فهرس الكتاب

الصفحة 650 من 2431

فإذا بايع الإمام أهل الحل والعقد، وهم العلماء والفضلاء ووجوه الناس ثبتت ولايته، ولا يجب على عامة الناس أن يبايعوه بأنفسهم؛ وإنما الواجب عليهم أن يلتزموا طاعته في غير معصية الله تعالى؛ لأن المقصود بذلك المجموع لا الجميع؛ لأنه لو كلف الناس كلهم أن يبايعوا ويباشروا البيعة لشق ذلك على السلطان نفسه، وللحق الناس من ذلك المشقة العظيمة، بل يكفي أن يبايع أهل الحل والعقد، ويكون الناس تبعًا لهم، قال المازري: «يكفي في بيعة الإمام أن يقع من أهل الحل والعقد ولا يجب الاستيعاب، ولا يلزم كل أحد أن يحضر عنده ويضع يده في يده، بل يكفي التزام طاعته والانقياد له بأن لا يخالفه ولا يشق العصا عليه» 149.

وقال النووي رحمه الله: «أما البيعة فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس ... ، ولا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه الانقياد له، وألا يظهر خلافًا، ولا يشق العصا» 150.

ليس من شرط البيعة إجماع الناس عليها، ومبايعتهم جميعهم، كما هو مقرر عند العلماء في السياسة الشرعية، قال ابن جماعة: «ولا يشترط في أهل البيعة عدد مخصوص، بل من تيسر حضوره عند عقدها، ولا تتوقف صحتها على مبايعة أهل الأمصار، بل متى بلغتهم لزمهم الموافقة إذا كان المعقود له أهلًا لها» 151.

وقال المازري: «يكفي في بيعة الإمام أن يقع من أهل الحل والعقد، ولا يجب الاستيعاب، ولا يلزم كل أحد أن يحضر عنده ويضع يده في يده، بل يكفي التزام طاعته والانقياد له بأن لا يخالفه، ولا يشق العصا عليه» 152.

وقال النووي رحمه الله: «أما البيعة فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس، وأما عدم القدح فيه؛ فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافًا، ولا يشق العصا» 153.

وقال أبو يعلى: «أما انعقاد الإمامة باختيار أهل الحل والعقد فلا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد، قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: الإمام الذي يجتمع قول أهل الحل والعقد عليه كلهم يقول: هذا إمام، قال أبو يعلى: وظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم» 154.

وقيل: تنعقد بأقل من ذلك، وممن قال بعدم انعقادها إلا بجمهور أهل الحل والعقد المالكية والحنابلة، وقال المعتزلة بانعقادها بخمسة، وقال الشافعية بانعقادها بالأربعة والثلاثة والاثنين. وقال الحنفية بانعقادها بواحد 155.

والصواب ما قدمناه من أنه لا يشترط في البيعة إجماع الناس عليها، ولا عدد مخصوص.

والناظر في أدلة معظم هذه الأقوال التي فيها اشتراط عدد معين لا يجد فيها حجة ناهضة، أو دليلًا شرعيًّا معتبرًا، وعلى ذلك فالحكم الشرعي هو أن يقوم بانتخاب الخليفة جمعٌ يتحقق في تنصيبهم له رضا المسلمين بأي أمارة من أمارات التحقق، سواء أكان ذلك بكون المبايعين أكثر أهل الحل والعقد، أم بكونهم أكثر الممثلين للأمة، أو كان بسكوت المسلمين عن بيعتهم له، أو مسارعتهم بالطاعة بناء على هذه البيعة، أو بأي وسيلة من الوسائل، ما دام قد توفّر لهم التمكين التام من إبداء رأيهم، ولا يشترط كونهم أربعين، أو أكثر أو أقل، أو كونهم أهل العاصمة، أو الأقاليم والأمصار؛ لأن كل ذلك يرتبط بالحال والواقع الذي يشير إلى يسر وسائل الاتصال أو صعوبتها، فمع ثورة الاتصالات وإمكان التعرف على الآراء في وقت قصير يمكن بوساطة ما الاستدلال على الرضا والاختيار، فإن ذلك يعد من قبيل الوسائل التي يتم بها الواجب، وعلى هذا فإن الخلافة تنعقد إذا جرت البيعة من أكثر الممثلين لأكثر الأمة الإسلامية ممن يدخلون تحت طاعة الخليفة الذي يراد انتخاب خليفة مكانه، كما جرت الحال في عهد الخلفاء الراشدين، وتكون بيعتهم حينئذٍ بيعة عقد للخلافة، أما من عداهم فإن بيعتهم تصير بيعة طاعة.

أهل الحل والعقد من المسلمين هم الذين يتولون اختيار إمام المسلمين وخليفتهم ولا عبرة بقول العوام في بيعة الانعقاد، قال القرطبي: «إذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل الحلّ والعقد، أو بواحد على ما تقدّم، وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة، وإقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن تأبّى عن البيعة لعذر عذر، ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر؛ لئلا تفترق كلمة المسلمين» 156. وقد سبق قول الرملي: «أما بيعة غير أهل الحل والعقد من العوام فلا عبرة بها» 157.

والمقصود أن البيعة في إطارها العام تتكون من ثلاثة عناصر رئيسة، أولها: الطرف الذي أخذت البيعة له، وهو الشخص الذي يتولى منصب الإمامة. وثانيها: الطرف الذي أعطى البيعة لمن يستحق الإمامة، وهم أهل الحل والعقد خاصة، وجماهير الأمة الإسلامية عامة. وثالثها: موضوع البيعة، وهو إقامة نظام الخلافة الإسلامية، وفقًا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

من آثار البيعة وحدة الكلمة، وجمع الشمل، ومن المعلوم أن الاجتماع في شريعة الإسلام له أهمية كبرى، بل هو من مقاصد الشريعة؛ فالإسلام دين الاجتماع، ينهى عن الفرقة، ويأمر باجتماع الكلمة تحت لواء واحد، وسلطان واحد، وإمام واحد، ولهذا شرعت الجمع والجماعات من أجل الاجتماع، ومنع من إقامة جماعتين في آن واحد؛ لئلا تتفرق الكلمة.

ومن أجل هذا المقصد العظيم شرع الاجتماع على ولي أمر واحد، ومبايعته، وعدم منازعته، أو الخروج عليه.

ونجد أن الشارع الحكيم قد رتب القتل، وأمر به نتيجة الخروج على الإمام، مما يدل على حرمة هذا الفعل؛ لأنه به يحصل النزاع والشقاق، قال صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه) 158.

وقال صلى الله عليه وسلم: (ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر) 159.

وهذا يدل على أهمية اجتماع الناس على البيعة؛ لما لها من أهمية في استقرار المجتمع، وجمع الشمل، ووحدة الصف.

وقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تدعو المسلمين، وتأمرهم بالاجتماع والتآلف، وتنهى عن التفرق والاختلاف المؤديين إلى التنازع والفشل، فمن هذه الآيات قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? [آل عمران: 103] .

وقوله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ? وَأُولَ?ئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?105? [آل عمران: 105] .

ومنها قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: 46] .

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى، ووجه الدلالة من هذه الآيات أنها جميعًا جاءت متفقة على الأمر بالوحدة والتضامن، والنهي عن التشتت والافتراق والاختلاف؛ لما ينجم عن ذلك عادة من التنازع والفشل الممقوت، وكلها تدل على وجوب وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها، وذلك لا يتأتى إلا إذا كان إمامها واحدًا لا ينازعه أحد؛ إذ إن وجود إمامين فأكثر يؤدي إلى غيرة أحدهما من الآخر، ومنافسته له، ومحاولة التعالي عليه، ومن ثم إلى الشقاق والتناحر لا محالة، وهذا مما نهى الإسلام عنه، فدل على وجوب أن يكون إمام المسلمين واحدًا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ونتعلم من مبايعة الأمة للصديق رضي الله عنه بأن الحاكم في الدولة الإسلامية إذا وصل إلى الحكم عن طريق أهل الحل والعقد، وبايعته الأمة بعد أن توفرت فيه الشروط المعتبرة، فإنه يجب على المسلمين جميعًا مبايعته، والاجتماع عليه، ونصرته على من يخرج عليه؛ حفاظًا على وحدة الأمة، وتماسك بنيانها أمام الأعداء في داخل الدولة الإسلامية وخارجها 160.

ومن أجل هذا أوجب النبي صلى الله عليه وسلم البيعة بقوله: (ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) 161. فهذا الحديث فيه حث على وجوب إعطاء البيعة، والتوعد على تركها، فمن مات ولم يبايع مات على الضلال؛ ومن هنا ندرك أهمية إعطاء البيعة، والوفاء بها، وليس هذا في الإمامة العظمى فقط، بل حتى فيما دون ذلك. وقد علّق شيخ الإسلام ابن تيمية على الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمّروا عليهم أحدهم) 162 قائلًا: «فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر؛ تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة ... ، فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقربة إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات» 163.

ولأن البيعة الغرض منها اجتماع الناس على إمام واحد وجمع الكلمة، فقد ورد أن ابن عمر رضي الله عنه ما- كان من عادته عدم البيعة في حال الاختلاف، وكان يبايع عند اجتماع الكلمة.

فقد أخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «ما كنت لأعطي بيعتي في فرقة، ولا أمنعها من جماعة» 164.

وقد روى البخاري عن عبد الله بن دينار قال: شهدت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث اجتمع الناس على عبدالملك، قال: «إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وإن بنيّ قد أقرّوا بذلك» 165.

قال ابن حجر: «قوله: (حيث اجتمع الناس على عبد الملك) يريد ابن مروان بن الحكم، والمراد بالاجتماع: اجتماع الكلمة، وكانت قبل ذلك مفرقة، وكان في الأرض قبل ذلك اثنان كل منهما يدعى له بالخلافة، وهما: عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير» 166.

وقال: «وكان ابن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك، فلما غلب عبد الملك، واستقام له الأمر بايعه» 167.

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة، فقال: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة) 168.

قال المناوي: «وهذا حث على السمع والطاعة للإمام ولو جائرًا؛ وذلك لما يترتب عليه من اجتماع الكلمة، وعز الإسلام، وقمع العدو، وإقامة الحدود، وغير ذلك، وفيه التسوية في وجوب الطاعة بين ما يشق على النفس وغيره، وقد بين ذلك في رواية بقوله: (فيما أحب وكره) 169، ووجوب الاستماع لكل من تجب طاعته، كالزوج والسيد والوالد، واستدل به على أن الإمام إذا أمر بعض رعيته بالقيام ببعض الحرف والصنائع من زراعة وتجارة وعمل أنه يتعين على من عينه لذلك، وينتقل من فرض الكفاية إلى فرض العين عليه بتعيين الإمام» 170.

وجاء عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على العسر واليسر، في المنشط والمكره، على أن نقول، أو نقوم بالحق لا نخاف في الله لومة لائم) 171.

وهذه الطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره لولي الأمر لا تنافي النصح، فالدين النصيحة حتى لأئمة المسلمين، فلا يعني أن الإنسان إذا أسدى النصيحة لولي الأمر أنه يكون قد نقض بيعته، وانتقص حقه.

قال ابن جماعة: «وعلى طائفة الأمير امتثال أمره، والتزام طاعته، والرجوع إلى تدبيره ورأيه لتكون الكلمة مجتمعة والآراء متفقة، فإن الخير في اجتماع الكلمة، فإن ظهر لبعضهم صواب خفي على أميره، بينه له بأدب، وإن نابهم أمر رفعوه إليه» 172.

وكما أن للناس حقوقًا على ولي الأمر فكذلك له عليهم حقوق أعظمها وأهمها محبته، وطاعته في غير معصية الله، والدعاء له بالصلاح والهداية والتوفيق والإعانة، ونحو ذلك مما فيه منفعة له؛ ولعموم رعيته وللمسلمين عامة، وعلى هذا المنهج كان سلفنا الصالح من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، حتى وإن نالهم شيء منهم، كما حصل للإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما، وقد كان الإمام أحمد يقول: «لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل؛ لأن في صلاحه صلاحًا للمسلمين» 173.

وقال: «إني لأدعو له بالتوفيق والتسديد» 174، وذلك اتباعًا لما يعلمونه من شرع الله عز وجل، وإيمانًا منهم بما يحصل من طاعته وصلاحه من اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، واستتباب الأمن، وأداء الحقوق، وقيام مصالح الناس وحياتهم على الوجه السوي، وما يحصل بضدّ ذلك من الأضرار والمفاسد التي لا يعلم قدرها إلا الله عز وجل، ولا يعرف ذلك إلا من جربه.

ثانيًا: تأييد الله سبحانه وتعالى ومباركته:

ومن آثار البيعة تأييد الله سبحانه وتعالى للمتبايعين، ومباركته لهم، وفيض نعمه عليهم بسبب مبايعتهم، ووفائهم مع ربهم، قال تعالى: نَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ? فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى? نَفْسِهِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 10] .

قال السعدي: «هذه المبايعة التي أشار الله إليها هي (بيعة الرضوان) ، التي بايع الصحابة رضي الله عنهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يفروا عنه، فهي عقد خاص، من لوازمه أن لا يفروا، ولو لم يبق منهم إلا القليل، ولو كانوا في حال يجوز الفرار فيها» 175. وهؤلاء الموفون بالبيعة، وما عاهدوا الله ورسوله عليه كانت عاقبة صدقهم تأييد الله لهم، وكبت أعدائهم، وجعل كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.

والحصر المفاد من (إنما) حصر الفعل في مفعوله، أي: لا يبايعون إلا الله، وهو قصر ادعائي بادعاء أن غاية البيعة وغرضها هو النصر لدين الله ورسوله، فنزل الغرض منزلة الوسيلة، فادعى أنهم بايعوا الله لا الرسول 176.

فلما كانوا صادقين مع الله في تلك المبايعة أيدهم ونصرهم، وآتاهم أجرًا عظيمًا، وجعل يده فوق أيديهم، قال ابن كثير: «أي: هو حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى:? إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ? يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ? وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ? فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ? وَذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) [التوبة: 111] 177.

فهؤلاء في حقيقة الأمر أنما ژ? پژ ويعقدون العقد معه، وقوله: يُبَايِعُونَ اللَّهَ أي: كأنهم بايعوا الله وصافحوه بتلك المبايعة، فقوة الله تعالى وقدرته ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم، كما يقال: اليد في هذه المسألة لفلان، أي: الغلبة والنصرة له، أو المعنى: يد الله تعالى بالوفاء بما وعدهم من الخير والنصرة فوق أيديهم».

والمراد بهذه الجملة زيادة التأكيد على وجوب الوفاء والثبات، وتقرير أن عقد الميثاق من الرسول صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله تعالى؛ ولهذا قال: فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فلم يف بما عاهد الله عليهيَدُ اللَّهِ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى? نَفْسِهِ أي: وبال ذلك راجع إليه، وعقوبته واصلة له 178.

قال سيد قطب: «أما الحديث عن الوفاء بالبيعة، والنكث فيها في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ? فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى? نَفْسِهِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ?10? [الفتح: 10] .

فالإيحاء فيه أكثر إلى تكريم المبايعين، وتعظيم شأن البيعة، والإشارة إلى النكث جاءت بمناسبة الحديث عن الأعراب المتخلفين؛ وكذلك الإشارة إلى المنافقين والمنافقات، فهي إشارة عابرة، تدل على ضعف موقف هذه الطائفة» 179.

والمقصود أن جملة يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فيها ترغيب في الوفاء، وفيها دلالة أن الله حاضر معهم بتأييده ونصره إن هم صدقوا في البيعة، وعزموا الوفاء، وأخلصوا النية، وقد حصل هذا منهم رضوان الله عليهم.

ومذهب السلف في هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات أنه يجب الإيمان بها، وتفويض كيفيتها إلى الله تعالى، وترك تأويلها، وإن كان ابن كثير -كما سبق- قد قال: إن المعنى هو أنه سبحانه وتعالى حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله.

ثم بيّن سبحانه سوء عاقبة الناكثين، فقال: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى? نَفْسِهِ أي: إنما يعود وبال ذلك على الناكث، والله غني عنه، فمن نكث البيعة، ولم يف بما بايع عليه فإنما نكثه راجع عليه؛ لأنه يحرم نفسه الأجر الجزيل، والعطاء العظيم في الآخرة، والتأييد والنصر في الدنيا.

قال ابن كثير: «وقد قال محمد بن كعب القرظي: ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به، من مكر، أو بغى، أو نكث، وتصديقها في كتاب الله: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ? [فاطر: 43] . إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى? أَنْفُسِكُمْ [يونس: 23] . فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى? نَفْسِهِ [الفتح: 10] » 180.

فالإنسان الذي يخدع تحيق به خديعته، والإنسان الذي ينكث في عهده ويغدر يتسبب في إصابة نفسه وهلاكها، كذلك الإنسان الذي يبغي ويظلم عقوبته على نفسه في النهاية؛ ولذلك قيل: لا تمكر ولا تعن ماكرًا، ولا تخدع أحدًا؛ لأن خداعك سيعود عليك، ولا تبغ ولا تعن باغيًا، ولا تظلم ولا تعن ظالمًا، فهذه الأعمال بعواقبها، فمن مكر بغيره مكر به، ومن بغى على غيره فالبغي في الحقيقة عليه، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه.

ثم بيّن سبحانه جزاء الموفين، فقال: ? وَمَنْ أَوْفَى? بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ أي: أتى به كاملًا موفرًافَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا لا يعلم عظمه وقدره إلا الذي آتاه إياه.

والمقصود أن النصر والتأييد حليف الموفين ببيعتهم وعهودهم مع الله ورسوله، والخذلان رفيق الناكثين الباغين.

يقول سيد رحمه الله: «وما يزال القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة، وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة، إنّ وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله قائم في كل لحظة، ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة -ولو قل عددها- قائم كذلك في كل لحظة، وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ، وسنة ماضية لم تتوقف، وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة، وتثق في ذلك الوعد، وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة، وتصبر حتى يأذن الله، ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله، المدبر بحكمته، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة» 181.

ثالثًا: رضوان الله تعالى والأجر العظيم في الآخرة:

لما كانت البيعة هي التعاهد والتعاقد على الالتزام بالإسلام، أو بعض شرائعه، كالمبايعة على الجهاد، وبذل النفس والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، ونشر دينه، ونصرة نبيه، فالموفي بهذه البيعة ينال رضوان الله تعالى، والأجر العظيم في الآخرة، وقد قال الله تعالى في شأن أصحاب بيعة الرضوان: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ?18? [الفتح: 18] .

فالله تعالى هنا يخبر عن رضاه عن المؤمنين؛ إذ يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المبايعة التي بيّضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة -التي يقال لها: بيعة الرضوان، لرضا الله عن المؤمنين فيها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائرًا هذا البيت، معظمًا له، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من معه من المؤمنين، وكانوا نحوًا من ألف وخمسمائة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا 182. فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات 183.

فيا له من فوز! ويا له من رضوان!؛ لأن مصدره من الله العظيم لعبيده الضعفاء، فقد أنال المبايعين رضوانه، وهو أعظم خير في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ? ذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 72] .

وشهد لهم بإخلاص النية، وأنزل السكينة على قلوبهم، ووعدهم بفتح قريب، ومغانم كثيرة.

فالله سبحانه وتعالى يرضى ويرضي، يرضى عن عباده المحسنين، ويرضيهم بإحسانه، كما قال سبحانه عن النفس المؤمنة: ارْجِعِي إِلَى? رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر: 28] .

ففي الجمع بين صفة الرضا للنفس والرضا من الله عنها، إشارة إلى أن هذا الرضا الذي تجده النفس هو رضا دائم متصل؛ لأنه مستمد من رضا الله عنها، وأنه ليس مجرد شعور يطرقها، أو خاطر يطوف بها، ثم يذهب هذا الشعور ويغيب هذا الخاطر مع موجات الخواطر والمشاعر التي تموج في كيان الإنسان، كلا إنه رضا لا ينقطع أبدًا 184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت