أتتنسك لصنمٍ تعبده من دون الله؟! إني أراك وكل السالكين مسلكك تائهين لا تهتدون أين تسلكون، بل أنتم في حيرة وجهلٍ، وأمركم في الجهالة والضلال، وهذا بينٌ واضحٌ لكل ذي عقلٍ سليمٍ 53.
كما وصف قوم نوحٍ نوحًا عليه السلام بالضلال بالمبين في قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأعراف: 60] .
والقوم هنا هم قوم نوح عليه السلام، والمعنى: إنا لنراك يا نوح في دعوتك إيانا قد صرت من الضالين التائهين عن طريق الحق، وهكذا حال الفجار، ومثل هذا قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} [المطففين: 32] 54.
كما وصفت امرأة العزيز بالضلال بالمبين في قوله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يوسف: 30] .
إن هذا القول جاء على لسان نسوةٍ وصفًا لامرأة العزيز على حبها ليوسف عليه السلام، وتعلق قلبها به، لكن الله تعالى عصمه منها 55.
كما وُصِفَ أبو يوسف بالضلال المبين في قوله تعالى: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يوسف: 8] .
والمقصود بالضلال هنا الذهاب عن وجه التدبير في إيثار اثنين على عشرة مع استوائهم في الانتساب إليه 56.
كما وصف الكافرين بالضلال المبين في قوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [مريم: 38] .
والضلال هنا هو ضلال عن طريق الجنة بخلاف المؤمنين 57.
كما وصف قوم إبراهيم عليه السلام بالضلال المبين في قوله تعالى: {قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنبياء: 54] .
الضلال هو العدول عن المنهج عدولًا ظاهرًا لا يخفى على عاقل 58.
كما وصف جنود إبليس بالضلال المبين في قوله تعالى: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الشعراء: 97] .
الضلال هنا هو الخطأ البين 59.
ويتبين -بعد الرجوع إلى تفسير بعض النماذج القرآنية التي وصفت الضلال بالمبين- الملاحظات الآتية:
الملاحظة الأولى: إن السواد الأعظم من الآيات التي وصفت الضلال بالمبين مكيةٌ؛ حيث بلغ عدد المكيات منها أربع عشرة آية، في مقابل آيتين مدنيتين.
الملاحظة الثانية: إن الضلال المبين الذي ورد في المواضع التي ذكر فيها تحتمل المعاني الآتية:
1.البين الواضح لكل ذي عقلٍ سليم.
2.الخطأ البين.
3.الظاهر الذي لا يخفى على عاقل.
4.الخسران الظاهر.
5.الغواية الظاهرة.
6.الضلال الظاهر الواضح.
7.لا شبهة فيه.
8.ذهابٌ عن الحق.
ولا شك أن جميعها تدور حول المعنى العام للضلال، الذي هو عدول عن المنهج عمدًا كان أو سهوًا، مما يبين أن الضلال له وجوه متعددة، متفرعة عن المعنى العام له؛ لتعالج الموقف المناسب بمعنىً يختص به.
ثانيًا: وصف الضلال البعيد:
وقد ورد ذلك في سبعة مواضع، منها:
وصف الله تعالى الكافرين بالضلال البعيد في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًاھ) [النساء: 167] .
أي: إن الذين كفروا بالله تعالى صدوا عن سبيله قد بعدوا عن المنهج بعدًا عظيمًا شاسعًا 60.
كما وصف الله تعالى الكافرين أيضًا بقوله: (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ? أُولَ?ئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ?3? [إبراهيم: 3] .
الضلال هنا هو عدولٌ عن طريق الحق، وقيل: يجوز أن يراد بالضلال البعيد، أي: ذي بعدٍ، أو فيه بعدٌ؛ لأن الضال يبعد عن الطريق 61.
كما وصف الله تعالى قرين السوء بالضلال البعيد في قوله تعالى: (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَ?كِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ?) [ق: 27] .
الضلال ثابت للإنسان الضال بالأصالة ملازم لتكوينه، والبعيد مستعارٌ للبالغ في قوة النوع حدًا لا يبلغ إليه إدراك العاقل بسهولة، كما لا تبلغ سير السائر إلى المكان البعيد إلا بمشقة أو بعيد الزمان، أي: قديم أصيل، والمعنى: إن تمكن الضلال منه يدل على أنه ليس فيه بتابع لما يمليه غيره عليه 62.
ويتضح هنا أن مصطلح الضلال البعيد في المواضع السابقة التي ذكر فيها يعني أحد خمسة احتمالات:
ويتضح أيضًا أن للضلال البعيد أسبابًا، منها: استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، والصد عن سبيل الله تعالى والكفر به، والشرك بالله، والتحاكم إلى الطاغوت، والكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والدعاء من دون الله تعالى ما لا ينفع ولا يضر.
ورد في القرآن الكريم ما يبين أن الضلال منه ما كان عن عمدٍ يحاسب عليه المرء عند الله تعالى، ومنه ما كان عن جهلٍ ونسيان، وتوضيح ذلك فيما يأتي:
أولًا: ضلال التعمد:
وقد أخذ هذا الموضوع مساحةً في الخطاب القرآني، ومن أمثلته:
1.ضلال قوم نوح عليه السلام.
قال تعالى: (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ?27?) [نوح: 27] .
أي: إنك إن تتركهم دون أن تهلكهم، فأبقيت أحدًا منهم حيًا، سيدعون عباد الله تعالى المؤمنين إلى الضلال، ولا يلدوا إلا كفرةً فجرةً من أمثالهم، وهذا تعليلٌ لدعائه عليهم جميعًا بالهلاك 63.
فسيدنا نوحٌ صلى الله عليه وسلم عرف أن قومه لن يؤمنوا، بل سيزدادون في الكفر، من خلال أمرين: الأول: النص القرآني، كما قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَى? نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ?36?) [هود: 36] .
والآخر: الاستقراء؛ فقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، تعرف على طباعهم وجربهم، حيث كان القوم يتوارثون عمليات التضليل، والتكذيب لنبي الله نوح صلى الله عليه وسلم، وقوله: (وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) ، أي: أنهم يكونون في علمك كذلك، أو أنهم سيصيرون كذلك، ولا شك أن هذا الطلب من نبي الله نوح صلى الله عليه وسلم يحمل معنىً عظيمًا في الرحمة بذرية القوم التي ستأتي تباعًا إن لم ينالوا عقابهم؛ حتى لا تحاسب هذه الذرية على ممارسات التضليل 64.
2.حرص أهل الكتاب على التضليل للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ?69?) [آل عمران: 69] .
حيث تبين هذه الآية الكريمة أن فريقًا من أهل الكتاب كانوا يتمنون إضلال المؤمنين، وفتنتهم عن دينهم، بإلقاء الشبه التي توهن الاعتقاد 65، والحال أن وبال ضلال هؤلاء المضلين عائدٌ عليهم، وأما نفس الضلال فمحالٌ؛ لأنهم يضلون المؤمنين بالانتقال من الإيمان إلى الكفر، وهم لا يعرفون الإيمان قط 66.
3.الوصف بالضلال لمن أمعن في الكفر.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ?90?) [آل عمران: 90] .
ومقصود هذه الآية فيه «أربعة تأويلات:
أحدها: أنهم اليهود كفروا بالمسيح، ثم ازدادوا كفرًا لمحمد، لن تقبل توبتهم عند موتهم، وهذا قول قتادة.
الثاني: أنهم أهل الكتاب لن تقبل توبتهم؛ لذنوبٍ ارتكبوها مع الإقامة على كفرهم، وهذا قول أبي العالية.
الثالث: أنهم قومٌ ارتدوا ثم عزموا على إظهار التوبة على طريق التورية، فأطلع الله نبيه على سريرتهم، وهذا قول ابن عباس.
الرابع: أنهم اليهود والنصارى كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفرًا إلى حضور آجالهم، وهذا قول الحسن» 67.
والذي يترجح من خلال السياق القرآني أن رأي الحسن هو الأقرب إلى الصواب؛ ولذلك وصفوا بعد كل ما صدر منهم بأنهم هم الضالون 68 الذين عدلوا عن المنهج الحق عمدًا وظلمًا.
ثانيًا: ضلال الجهل والنسيان:
ورد ضلال الجهل والنسيان في القرآن الكريم من خلال جوانب عديدة، منها:
1.الضلال في حق النبي صلى الله عليه وسلم معناه الجهل بالأحكام الشرعية.
قال تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى?) [الضحى: 7] .
ويترجح أن الضلال هنا يعني أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم كان ضالًا جاهلًا عن علم الشرائع والأحكام في دين الله تعالى، فهداه الله تعالى إلى ذلك.
ودليل ذلك قوله تعالى: (الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَ?كِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ? وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: 52] 69.
2.تعليم الله للمؤمنين شرائعهم حتى لا يضلوا.
قال تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ? وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [النساء: 176] .
إن الله تعالى يذكر في هذه الآية الكريمة سبب تولي القرآن الكريم لبيان أحكام الميراث، وهو ألا يذهب الناس إلى طرقٍ ضالةٍ بأمور، منها إهمال الميراث جملةً، وألا يعطوا أحدًا من الورثة شيئًا، وجعل الحرية للمورث يوصي بماله لمن يشاء من غير قيد، وفي ذلك ضلالٌ أي ضلالٍ، إذ يترك ورثته ضياعًا، ويعطي المال غيرهم، وحرمان من يشاء المورث وإعطاء من يشاء، وفي ذلك إثارة للبغضاء والعداوة 70.
وتأتي هذه الآية الكريمة في فاصلتها لتبين أنه تعالى يبين أحكامه التي يحتاجونها، ويشرحها فضلًا منه وإحسانًا؛ لكي يهتدوا ببيانه، ويعملوا بأحكامه، ولأن لا يضلوا عن الصراط المستقيم بسبب جهلهم وعدم علمهم 71.
ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) 72.
3.الشعور بالضلال عند الصدمة.
قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ) [القلم: 26] .
فإن هذه الآية جاءت في معرض الحديث عن ابتلاء أصحاب الجنة، حيث اجتهدوا في اجتماعاتهم السرية على أن يمنعوا الفقراء من حقهم في خيرات جنتهم، وتعاهدوا فيما بينهم أن يأتوا صباح اليوم التالي لمؤامرتهم، فيقطفوا جميع الثمار ويبيعوها أو يدخروها؛ حتى لا ينتفع الفقراء من هذا الخير، فأحرقت بأمر الله تعالى ليلًا، فلما رأوها في اليوم التالي قالوا: إنا لضالون عن الطريق، من قوة الصدمة، كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي، وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا: بل نحن من حرم خيرها؛ لشؤم عزمنا على البخل، وبسبب ما وقع منا من العزم على منع المساكين من خيرها، ولخساستنا وخباثة نفوسنا، وبعدما بان لهم ذلك، قال أعدلهم رأيًا وعقلًا على وجه التقريع والتشنيع لإخوانه: ألم أقل لكم وقت مشاورتكم على حرمان الفقراء هلا تذكرون الله تعالى بالخير، ولم لا تشكرون نعمه بالإنفاق على الفقراء 73.
4.ضلال المرأة بنسيانها.
قال تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى? ?) [البقرة: 282] .
ووجه قوله: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) ، أنه لما كان الضلال سبب الإذكار، وهو متقدم عليه صار لتعلق كل واحدٍ منهما بالآخر، أي: فتذكرها إن ضلت 74.
5.ضلال المسلمين عن معرفة أحكام الدين قبل الإسلام.
قال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ? فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ? وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ?198?) [البقرة: 198] .
أي: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده، فما دام الأمر كذلك فاذكروا الله تعالى بتوحيده وتعظيمه كما ذكركم بالهداية، وما كنتم من قبله إلا من الضالين، والضلال هنا بمعنى الجهل بالمعارف الحقيقية 75.
وإن الشاهد هنا هو فاصلة الآية التي تطلب من المسلمين أن يذكروا الله تعالى؛ لهدايته لهم الإرشادية لأحكام الدين بعد هدايته التوفيقية للإسلام.
ورد في القرآن الكريم ما يبين أسباب الضلالة، ومنها:
أولًا: مخالفة أمر الله تعالى ومعصيته:
ورد الحديث عن مخالفة أمر الله ومعصيته واضحًا في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ? وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ?36?) [الأحزاب: 36] .
فقد وردت هذه الآية بعد الآية التي سميت آية النساء؛ لما ثبت أن أم عمارة الأنصارية أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء، فنزل قوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [الأحزاب: 35] الآية 76.
وتأتي هذه الآية لتبين أنه ما صح وما استقام لرجل ولا امرأة من المؤمنين والمؤمنات إذا قضى رسول الله أن يختار رأيًا غير ما قضاه الله ورسوله 77.
ولما كان الإيمان قد يدعى كذبًا لخفاء به، قال: (لْمُؤْمِنِ) أي: عبد الله بن جحش وزيد، (مُؤْمِنَة) ، أي: زينب بنت جحش وغيرها، فعلق الأمر بالإيمان؛ إعلامًا بأن من اعترض غير مؤمن، وإن أظهر الإيمان بلسانه 78.
والخيرة هنا تعني أن يختاروا من أمرهم ما شاؤوا، بل يجب عليهم أن يجعلوا آراءهم واختيارهم تبعًا لرأيه عليه السلام، واختياره، والمقصود هنا كل مؤمن وكل مؤمنة؛ لوقوع ذلك في سياق النفي 79.
إن هذه الآية تبين أن من يعص الله ورسوله في أمر من الأمور، ويعمل برأيه، فخالف الكتاب والسنة، فقد ضل طريق الحق، وعدل عن الصراط المستقيم؛ فهو بين الانحراف عن سنن الصواب 80.
ثانيًا: عدم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم:
لقد برز عدم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واضحًا في قوله تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ? فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ? وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ? وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [النور: 54] .
تأتي هذه الآية في معرض الحديث عن المنافقين، بأنهم أقسموا بالله طاقة ما قدروا، لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ونسائنا وأموالنا لخرجنا، ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا، فيقول الله تعالى لهم: لا تقسموا، فإن الأولى بكم من إيمانكم أن تطيعوا الطاعة المعروفة، والقول المعروف، بإخلاص القلب، ولا حاجة إلى اليمين، والمعنى: قد عرفت طاعتكم، وهي الكذب والتكذيب، أي: المعروف منكم الكذب دون الإخلاص، فالله تعالى خبير بما تعملون من طاعتكم بالقول، ومخالفتكم بالفعل 81.
لأن طاعة الله وطاعة الرسول بإخلاص الطاعة، وترك النفاق، فإن تولوا فإنما على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما حمل من تبليغ الرسالة، وعليهم ما حملوا من الطاعة له، ثم يأتي هذا الشرط وهو إن تطيعوا رسولكم صلى الله عليه وسلم تهتدوا، وما على الرسول إلا التبليغ المبين 82.
وقد سبقت الإشارة إلى أن الهداية تأتي في مقابل الضلالة بكل جوانبها، ومن ثم فإن الاستدلال بهذه الآية يكون من باب المخالفة.
وقد كان بعض السلف يقول: من أَمَّرَ السنة على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالحكمة، ومن أمر البدعة والهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة؛ لقوله تعالى: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) 83.
ثالثًا: اتباع الهوى:
لقد ورد اتباع الهوى في آيات عديدة، منها:
قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ? قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ? قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ?56?) [الأنعام: 56] .
أي: قل إني صرفت وزجرت بما نصب لي من الأدلة وأنزل علي من الآيات في أمر التوحيد عن عبادة ما تعبدون من دون الله تعالى، أو ما تسمونها آلهة، وتأتي (قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ) تأكيدًا لقطع أطماعهم، وإشارة إلى علة الامتناع عن متابعتهم، واستجهالًا لهم، وبيانًا لمبدأ ضلالهم، فإن المطلوب لمن تحرى الحق أن يتبع الحجة ولا يقلد 84.
وقال تعالى: (وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) [الأنعام: 119] .
أي: وإن كثيرًا من الكافرين ليعدلون عن المنهج المستقيم، متسلحين بما تهواه أنفسهم من تحيل الميتة وتحريمها بغير علم يعتمدونها في ذلك، ثم تأتي الفاصلة القرآنية (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) ، أي: بالمتجاوزين حدودهم، الذين تسلحوا بالهوى 85.
وقال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى? فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ?26?) [ص: 26] .
أي: يا داود صلى الله عليه وسلم إنا جعلناك خليفةً في الأرض لتدبر الناس بأمرٍ نافذ الحكم فيهم، حيث يأمر الله تعالى أن يحكم بين الناس بالعدل، وألا يميل مع ما يشتهي إذا خالف أمر الله تعالى، فيضله ذلك الهوى عن دين الله تعالى وطريقه جل جلاله، ثم تأتي الفاصلة القرآنية لتبين أن الذين تركوا الإيمان بيوم الحساب، فضلوا عن هذا الدين لهم عذابٌ شديدٌ يوم القيامة 86.
وقال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَ?هَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى? عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى? سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى? بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ? أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [الجاثية: 23] .
أي: إنما يأتمر بهواه فمهما رآه حسنًا فعله، ومهما رآه قبيحًا تركه، فيكون بذلك قد استحق إضلال الله تعالى له على علمٍ منه، بأنه يضله لعلمه أنه يستحق ذلك، أو أنه يضله الله بعد بلوغ العلم إليه، ولا شك أن الثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس 87.
رابعًا: اتباع الشيطان:
لقد ورد اتباع الشيطان واضحًا في آياتٍ عديدة، منها:
قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ?3?كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى? عَذَابِ السَّعِيرِ ?4?) [الحج: 3، 4] .
حيث جاءت هذه الآيات إثر بيان عظيم شأن الساعة المنبئة عن البعث بيانًا لحال بعض المنكرين لها، حيث بينت أن بعض الناس من يجادل في شأن الله تعالى، ويقول فيه ما لا خير فيه من الأباطيل ملابسًا بغير علمٍ، أي: دون دليلٍ من القرآن الكريم أو من السنة النبوية، ويتبع فيما يتعاطاه من المجادلة، أو في كل ما يأتي، وما يذر من الأمور الباطلة، التي من جملتها اتباع كل عاتٍ متمرد متجرد للفساد، والمراد هنا إما رؤساء الكفر الذين يدعون من دونهم إلى الكفر؛ فهم شياطين الإنس، وإما إبليس وجنوده؛ فهم شياطين الجن 88.
وقال تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى? حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَ?ذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَ?ذَا مِنْ عَدُوِّهِ ? فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى? فَقَضَى? عَلَيْهِ ? قَالَ هَ?ذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) [القصص: 15] .
إن هذه الآية تبين أن نبينا موسى صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغ أشده واستوى وأوتي من الحكم والعلم الشيء الكثير -وأن هذا جزاء كل محسن في طاعته- قد دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، إما وقت مقولته، أو غير ذلك من الأوقات التي بها يغفلون عن الانتشار، (فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ) ، أي: يتخاصمان ويتضاربان، هَ?ذَا مِنْ شِيعَتِهِ) من بني إسرائيل، (وَهَ?ذَا مِنْ عَدُوِّهِ) من القبط، (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) ؛ لأنه قد اشتهر وعلم الناس أنه من بني إسرائيل.
واستغاثته لموسى صلى الله عليه وسلم دليل على أنه صلى الله عليه وسلم بلغ مبلغًا يخاف منه، ويرجى من بيت المملكة والسلطان، فوكز الذي من عدوه استجابةً لاستغاثة الإسرائيلي، فأماته من تلك الوكزة؛ لشدتها وقوة موسى صلى الله عليه وسلم، فندم موسى عليه السلام لما جرى منه، وقال هذا من تزيين الشيطان، بوسوسته، فلذلك أجريت ما أجريت، بسبب عداوته البينة، وحرصه على الإضلال 89.
وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ?60?) [النساء: 60] .
أي: ألم تر يا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بالقرآن والتوراة، ووصفهم بادعاء الإيمان بالقرآن؛ لتأكيد العجيب من حالهم، وتشديد التوبيخ والاستقباح؛ لبيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتمًا للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين ما صدر عنهم من مخالفة الأمر المحتوم، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الداعي إلى الطغيان، بالحكم على خلاف المنزل إليك، والمنزل على من قبلك، فيعصون الله تعالى، ويطيعون الشيطان، ويريد الشيطان جنًا كان أو إنسًا أن يضلهم ضلالًا بعيدًا عن الحق والهدى 90.
وقال تعالى: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ?) [النساء: 119] .
أي: لأحرفنهم عن دين الله تعالى إلى دينٍ شرعه لهم إبليس كهيئة البحائر والسوائب 91، وقيل: لأضلنهم عن الحق، ولأمنينهم الأماني الباطلة، كطول الحياة، وألا بعث ولا عقاب، ومعنى (فَلَيُبَتِّكُنَّ) : يشقون آذان الأنعام؛ لتحريم ما أحل الله تعالى 92.
خامسًا: اتباع الكبراء والرؤساء:
قد برز اتباع الكبراء والرؤساء واضحًا في قوله تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ?67?) [الأحزاب: 67] .
تبين هذه الآية الكريمة أن الكبراء والسادة هم الذين لقنوا الكافرين الأتباع، والتعبير عنهم بعنوان السيادة والكبر؛ لتقوية الاعتذار، وإلا فهم في مقام التحقير والإهانة، وقد قرئ «سادة» ؛ و «سادات» على جمع الجمع -كما ورد عن ابن عامر الشامي-؛ للدلالة على الكثرة، تم تأتي الفاصلة القرآنية لتبين اعتراف الأتباع بأن الكبراء والسادة الذين هم رؤساؤهم في الشرك والشر، صرفوهم عن طريق الإسلام والتوحيد، بما زينوه لهم من الكفر والشرك، ولا شك أن حال الأتباع حينما قالوا كانت معاناة، وقسوة، وشدة في العذاب في النار 93.
ويلاحظ في هذه الآية الكريمة أن الكفار ينادون الله تعالى بصفة الربوبية؛ لأنهم يتحننون إليه، ويتوسلون إليه تعالى؛ لعل هذه الغمة تذهب عنهم، وتبين هذه الآية الكريمة أن الأتباع يقولون عن السادات والكبراء بأنهم أضلوهم السبيل؛ ليبينوا أنهم كانوا الحريصين على الإسلام، لكن قادة الكفر قد نصبوا المصائد والفخوخ والمشانق؛ حتى يحرفوهم عن الحق.
سادسًا: اتباع الآباء: