكرون الذين يكررون الفكرة فيه، ويعيدون النظر مرة بعد أخرى، ويتعاملون معه بالتدبر الطويل ... ؛ إذ إن المتفكر بما يتضمنه من عمق النظر وتكرار الفكر والتأمل هو الكفيل بإخراج شيء من كنوزه المخبوءة» 108.

1.للتفكر ثمرات يجنيها العبد المتفكر منها:

أولًا: الاهتداء إلى وجود الخالق ووحدانيته:

لقد كانت دعوة القرآن الكريم للتفكر والتدبر في آفاق الكون ذات أهمية بالغة، كونها تهدف إلى ترسيخ معنى حقيقة خلق هذا الوجود ومعرفة خالقه، وإدراك عظمة جلاله، وبديع قدرته، والتمعن في عجيب خلقه، ولطيف حكمته؛ لذا فقد عني القرآن ببلورة العقيدة الإيمانية وزرعها في النفس بحيث تكون القاعدة التي ينطلق منها الإنسان في رحلته إلى الكون والحياة؛ قاعدة تحكم أهدافه وتصوراته وقراراته، وهي أول مبادئه في الحياة، فإذا حسنت علاقته بخالقه استطاع أن يحسن علاقاته بكل ما في الكون، وكلما عظم اكتشافه لما في الكون عظمت معرفته بخالق الكون؛ لذا يقول ابن رشد في حسن معرفة الكائنات: «وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم» 109.

هذا ما جعل منهج بناء العقيدة في القرآن يقوم على أساسين متينين:

أولهما: إبطال عبادة غير الله، ونقض الأوهام والخرافات التي تدعو إلى اتباع معتقدات الآباء، وترفع هالة التقديس عن الأفكار والمعتقدات المتوارثة، ببيان الآيات الدالة على ضعف تلك الآلهة.

وثانيها: إثبات وحدانية الله عن طريق الدعوة إلى التفكر، والنظر الدقيق في آفاق الكون وعجائب النفس، والانطلاق من بديع صنعه، ودقة نظامه للوصول إلى وحدانية خالقه وفاطره.

وهذه الحقيقة تمثل أحد مقومات التصور الإسلامي عن هذا الكون والصلة الوثيقة بينه وبين فطرة الإنسان، فقد كان القرآن يستعمل السموات والأرض كدليل وبرهان؛ ذلك أنها أجل وأعظم من دليل النفس.

كما قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [غافر: 57] .

لذا يقول الكندي: «إن في نظم هذا العالم وترتيبه وفعل بعضه في بعض، وانقياد بعضه لبعض، وتسخير بعضه لبعض، وإتقان هيئته على الوجه الأصلح في كون كل كائن، وفساد وثبات كل ثابت، وزوال كل زائل؛ لأعظم دلالة على أتقن تدبير، ومع كل تدبير مدبر، وعلى أحكم حكمة، ومع كل حكمة حكيم» 110.

والقرآن لا ينفك يوجه الأنظار والعقول والقلوب إلى كتاب الدنيا المفتوح، ويأمره بتفعيل وسائل إدراكه؛ لتتبدى له آفاق الجمال والجلال، وتريه الكون محرابًا كبيرًا للعبادة، ويتيقن بأن الدليل على وجود الله هو نفسه الدليل على وحدانيته سبحانه وتعالى؛ ذلك أن حقيقة وجود الرب الخالق المدبر لهذا الكون كامنة في نفوس البشر، ومرتكزة في أذهانهم، وتعود في أساسها إلى الميثاق الذي أخذه الله على البشر عند خلقه لهم.

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] .

لكن الدعوة إلى التفكر في الكون والوحي ارتبطت بضابط مهم هو تجنب التفكر في ذات الله، هذا الضابط الذي جاء التحذير منه في السنة النبوية بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله عز وجل) 111.

وفي هذا يقول أبو حامد الغزالي في كتابه الإحياء: «فإن جاوزت النظر في الأفعال إلى النظر في الذات فقد حاولت أمرًا إمرًا، وخاطرت بنفسك مجاوزة حد طاقة البشر ظلمًا وجورًا، فقد انبهرت العقول دون مبادئ إشراقه، وانتكصت على أعقابها اضطرارًا وقهرًا» 112.

ولقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن أناسًا سيتفكرون في الخلق حتى يؤدي بهم إلى الوقوع في ظلمات الكفر، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله) 113.

وهنا يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيفية معالجة الشكوك والوساوس عندما تعرض لنا، ويأمرنا بوجوب التوقف عن التفكر، وتشهير الإيمان خوف تتبع زلات العقل، والوصول إلى الضلال، فهذا الحديث وسابقه يبين لنا الحد المسموح به من التفكر، بسبب نقص الإدراك وقصور تحقيق المعرفة وسوء التقدير.

فكيف تختار العقول مبدأ التعطيل، وتستحل الفهوم مبدأ التشبيه للخالق، واختلاف الكائنات وتنوعها سر إبداعه، فقدرته الغير محدودة، وعلمه ليس لهما نظير فهو الخالق العليم القدير، وقد حاولت بعض الفرق الإسلامية الولوج من هذا الباب لكن تاهت وخابت، ولم تبصر النور؛ لاحتجابه عن العقل.

والنظر العميق في الآيات التي تدعو إلى التفكر ترسم لنا صورة التوحيد الحقيقي، فسورة الرعد بآياتها الكونية تزرع في النفوس بذور التوحيد من خلال عرضها لبراهين الإيمان، بالنظر في الأرض، وما عليها من آيات، ثم خروج النبات والثمار وتنوعها واختلافها، وتأصيل الأشياء إلى زوجين اثنين، ثم الانتقال إلى ما به بقاء الحياة على هذه الأرض من تعاقب لليل والنهار، وختمها بالحث على التفكر.

كما جاءت الإشارة إلى عالم الحيوان، وما فيه من أدلة بسيطة تنبئ بوحدانيته تعالى، وإليه تمت الإشارة في القرآن بمملكة النحل، تلك المملكة التي تحويها خلية صغيرة، لكن فيها نظام يعجز البشر عن وضعه وعن اتباعه، نظام قائم على معرفة كل فرد لدوره في هذه الحياة، فيسارع للقيام به بجد وتفانٍ، نظام أساسه التعاون والعمل والإتقان، فمن علم النحل هذه القوانين ومن يسر لها طعامها وهي أضعف خلق الله، ومن يخرجها كل صباح تطوف في الحقول والبساتين، وتنتقل من زهرة لأخرى؛ لتعلم زميلاتها بوجود الرحيق، فتجمعه وتحفظه ثم تعود إلى خليتها من نفس طريق الذهاب ولو كان على بعد أميال، ثم تصنع منه شرابًا متنوعًا، شهد له القرآن بالشفائية، فهذا دليل على عناية الله بمخلوقاته وحسن تدبيره ودعوة للتمعن والتفكر فيها وفي عالم الحشرات أيضًا؛ ليزيد إيماننا بأن خالق النحلة، ومدبر شئونها هو نفسه خالق السموات والأرض وما بينهما.

ومن العوالم التي طالب الله سبحانه وتعالى الإنسان بالتفكر فيها هو النفس البشرية، فالتعمق في أسرارها يجعل الإنسان يؤمن إيمانًا جازمًا بالله؛ لعلمه أنه غير قادر على الإحاطة بكيفية عمل أجهزته الحيوية، ولا التحكم فيها أو تسيير عمليات الحياة فيها وفق هواه، بل هو عاجز حتى على شفاء نفسه في حال المرض، أو إمساك نفسه عن الموت، فيتأكد أنه كما لنفسه أجل محدد فلهذا الكون أجل آخر تنتهي به الحياة على هذه الأرض، ويجازى على أفعاله فيها، ما يقوده للإيمان بالبعث والجزاء، وبحسب هذه المعرفة الإلهية تعظم درجة المتفكر في الآخرة.

ومقدرة الإنسان على تطويع الطبيعة، والاستفادة من ثرواتها، والسيطرة على قوتها بقانون التسخير الإلهي، تؤكد استحالة أن تكون هي مسيرة نفسها، وما اهتداء الإنسان إلى هذا القانون إلا بما أكسبه الله له من وسائل تعينه على ذلك بما فيها العقل وملكاته، وضعف الإنسان أمام قوة المخلوقات الأخرى، ثم سيطرته عليها بفضل الله تعالى لدليل أكيد على صفاته العلية -جلا وعلا-، كما أن قانون الزوجية الذي يحكم هذا الكون يبين التفرد الإلهي، فكل شيء في هذا الكون أصله من ذكر وأنثى إلا خالق الكون، والتفكر في هذا القانون، والبحث عنه في أرجاء هذا العالم يجعل القلب يصدق بوحدانيته تعالى.

كما أن التفكر يعزز في النفس الإيمان بالأسماء والصفات التي وصف الله بها نفسه في القرآن الكريم، أو وصفه بها نبيه عليه الصلاة والسلام، فتجزم العقول حينما ترى المخلوقات أن لها موجدًا، وأنها لم يخلقها العدم، كما تدرك العقول السليمة صفة الحكمة عندما ترى أثر الإحكام في المخلوقات، وصفة الخبرة عندما ترى الإتقان، وصفه الرزق عندما ترى عمليات تدبير الأرزاق، وصفة الرحمة عندما ترى آثار رحمة الله في مخلوقاته، وصفة الوحدانية عندما ترى التكامل في بناء الكون والثبات الذي لا يهدده الفساد، فتكون المخلوقات التي تملأ الأرض والسموات بذلك آثارًا مشاهدة تدل على صفات الله سبحانه وتعالى.

وبهذه النظرة الإجمالية للآيات، وبهذه الدعوة للتفكر نتبين أنها كلها مجالات تدل على أن خالقها ومدبرها واحد، إلا لمن عاند واستكبر وأبى، فإذا كان الكون بما فيه من «آفاق السماء وفجاج الأرض، تسبح بحمد ربها، فلماذا نشذ نحن ولا نصطبغ بما اصطبغ به الكون كله» 114.

ويمكن الاستفادة من التفكر في هذا العصر لمواجهة موجة الضلال المنتشرة في العالم اليوم، فبالرغم من كل التطور العلمي والتكنولوجي الحاصل، إلا أن الإنسان اليوم بات أكثر بعدًا عن الفطرة السليمة، وعن اكتشاف العلاقة بينه وبين خالقه وبين الكون، وقد يكون أقرب الناس إلى التوحيد هم العلماء، كونهم أكثر الناس إعمالًا للعقل، أو اكتشافًا للحقائق؛ لذا نسمع بين الفينة والأخرى عن دخول عالم من الغرب إلى الإسلام نتيجة ما أوصلته إليه بحوثه التي تلخص له مفهوم الخالق الواحد القادر المبدع.

وفي هذا يقول أحد العلماء: «إن جميع ما في الكون يشهد على وجود الله سبحانه، ويدل على قدرته وعظمته، وعندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها، حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته؛ ذلك هو الله الذي لا نستطيع أن نصل إليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، ولكن نرى آياته في أنفسنا، وفي كل ذرة من ذرات هذا الوجود، وليست العلوم إلا دراسة خلق الله وآثار قدرته» 115.

كما يقول (لورد كيافي) وهو من علماء الطبيعة البارزين في العالم هذه العبارة القيمة: «إذا فكرت تفكيرًا عميقًا فإن العلوم سوف تضطرك إلى الاعتقاد في وجود الله» 116.

بهذا يتبين أنه لا يوجد طريق يسير وآمن ومقنع مثل التفكر، للاهتداء إلى خالق الكون، والإيمان بوحدانيته، والعمل بمقتضى أوامره.

ثانيًا: تزكية النفس واستقامتها على هدى الوحي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت