وذلك في قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام:125]
والصعود: الذهاب في المكان العالي، والصعود والحدور لمكان الصعود والانحدار، وهما بالذات واحد، وإنما يختلفان بحسب الاعتبار بمن يمر فيهما، فمتى كان المار صاعدًا يقال لمكانه: صعود، وإذا كان منحدرًا يقال لمكانه: حدور، والصعد والصعيد والصعود في الأصل واحد، لكن الصعود والصعد يقال للعقبة، ويستعار لكل شاق، وقوله: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام:125] ، أي: يتصعد. وأما الإصعاد فقد قيل: هو الإبعاد في الأرض، سواء كان ذلك في صعود أو حدور، وأصله من الصعود، وهو الذهاب إلى الأمكنة المرتفعة 136.
وكلما ارتفع عن المكان المنخفض شعر بالضيق واشتدت عليه عملية التنفس.
وهذا مثل من الله تعالى ذكره، ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه عن وصوله إليه، مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه؛ لأن ذلك ليس في وسعه 137.
وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، رجلًا من الأعراب من أهل البادية من مدلج: ما الحرجة؟ قال هي الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية، ولا وحشية، ولا شيء. فقال عمر، رضي الله عنه: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير 138.
فقوله تعالى: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} أي: يتكلف الصعود في جهة السماء، وطبعه يهبط إلى الأرض، فشبه للمبالغة في ضيق صدره، بمن يزاول أمرًا غير ممكن، لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة، وقيل: معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبوًّا عن الحق، وتباعدًا في الهرب منه 139.
فمن يقدر الله له الضلال -وفق سنته الجارية من إضلال من يرغب عن الهدى ويغلق فطرته عنه- {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} ، فهو مغلق مطموس يجد العسر والمشقة في قبوله، {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} ، وهي حالة نفسية تجسم في حالة حسية، من ضيق النفس، وكربة الصدر، والرهق المضني في التصعد إلى السماء 140.
وأثبت العلم الحديث أنه كلما كان الصعود قلت نسبة الهواء فيؤدي للاختناق والضيق.
ثانيًا: مثل الحياة الدنيا كماء أنزل من السماء:
وورد ذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) } [يونس:24] .
وقوله عز وجل: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) } [الكهف:45] .
وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو مطابق لحالة الدنيا، فإن لذاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتًا قصيرًا، فإذا استكمل وتم اضمحل، وزال عن صاحبه، أو زال صاحبه عنه، فأصبح صفر اليدين منها، ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها 141.
وقوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} معنى الآية التشبيه والتمثيل، أي صفة الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كماء ... وقالت الحكماء: إنما شبه تعالى الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقى على واحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا، ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعًا منبتًا، وإذا جاوز المقدار كان ضارًا مهلكًا، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر ... ولذا ورد في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما أتاه) 142، فأصبح، أي النبات، هشيمًا أي: متكسرًا من اليبس متفتتًا، يعني بانقطاع الماء عنه، فحذف ذلك إيجازًا لدلالة الكلام عليه 143.
فالحياة وما فيها مشبهة للناس بما ينزل من ماء السماء على تراب الأرض، فيحدث فيها اهتزاز للتتغير إلى الأفضل فيزهوا ويغتر به محبوه ثم يصبح عند انقطاع الماء عنه قبل استوائه غير ما كان عليه من النضرة والبهاء، وقد يتغير قبل حصاده بسبب من الأسباب فلا ينتفع به.
فشبّه الحياة الدنيا بالماء المنزّل من السماء ينبت به النبات وتخضرّ الأرض وتظهر الثمار، ويوطّن أربابها عليها نفوسهم، فتصيبهم جائحة سماوية بغتة، وتصير كأن لم تكن 144، فمن وطّن النّفس على الدنيا وبهجتها غرته بأمانيها، وخدعته بالأطماع فيها، ثم إنها تخفي الصّاب-أي: المرّ- في شرابها، والحنظل في عسلها، والسراب في مآربها تعد ولا تفي بعداتها، وتوفى آفاتها على خيراتها، نعمها مشوبة بنقمها، وبؤسها مصحوب بمأنوسها، وبلاؤها في ضمن عطائها؛ فالمغرور من اغترّ بها، والمغبون من انخدع فيها 145.
والتشبيه في الآيات المذكورة عند البلاغيين من التشبيه المركب، لأن وجه الشبه صورة منتزعة من أشياء، وهو كون كل من المشبه والمشبه به يمكث ما شاء الله، وهو في إقبال وكمال، ثم عما قليل يضمحل ويزول، والعلم عند الله تعالى 146.
فإذا كان النبات بعد نزول الماء قد اخضر وألبس الأرض حللًا وزادها جمالًا ثم ينتهي ذلك كأن لم يكن، فإن السماء مع ما فيها من زينة وبهاء ستنتهي يومًا كالنبات وتبدل شيئًا آخر.
ثالثًا: تمثيل الوحي بالماء المنزل من السماء:
ورد في القرآن الكريم أن الله عز وجل أنزل من السماء الماء، وذلك في مواطن كثيرة، ومن الآيات التي أشير بها إلى الوحي كقوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) } [الرعد:17] .
وهذا مثل ضربه الله للحق والباطل، والإيمان به والكفر، يقول تعالى ذكره: مثل الحق في ثباته والباطل في اضمحلاله مثل ماء أنزله الله من السماء إلى الأرض، يقول: فاحتملته الأودية بملئها، الكبير بكبره، والصغير بصغره، فاحتمل السيل الذي حدث عن ذلك الماء الذي أنزله الله من السماء زبدًا عاليًا فوق السيل، فهذا أحد مثلي الحق والباطل، فالحق هو الماء الباقي الذي أنزله الله من السماء، والزبد الذي لا ينتفع به هو الباطل 147.
ولما ذكر الله عز وجل في سورة البقرة أنه أنزل من السماء ماء ليدلهم على عبوديته؛ أعقب ذلك بأنه نزّل على عبده الوحي المبارك؛ ليدل إنزال الماء من السماء لحياة الأرض، على إنزال الوحي من السماء لحياة العبودية الحقة، التي يضمن بها العباد سعادتهم في الدارين والله أعلم.
ويمكن أن يستدل لذلك بقوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف:58] .
فلما أمر الله جل وعلا ونهى في هذه الآية الكريمة، وبين عظائم آياته وبرهان عبادته وربوبيته أنه الرب وحده، والمعبود وحده، وبين أنه أنزل إلى هذه الخلائق كتابًا فصله على علم هدى ورحمة، بين هنا أن الناس الذين أنزل عليهم هذا الكتاب لهم شبه بعنصرهم الأول وهو الأرض، وشبه الوحي الذي أنزله على نبينا صلى الله عليه وسلم بالمطر.
فالوحي كثيرًا ما يشبه بالمطر 148، فكما أن المطر يحيي الله به الأرض بعد موتها وينبت به النباتات والزروع والثمار، وينعش به الحيوانات، ويهيئ به لبني آدم مصالحهم الدنيوية، فكذلك القرآن هو مطر أرض القلوب، إذا نزل مطر القرآن على أرض القلوب أثمرت القلوب ثمراتها الرائعة اليانعة ...
وكل خصلة حسنة يثمرها مطر القرآن في قلب المؤمن؛ كالخشية من الله، والتوبة عند الزلات، والإنابة إليه، والسخاء والشجاعة والرضا بقضاء الله، والإيثار وعدم الشح، إلى غير ذلك من خصال الإسلام الكريمة الجميلة 149.
فالوحي يحيي القلوب ويوقظها ويجعلها قريبة من ربها، فمن ابتعد عن الوحي كان فيه من آثار الموت بقدر ابتعاده وربما كان كالميت تمامًا، وكلما كان الإنسان قريبًا من الوحي كانت حياته على قدر قربه {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر:32] .
رابعًا: تمثيل المشرك بمن يخر من السماء فتخطفه الطير:
وذلك في قوله تعالى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) } [الحج:31] .
ويجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق، فإن كان تشبيهًا مركبًا فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكًا ليس بعده نهاية، بأن صور حاله بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته الطير، فتفرق مزعًا في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة، وإن كان مفرقًا.
فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوّح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة 150.
وهذا المثل لمن أشرك بالله تعالى، فهو يسقط من العلو الذي بوأه الله وهو عبوديته؛ فلما رفض العلو والكرامة سقط من مكانته فاختطفه الشركاء المضلون لدنياه وأخراه فتشتت وتتلاشى، ولو نجا منهم لسقط إلى قاع مظلم لا راحة ولا طمأنينة فيه.
فضرب الله للمشرك مثلًا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى فقال: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ} أي: سقط منها، {فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} ، أي: تقطعه الطيور في الهواء، {أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} أي: بعيد مهلك لمن هوى فيه 151.
ولهذا جاء في حديث البراء: (وأما الفاجر فإذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا أتاه ملك الموت فيقعد عند رأسه وينزل الملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيقعدون منه مد البصر، فيقول ملك الموت: اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينقطع معها العروق والعصب كما يستخرج الصوف المبلول بالسفود ذي الشعب، قال: فيقومون إليه فلا يدعونه في يده طرفة عين فيصعدون بها إلى السماء فلا يمرون على جند من الملائكة إلا، قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ قال: فيقولون: فلان بأقبح أسمائه، قال: فإذا انتهي به إلى السماء غلقت دونه أبواب السماوات، قال: ويقال اكتبوا كتابه في سجين، قال: ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فيرمى بروحه حتى تقع في جسده، قال: ثم قرأ {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} قال: فتأتيه الملائكة فيقولون: من ربك؟ قال: فيقول: لا أدري، فينادي مناد من السماء أن قد كذب فأفرشوه من النار وألبسوه من النار وأروه منزله من النار ... ) الحديث 152.
من الدلالات التي ذكرت في الآيات التي تحدثت عن السماء، آيات فيها لمسات إعجازية من حيث خلق السماء وما فيها ومدلولاتها وهي كالآتي:
أولًا: السماء وهي دخان:
قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت:11] .
أي: هي مثل الدخان، إشارة إلى أنه لا تماسك لها 153.
أصل السماء هو ذلك الكائن المشبه بالدخان، أي أن السماء كونت من ذلك الدخان ... فتكون مادة السماء موجودة قبل وجود الأرض 154، وهو: بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض 155، و قد ثار على وجه الماء 156.
لما خلق تعالى الأجزاء التي لا تتجزأ، فقبل أن خلق فيها كيفية الضوء، كانت مظلمة عديمة النور، ثم لما ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمسًا وقمرًا، وأحدث صفة الضوء فيها، فحينئذ صارت مستنيرة، فثبت أن تلك الأجزاء، حين قصد الله تعالى أن يخلق منها السماوات والشمس والقمر، كانت مظلمة؛ فصح تسميتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أجزاء متفرقة، غير متواصلة، عديمة النور ثم قال: فهذا ما خطر بالبال في تفسير الدخان. والله أعلم بحقيقة الحال 157.
وفي الآيات الكريمة إشارة إلى حقائق كونية: منها: أن: أصل الكون المادي من الدخان، لم يصل العلم الحديث للآن إلى معرفة أصل الوجود المادي للكون على الرغم من توصل العلم إلى نجاحات كبيرة في المسائل التطبيقية والاستفادة من دراسة خصائص المادة واستخدام الطاقات الكونية المختلفة، وهذه الحقيقة لا يستطيع العلم البشري أن يصل إليها إلا من طريق الوحي من خالق السماوات والأرض، لأن وسائل البشر محدودة فلا يستطيع أن يخترق بوسائله المادية حجب غيب الماضي ليعرف تكوين الأجرام الكونية والسابق منها عن اللاحق 158.
فسبحان من يخلق من أصغر الأشياء؛ أكبر الأشياء وأعظمها.
ثانيًا: السماء ذات الحبك:
تقدم معنا الحديث حول تفسيرها، وأنها ذات الجمال والبهاء والحسن والاستواء.
فمعنى {ذَاتِ الْحُبُكِ} [الذاريات:7] .ذات المجاميع من الكواكب المربوط بعضها ببعض ... {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) } [الذاريات:8] أي متخالف متناقض، قال ابن زيد: يتخرصون يقولون: هذا سحر ويقولون: إن هذا إلّا أساطير الأوّلين، يؤفك أي يصرف عنه من أفك، أي صرف عن الحق الصريح الصرف التام، إذ لا صرف أشد منه.
وقد ذكر في مناسبة المقسم به للمقسم عليه، هو تشبيه أقوالهم في اختلافها، وتنافي أغراضها، بالطرائق للسموات في تباعدها، واختلاف غاياتها 159.
والحبك: بضمتين جمع حباك ككتاب وكتب ومثال ومثل، أو جمع حبيكة مثل طريقة وطرق، وهي مشتقة من الحبك بفتح فسكون وهو إجادة النسج وإتقان الصنع، فيجوز أن يكون المراد بحبك السماء نجومها، لأنها تشبه الطرائق الموشاة في الثوب المحبوك المتقن، وروي عن الحسن وسعيد بن جبير، وقيل الحبك: طرائق المجرّة التي تبدو ليلًا في قبة الجو.
وقيل: طرائق السحاب، وفسر الحبك بإتقان الخلق، روي عن ابن عباس وعكرمة وقتادة، وهذا يقتضي أنهم جعلوا الحبك مصدرًا أو اسم مصدر، ولعله من النادر، وإجراء هذا الوصف على السماء إدماج أدمج به الاستدلال على قدرة الله تعالى مع الامتنان بحسن المرأى 160.
وقرأ الجمهور: الحبك بضم الحاء والباء، وقرئ بضم الحاء وسكون الباء وبكسر الحاء وفتح الباء، وبكسر الحاء وضم الباء، قال ابن عطية: هي لغات، والمراد بالسماء هنا هي المعروفة، وقيل: المراد بها السحاب، والأول أولى 161.
وفيه للعلماء أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضًا: ذات الطرائق، ذات الخلق الحسن المحكم، وعلى هذا القول فالحبك مصدر، لأن كل عمل أتقنه عامله وأحسن صنعه، وذات الشدة والزينة، والآية تشمل الجميع، فكل الأقوال حق 162.
وكأنه -والله أعلم-أراد بذلك السماء التي فيها الكواكب الثابتة، وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد، وهو الحسن والبهاء، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة، شديدة البناء، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مكللة بالنجوم الثوابت والسيارات، موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات 163.
فالقسم العظيم بالأمر العظيم على أمر عظيم، ذكره الله لنا وهو العلي العظيم.
وما يكاد القسم الأول ينتهي حتى يعقبه قسم آخر بالسماء: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} ، فيقسم بالسماء المنسقة المحكمة التركيب، كتنسيق الزرد المتشابك المتداخل الحلقات، وقد تكون هذه إحدى هيئات السحب في السماء حين تكون موشاة كالزرد مجعدة تجعد الماء والرمل إذا ضربته الريح، وقد يكون هذا وضعًا دائمًا لتركيب الأفلاك ومداراتها المتشابكة المتناسقة، يقسم بالسماء المنسقة المحبوكة على أنهم في قول مختلف 164.
ثالثًا: سعة السماء:
وتقدم معنا في أوصاف السماء أنها واسعة، ومنه قوله عز وجل: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) } [الذاريات:47]
الموسع: ذو الوسع والسعة، والمعنى: إنا لذو سعة بخلقها وخلق غيرها لا نعجز عن ذلك، وقيل: لقادرون، من الوسع بمعنى الطاقة والقدرة، وقيل: إنا لموسعون الرزق بالمطر. قال الجوهري: وأوسع الرجل: صار ذا سعة وغنى 165.
فيكون قوله {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} حالًا مؤكدة أو تذييلًا إثباتًا لسعة قدرته كل شيء فضلًا عن السماء أو لموسعون السماء أي: جاعلوها واسعة أو ما بينها وبين الأرض أو الرزق على خلقنا؛ لقوله تعالى {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ} ، وفيه إشارة إلى أن وسعة البيت والرزق من تجليات الاسم الواسع 166.
وبالنظر في قول الله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) } [الذاريات:47] .
نجد أن بناء الكون المادي المترامي الأطراف المشتمل على بلايين المجرات التي تحتوي كلّ مجرة منها بلايين الشموس والنجوم وما يتبع كل شمس أو نجم من كواكب وأقمار، وكل ذلك إلى جانب ما يعجّ به الفضاء من طاقات وإشعاعات مختلفة القدر والصفات، وقد اتسعت له مقدرة الخالق عزّ وجلّ، ولديه أكثر وأكثر يضاف إلى ذلك.
قوله: {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} السماء حين خلقنا الكون ابتداء على اتساع لا نهاية له، ولذلك فهو يتسع لكل المجرات مهما تباعدت عن بعضها بعضًا، ومن الوجهة العلمية لم يثبت حجم الكون على حال منذ راح العلماء يقيسون أبعاده. ولقد جعل العلماء للنجوم أقدارًا بحسب درجات بريقها أو لمعانه، وعدد النجوم التي يمكن أن ترى في القبة السماوية وتلمع بدرجات متفاوتة القدر بالنسبة للعين المجردة لا تزيد عن نحو ستة آلاف نجم تقريبًا 167.
وهي في أصلها واسعة الأرجاء فلا يعلمها إلا الله، كما ذكر ذلك جمع من المفسرين.
قال ابن القيم رحمه الله مبينًا شأن هذه الآية الكونية: «ولهذا قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها إما إخبارًا عن عظمها وسعتها، وإما إقسامًا بها، وإما دعاءً إلى النظر فيها، وإما إرشادًا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالًا منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيامة، وإما استدلالًا منه بربوبيته لها على وحدانيته وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالًا منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته» 168.