وفي ذلك يقول تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 34 - 38] .
ثم يذكّر قومه بأن الدنيا زائلة، وأن الآخرة هي الباقية، وإن من رحمة الله تعالى وفضله، أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، ويجزي بالحسنة أضعاف الأضعاف، قال تعالى: {يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 39 - 40] .
ثم يتحرك قلبه خوفًا عليهم وشفقة بهم، بتذكيره لهم قبل فوات الأوان، بأنه يدعوهم إلى النجاة من غضب الله، ويكون ردّهم بأنهم يدعونه إلى النار، ويكون هذا بدعوتهم له للكفر بالله تعالى، والإشراك به إلهًا آخر، رغم أن دعوته لهم إنما هي لله الذي من صفاته العزة والمغفرة، ولا شك أن دعوتهم إلى الشرك ليس فيها دعوة مستجابة، ولكن مردّنا جميعًا إلى الله، وإن من أسرف من خلال شركه بالله تعالى فهو صاحب النار 49، وفي ذلك يقول تعالى: {وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر: 41 - 43] .
ثم يتوعّدهم وعيدًا يحمل في طياته نصحًا من مشفق عليهم، وذلك بقوله: ستذكرون قولي عند حلول العذاب، ثم فوّض أمره إلى الله تعالى بعد القيام بكل واجباته، معتقدًا هذا الداعية المجاهد اعتقادًا جازمًا بأن الله بصير بالعباد، وكانت النتيجة الحتمية أن الله تعالى حماه من مكرهم وكيدهم، وهم الذين ذاقوا الويلات جزاء كفرهم وتكذيبهم 50.
وفي ذلك يقول تعالى: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} [غافر: 44 - 45] .
وبعد، فقد خلص البحث مما تقدّم أن باب السماحة في الدعوة كله يحمل في طياته رحمة، وإن أعظم الواعظين بالرحمة في دعوتهم هم الأنبياء المرسلون، ثم الصالحون، فلا تحكمهم في دعوتهم ردة فعل، وإنما تبلغ رحمتهم حدًّا لا يوصف، سيما مع من يخالفهم أو يعلن الحرب عليهم، فلا يفقدون لين القول، ولا شفقة القلب مهما بلغ الخصم من حد السفه، والفساد، والطغيان، وصدق الله تعالى حيث يقول في كتابه العزيز: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .
لا شكّ أن الصبر على الأذى بنوعيه القولي والفعلي سمة الداعية الحق الذي يعيش مع الإسلام وسماحته في الدعوة، وبالتالي سيقف البحث عند بعض النماذج التي تدلل على روعة السماحة في صبر الداعية على أذى المعاندين لدعوة الحق، وهي كما يأتي:
أولًا: الصبر على الأذى القولي.
ويمكن تلخيص ذلك من خلال النقاط التالية:
جاء في سورة المزمل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على إيذاء كفار مكة بالقول اللاذع منهم، مع تسليته ببيان عاقبتهم في الآخرة إن لم يرجعوا عن طغيانهم، ومحأولًات استفزازهم لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} [المزّمل: 10 - 13] .
فقد ذكرت هذه الآيات أنه لما اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم ربّه جل جلاله وكيلًا وحسيبًا؛ فإنه يتوجب عليه أن يحبس نفسه عن الضجر مما يقولون، كما أمر من الله تعالى؛ فهذا تمام التفويض بإصلاح أمره على نحوٍ أعظم من إصلاحه أمور نفسه، ثمّ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل الله تعالى أمرًا آخر، وهو أن يترك مخالطة أولئك الذين يتلسّنون عليه صلى الله عليه وسلم؛ فذلك هو الهجر الجميل، ومثله آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النجم: 29] .
وقد اختلف المفسرون في نسخ هذه الآية من عدمها، ويميل البحث إلى رأي من قال: إنها غير منسوخة، وإنها محمولة على مقتضيات مصلحة الدعوة بما يتلاءم مع روح السماحة.
ثم بيّن الله تعالى أنه لا حاجة بذلك القول الذي بدر من المكذبين من أهل التنعّم، ومهّلهم مدة قليلة إلى يوم بدر، فتحتمل كلمة (ذرني) ، معنى: ارض بي يا محمد لعقابهم، وهذا يبين عظيم سماحة الإسلام مع المؤذين له، ثم ذكر ربنا جل جلاله كيفية عذابهم عنده فقال: إن لدينا في الآخرة ما يقابل تنعّمهم في الدنيا، فأولها- القيد الثقيل عليهم، وثانيها- الجحيم، وثالثها: الطعام الذي يغصّ الإنسان، وهو طعام الزقّوم والضريع، ورابعها: سائر أنواع العذاب 51.
وكلّ هذا الوعيد هو في الآخرة؛ لما يترتب على ذكره في الآية من بيان روعة السماحة، عبر الصبر على الأذى، ففي الآيات الكريمة توضيح لا تأويل فيه، بأنّ الله تعالى أمهلهم في الدنيا إلى غزوة بدر، وإلى الآخرة؛ لإعطائهم الفرصة الكافية للتوبة.
حاول أولئك المشركون التشكيك في الدين الإسلامي، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه لجأ إلى الله تعالى أن يبين الحق، وأن تمضي الدعوة على خير وجه، ولم يكن في بال الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو على قومه، أو يدعو الله تعالى أن يهلكهم، وهذا كان عبر آيات عديدة.
منها قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144] .
حيث جاء في سبب نزولها عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما-، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى نحو بيت المقدس، ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144] فتوجه نحو الكعبة» .
وقال السفهاء من الناس، وهم اليهود: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] .
فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل، ثم خرج بعد ما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد: أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه توجه نحو الكعبة؛ فتحرف القوم، حتى توجهوا نحو الكعبة» 52.
وإن سبب نزولها كافٍ لبيان عظيم السماحة التي حظيت بها شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم يشككون في تبعيته صلى الله عليه وسلم لربه جل جلاله، وذلك من خلال توجهه صلى الله عليه وسلم جهة بيت المقدس في القبلة، على اعتبار أنها هي قبلتهم، وكأنه صلى الله عليه وسلم يتبع لهم، فما كان من رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن دعا الله تعالى متوجهًا نحو السماء، بأن تكون القبلة نحو المسجد الحرام، وإذا باليهود يطعنون في ذلك، عبر سفهائهم من الناس، وهم مشركو العرب، من خلال قولهم ما الذي جعلهم يحوّلون قبلتهم التي كانوا عليها؟!
فتجيب الآية القرآنية في أروع معاني السماحة، دونما سبٍّ، أو قذف، بأنه لله تعالى ما في المشرق وما في المغرب، وأنه عز وجل يهدي إلى الاستقامة الحقة من يشاء من عباده، سواءٌ أكانت هداية إرشاد أم هداية توفيق، وبعد تشكيكهم بأنه لا أجر للصلاة التي أقامها المسلمون حال كونهم متجهين نحو بيت المقدس في أكثر من سبعة عشر شهرًا، بيّن الله تعالى أنه لا يضيع الصلاة، حيث سمّاها القرآن (إيمانكم) 53.
ثانيًا: الصبر على الأذى الفعلي:
بيّنت آيات عديدة جوانب من صبر الدعاة على الأذى الذي وقع فعلًا أو كاد أن يقع عليهم، وسنقف إن شاء الله على نموذج قرآنيٍّ منها؛ فقد جاء في سورة النحل، التخيير بين المماثلة في العقوبة لمن عاقب بعضًا من المسلمين، أو تسبب في إيذائهم، وبين حبس النفس عن تلك المماثلة في العقوبة، وذلك من خلال الصبر على ذلك، واحتساب الأجر من الله تعالى وحده، على أن يكون الصبر ناتجًا عن إرادة حقيقية ممن وقع عليه الأذى، أو أراد بذلك مصلحة دعوية مرجوة، فعندها يكون الصبر خيرًا وأعظم أجرًا.
ثم أكّدت الآيات أن الصبر مأمور به خير الدعاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن صبره ملتصق بحكمٍ دعوية، لا حصر لها، ثم يبين الله تعالى جانبًا قلبيًّا رحيمًا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الحزن العميق على أحوال أولئك المكذبين، ومآلهم في الدنيا والآخرة.
وقيل: الحزن على قتلى أحد.
ثم بيان الرحمة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم بألّا يضيق ذرعًا في أقواله وأفعاله وأحواله من المكر الذي يمارسه الأعداء المكذبون، الذي إن كان مكرهم لتزول منه الجبال 54.
والآيات هي: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 126، 127] .
وعلى هذا تكون الآيات مدنية، وقال الكثيرون: إنها منسوخة بالآية التي بعدها 55.
والراجح أنها غير منسوخة، وإنما هي محمولةٌ على التخيير مع أفضلية الصبر، وبقاء مصلحة الدعوة ضمن الضوابط الدينية الدعوية مقياسًا صالحًا في التخيير بين مماثلة العقوبة، أو الصبر على تلك العقوبة.
3.الإحسان إلى المسيء.
إن الإحسان إلى من يسيء إلى الداعية -سواء أكانت شخصية، أم قادحةً في دعوته ضمن الضوابط- سمة الأنبياء الصالحين، والأولياء المخلصين.
وتناولت آيات قصة ابني آدم بعض صور الإحسان إلى المسيء في طياتها، حينما تقبّل الله تعالى قربان أحدهما، ولم يتقبّل من الآخر.
فبدل أن يبارك الآخر للذي تقبّل الله تعالى منه، ومن ثم يراجع حساباته مع ربه، إذ به يفكّر في القتل والاستئصال للآخر، الذي هو أخوه، فأقسم له أنه سيقتله بأساليب توكيد متنوعة، فإذ بهذا الطيب، يقول: إنما يتقبّل الله تعالى من المتقين الذين خافوه، وعملوا له حسابًا.
ثم يقول هذا الطيب الذي تقبل الله تعالى قربانه لذلك المجرم مقسمًا له: إن بسط إليه يده -كناية عن القتل مع سبق الإصرار والترصد-؛ فلن يماثل هذا الإجرام، والسبب عظيمٌ جدًّا، وهو الخوف من الله تعالى رب العالمين، فإنه يريد أن ينال هذا المجرم إثمه مع إثم ذات المجرم؛ فعندها يكون من أصحاب النار.
ثم يبين ذلك الطيب أن ذلك العقاب جزاء كل ظالم، فما كان من ذلك المجرم إلا أن قتله، رغم هذه الدعوة التي تظهر أروع معاني الإحسان إلى من يفكر في أسوأ معاني الإساءة، وهي القتل العمد، وهناك كان الخسران المبين 56.
والآيات هي: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 27 - 30] .
ولقد مرّ -في معرض الآيات السابقة- الحديث بالتلميح أو التصريح عن ذلك الإحسان إلى المسيء، الذي يعدّ جزءًا لا يتجزّأ من سماحة الإسلام الشاملة لجميع مناحي الدين، ولا عجب؛ فهي تطبيق عمليٌّ لرسالة الإسلام، بما يعزز حب الدين في قلوب الناس جميعًا.
أولًا: المفاصلة العقدية:
إن الإسلام يحمل في ثنايا روحه سماحةً حتى مع المخالفين للدين، ومن ذلك أن المفاصلة العقدية، وعدم المداهنة أو المجاملة لهم، تحمل في طياتها سماحة.
قال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 1 - 6] .
جاء في سبب نزول السورة عدة أقوال، وكلها سليمة الدراية؛ لأن المعنى حمّالٌ لها، وهي تناسب السياق.
وسنذكر إن شاء الله سببًا، وهو: «أنّ قريشًا قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إن سرّك أن نتبع دينك عامًا، وترجع إلى ديننا عامًا؛ فنزلت هذه السورة» 57.
واختلف المفسرون في هذه الآيات، سيما الآية السادسة في نسخها من عدمه، والذي يترجّح أن هذه الآيات غير منسوخة، وإنما هي محمولة على المفاصلة العقدية.
ويؤيد ذلك قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] .
وبالتالي فإن المعنى يكون: بأن السورة تبدأ بنداءٍ من الله تعالى إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأجل أن يخاطب الكافرين، وإن كان في هذا الخطاب استهزاء ضمني؛ بما آلوا إليه من كفر، وبالتالي عاقبة وخيمة من جهة، إلا أن هذا الخطاب يحمل السماحة في إعطاء فرصة الخطاب الدعوي الرباني من جهة أخرى.
ثم إن فحوى رسالة الخطاب هو المفاصلة العقدية، وذلك من خلال أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم لا يسلك عبادتهم ولا يقتدي بها، ثم يوجه الخطاب مباشرة لهم من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، بما أمر به من قبل الله تعالى، وذلك أن هؤلاء الكفار لا يعبدون ما يعبد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهم لا يقاتلون في الدنيا، طالما التزموا بالضوابط المتفق عليها، مع عدم رفع العقاب عنهم يوم القيامة.
ثم يرجع التذكير لهم؛ لقصد التفاتهم إلى الحق، بأنّ سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم لا يعبد ما يعبدون، مهما كانت المدة، فذلكم ولاء وبراء، ليس بيده أن يتنازل، وليس من حقه أن يتعاطى في تلك القضية المفصلية، ثم تعيد الآية لأجل الترسيخ في القلوب والأذهان، بأنهم لا يريدون أن يعبدوا ما يعبد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تحمل الآية الأخيرة من السورة تهديدًا ضمنيًّا لهم، مع سماحة عظيمة عبر الإمهال؛ لأجل أن يتوبوا، فيقول الحق تبارك وتعالى: لكم شرككم الكفري، ولي توحيدي الإسلامي، وبالتالي فإن الكل سيقف بين يدي الله تعالى، فليحرص على حجته، وكيف سيرد على خالقه جل جلاله 58.
ثانيًا: البر والقسط:
عالج القرآن الكريم جوانب عظيمة، تدلل على عظيم الأخلاق التي دعا إليها الدين، ومن بين هذه الأخلاق التي عالجها البر والقسط.
فقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135] .
وقد خصّ القرآن الكريم الأمر بالقسط مع المخالفين للدين، وذلك كما ورد في سورة الممتحنة الأمر الربانيّ بالبر والقسط لأهل الكفر، فقد قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8، -9] .
فقد ذكرت الآيتان أن الله تعالى لا يحضنا على قتل المسالمين من الكفار من أهل مكة وغيرها، الذين لم يخرجونا من ديارنا، ونحن مطالبون تجاههم أن نبرّهم ونقسط إليهم، فعلينا أن نفرق بين المعتدي والمخرج من الديار، وبين المسالم، فذلك هو القسط الذي أمرنا الله تعالى به، فالمعتدي والظالم وجبت على المسلمين مماثلتهم بعداوتهم، والبار والمقسط وجبت مماثلتهم بالبر والقسط 59.
ونلاحظ في هاتين الآيتين أن الآية الأولى ذكرت المسالمين مقترنًا معها البر والقسط، وذكر في الآية الثانية المعتدين مقترنًا معها النهي عن توليهم، رغم أن التولي لهم منهيٌّ عنه مع المسالمين أيضًا؛ لأن البطش والظلم الذي قد يقع من المعتدي؛ يجعل إمكانية التولي لهم عند مرضى القلوب واردة.
وإن كلتا الآيتين تبينان عظيم سماحة الإسلام العظيم، سيما مع المخالفين لدين الإسلام؛ مما يعزز في قلوبنا جميعًا وجوب الافتخار بهذا الدين.
الفرق بين السماحة والولاء مع المخالفين للدين:
أهل الحق عمومًا قائمون على تبليغ رسالة الإسلام، وتعليمه للناس كافة، وتطبيقه في شتى مجالات الحياة، وليس معنى هذا أن يستكين المؤمن إلى أولئك المرجفين أو الأفّاكين، أو أن يداهنهم، فإن السماحة تعني: الصبر على الأذى مع علم أهل الحق أن الله تعالى على نصرهم لقدير، وفي حال قوتهم؛ فإن العفو سلاحهم، مع وعيهم بضرورة هيبة الدعوة إلى الله تعالى، وسيركز البحث هنا على بيان الفرق بين السماحة والولاء مع المختلفين في الدين، وذلك فيما يأتي: