والآية الكريمة نزلت في بيان ما يترتب على قتل رجل من الكفار الذين بيننا وبينهم عهد، ففيها دليل على مشروعية الدخول في العهد أو المعاهدة التي سماها الله تعالى في هذه الآية ميثاقًا؛ لأنها عهد وعقد مؤكد 116.
ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وادعته يهود كلها، وكتب بينه وبينها كتابًا، وألحق كل قوم بحلفائهم. وكان فيما شرط عليهم ألا يظاهروا عليه عدوًا 117. كما صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة عام الحديبية على أن وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، وعلى أن من جاءه منهم مسلمًا رده إليهم، ومن جاءهم من عنده لا يردونه إليه، وغير ذلك من الشروط 118.
أنواع المعاهدات: وإذا شرعت المعاهدات فإنها تتنوع حسب وجهة النظر إليها؛ فمن حيث التوقيت: قد تكون المعاهدة مؤبدة، كعقد الذمة، وقد تكون مؤقتة كالأمان والهدنة والموادعة، وقد تكون مطلقة الوقت. ولكل نوع منها أحكام خاصة، والكلام هنا ينصب على هذا النوع المؤقت بخاصة.
ومن حيث موضوعها: قد تكون معاهدات لوضع الحرب كالهدنة والصلح والموادعة. وهي الموضوع الرئيس الذي كانت تعقد المعاهدات من أجله، كما أنها هي المقصودة أساسًا بالبحث في كتب الفقه، وقد تتعلق بأمور التجارة والاقتصاد والخدمات والثقافة ونحوها مما يكون بين الدول من علاقات ومعاملات متنوعة. وليست كلها سواء من حيث المشروعية.
ومن حيث الأطراف: قد تكون ثنائية بين دولتين، وقد تتعدد أطرافها أكثر، فينضم إلى أحد الطرفين من يدخل في عهده كما في صلح الحديبية.
وكي تكون المعاهدات صحيحة تترتب عليها آثارها ينبغي أن تستجمع شروطًا لا بد منها، فإن اختلت هذه الشروط أو فقدت، أو اختل بعضها، ترتب على ذلك عدم صحة المعاهدة. وهي:
5.أهلية إبرام المعاهدات.
والأصل العام والقاعدة المتبعة أن يتولى إبرام المعاهدات رئيس الدولة «الخليفة» باعتباره ممثلًا للجماعة الإسلامية ومعبرًا عن إرادتها وناظرًا لمصلحتها، أومن ينوب عنه؛ لأنه يقوم مقام الخليفة نفسه ويعبر عنه. ولذلك لا تصح المعاهدة في مهادنة الكفار ونحوها إلا منهما، لما يترتب على عقد غيرهما لها من المفاسد، ولما فيه من الافتئات عليه.
6.الرضا.
حيث تقوم العقود في الإسلام على مبدأ الرضا الذي أرساه القرآن الكريم بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ?) [النساء: 29] .
فاقتضت الآية الكريمة إباحة سائر التجارات الواقعة عن تراضٍ من الطرفين، ويدخل في هذا جميع العقود، والموادعة عقد من هذه العقود.
7.المصلحة.
يشترط أن يكون في المعاهدة مصلحة للمسلمين وحاجة تدعو إليها، كي يتحقق الباعث على المعاهدة. وعلى هذا فإن وقعت المعاهدة مع الإخلال بهذا الشرط فهي فاسدة يجب نقضها وإبطالها وإعلام الطرف الثاني بذلك. ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الأنفال: 61] .
وهذه الآية الكريمة وإن كانت مطلقة، لكن إجماع الفقهاء على تقييدها برؤية المصلحة للمسلمين في ذلك بآية أخرى، وهي قوله تعالى: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ) [محمد: 35] .
فأما إذا لم يكن في الموادعة مصلحة فلا تجوز بالإجماع.
8.مشروعية محل المعاهدة.
يشترط لصحة المعاهدة أن يكون محلها أو موضوعها مشروعًا، فلا تصادم نصًا أوحكمًا شرعيًا ثابتًا، وألا يكون فيها تغيير للأوضاع الشرعية؛ لأن في هذا التغيير خروجًا على الشريعة وأحكامها ومناقضةً لها، وهو محرم وباطل على الإطلاق، ولا يجب الوفاء إلا بما كان مشروعًا من المعاهدات دون ما كان معصية لا تجوزه الشريعة 119.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ? فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? ذَ?لِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: 59] .
وقال سبحانه: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ? قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ(3 ) ) [الأعراف: 3] .
9.شرط المدة أو التوقيت.
من شروط المعاهدة أن تكون مؤقتة بمدة معينة، وذلك لبيان سريان المعاهدة والالتزام بها، ولا يتم ذلك إلا ببيان أول تلك المدة وآخرها. والمعاهدة قد تكون مؤقتة بمدة، وقد تكون مؤبدة، وقد تكون مطلقة عن التوقيت والتأبيد:
آثار المعاهدات الدولية على غير الأطراف:
الأصل في المعاهدات أنها تنتج أثرها وتلزم عاقديها «الأطراف في المعاهدة» دون غيرهم. إلا أن هذه القاعدة يكتنفها قاعدة أخرى تنازعها الحكم، وتجيز أن تتمتع الدول غير الأطراف بآثار المعاهدة وإن لم يكونوا طرفًا فيها، ودليل ذلك: هو قول الله تعالى: (فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ? وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا(89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى? قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ) [النساء: 89 - 90] .
فالذين يصلون إلى قوم بيننا وبينهم عهد أو ميثاق يدخلون معهم، وترتب المعاهدة آثارًا بالنسبة لهم، كما في صلح الحديبية؛ فقد جاء فيه أن من أحب أن يدخل في عهد محمد صلى الله عليه وسلم دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل فيه.
وتستنفد المعاهدة أغراضها وينتهي أجلها، فتفنى وتنتهي آثارها، وذلك عندما يطرأ عليها سبب من أسباب الانتهاء والانقضاء، ويمكن أن نجملها بأربعة أسباب 123:
وتنتهي المعاهدة المؤقتة بوقتٍ معلوم بانتهاء الوقت من غير حاجة إلى نبذٍ أو إعلام للطرف الآخر؛ لأن العقد المؤقت إلى غاية ينتهي بانتهاء الغاية، فالمعاهدة في هذه الحال أصبحت غير قائمة فعلًا.
وقد ينبذ الطرفان المعاهدة أو ينهياها صراحةً، وهو ما سماه الإمام الكاساني «النص على إنهاء المعاهدة» ، على غرار الإقالة في العقود.
وتنتهي المعاهدة كذلك إذا نقضها المعاهدون من الأعداء صراحةً أو دلالةً، ويكون هذا النقض بواحد من أمرين يدلان على ذلك:
أحدهما: قيامهم بأعمال تعتبر نقضًا للمعاهدة؛ لأنها مخالفة لموجبها. والدليل على ذلك: أن أهل مكة لما بدؤوا بالغدر ونقض العهد الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، قبل مضي المدة، حيث عاونت قريشٌ بني بكرٍ على خزاعة، وهم حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينبذ إليهم 124.
والثاني: مخالفتهم لشروط المعاهدة والإخلال بها. ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح ابني أبي الحقيق من اليهود على شروط اشترطها عليهم فخالفوها، فكان ذلك نقضًا منهم للصلح، كما هو معروف في كتب السيرة 125.
وقد تنهى المعاهدة بإرادة منفردة: والأصل في هذا قوله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى? سَوَاءٍ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ?58?) [الأنفال: 58] .
وانقضاء المعاهدة بالنبذ «الإلغاء» من جانب المسلمين يكون لأحد أمرين هما: تعذر الوفاء بشرط من شروط المعاهدة، وتغير الظروف التي عقدت المعاهدة في ظلها فتبدلت المصلحة الداعية إليها 126.
الوفاء بالعهود والمواثيق من أعظم ما يترتب على العقود، سواء كانت عقودًا بين العبد وربه تبارك وتعالى، أو بين العبد وإخوانه في أنواع المعاملات المختلفة، أو بين الدولة وغيرها من الدول والأمم والشعوب. وهو من القواعد العامة في الشريعة الإسلامية ومن أحكامها القطعية الثابتة، وهو كذلك معلم من المعالم البارزة في العلاقات الدولية الإسلامية.
والأصل في ذلك: كثير من الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، التي ترسي هذا المبدأ الأصيل في العلاقات الدولية وغيرها.
ففي الوفاء بالعهد أو العقد، يقول الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ?) [المائدة: 1] .
ووجه الاستدلال بالآية الكريمة: «أن العقد ما يعقده العاقد على أمر يفعله هو، أو يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه والعهد والأمان يسميان عقودًا؛ لأن معطيها قد ألزم نفسه الوفاء بها. والأيمان كذلك؛ لأن الحالف قد ألزم نفسه التمام عليه والوفاء به، والشركة والمضاربة تسمى أيضًا عقودًا؛ لأنها تقتضي الوفاء بما شرطه كل واحد من الربح والعمل لصاحبه، وألزم نفسه بما شرطه في شيء يفعله في المستقبل، فهو عقد كعقود البيوع والإجارات وغيرها. فقد اشتملت الآية الكريمة على إلزام الوفاء بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج وغيرهم من سائر الناس وجميع ما يتناوله اسم العقود» 127.
ويأمر الله تعالى بإتمام العهود إلى مدتها ويحذر من نقضها فيقول:(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى? مُدَّتِهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة: 4] .
ومنذ أن كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - رضوان الله عليهم - في مكة المكرمة والدعوة في مهدها لا تتجاوز أم القرى، يعلم الله تعالى أن المسلمين سيكون لهم دولة قوية.
وقد تحمل القوة أهلها على التهاون بالعهود والمواثيق تحقيقًا لمصلحة قريبة أو ثأرًا لمظلمة سابقة، فكان من حكمة الله تعالى أن يأتي التأكيد على الوفاء بالعهد والتحذير من الغدر في التعامل مع الأمم الأخرى، وكان ذلك أيضًا إرهاصًا بقيام دولة قوية عزيزة للمسلمين ينبغي أن تستشرف الحق والعدل والوفاء، فقال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ? إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى? مِنْ أُمَّةٍ ? إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ? وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92 ) ) [النحل: 91 - 92] 128.
وقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ? إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولً) [الإسراء: 34] .
وتواردت الآيات الكريمة في الوفاء بالعهد في مجالات العقيدة والعبادة والأخلاق وفي العلاقات الاجتماعية والدولية وفي المعاملات المالية وغيرها، وسلك القرآن الكريم في ذلك مناهج شتى، فقد أوجب الوفاء بالعهود بصيغة الأمر المباشر، وبصيغة الخبر، ثم بطريقة التحذير من عدم الوفاء أو التهاون بالعهود، وجعل الوفاء بالعهد من صفات المؤمنين 129.
ثم عرضت الآيات الكريمة للصورة المقابلة للوفاء فحذرت من خيانة العقود ونقضها وعدم مراعاتها مع بيان ما يترتب على ذلك من الآثار، فقال الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ?56? [الأنفال: 55 - 56] .
وقال سبحانه وتعالى: (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ? بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(100 ) ) [البقرة: 100] .
وقال سبحانه وتعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ? إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ?12?أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ? أَتَخْشَوْنَهُمْ ? فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?13?) [التوبة: 12 - 13] .
أما الأحاديث النبوية فقد جاءت بتفصيلات أوسع في الوفاء بالعهود والنهي عن الغدر والخيانة والنقض، حسبنا أن نشير إلى طرفٍ منها:
عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) 130.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان) . وقال: (لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامةٍ) 131.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) 132.
وأخرج أبو عبيد بسنده عن رجل من جهينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم لعلكم تقاتلون قومًا فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم ويصالحونكم على صلح، فلا تأخذوا منهم فوق ذلك، فإنه لا يحل لكم) 133.
وفي هذا دليل على أنه لا يجوز للمسلمين بعد وقوع الصلح بينهم وبين الكفار على شيء أن يطلبوا منهم زيادة عليه، فإن ذلك من ترك الوفاء بالعهد ونقض العهد وهما محرمان بنص القرآن والسنة 134.
وإذا كان للوفاء بالعهد أثره في الالتزام بالمعاهدات الدولية واستقرارها فإنه كذلك يجعل المعاهدين عونًا للمسلمين ويزرع في نفوسهم الثقة بهم، فقد أخرج القاضي أبو يوسف أن أبا عبيدة بن الجراح لما صالح أهل الشام واشترط لهم وعليهم شروطًا كان الصلح عليها، قالوا له: اجعل لنا يومًا في السنة نخرج فيه صلباننا بلا رايات، وهو يوم عيدنا الأكبر. ففعل ذلك وأجابهم إليه، فلم يجدوا بدًا أن يفوا لهم بما شرطوا، ففتحت المدن على هذا.
فلما رأى أهل الذمة وفاء المسلمين وحسن السيرة فيهم صاروا أشداء على عدو المسلمين وعونًا للمسلمين على أعدائهم، فبعث أهل كل مدينة ممن جرى الصلح بينهم وبين المسلمين رجالًا من قبلهم يتحسسون الأخبار عن الروم وعن ملكهم وما يريدون أن يصنعوا، فأتى أهل كل مدينة رسلهم يخبرونهم بأن الروم قد جمعوا جمعًا لم ير مثله، فأتى رؤساء أهل كل مدينة إلى الذي خلفه أبو عبيدة فأخبروه بذلك 135.
وقد كان الوفاء بالعهد والتحرز عن الغدر من المعالم البارزة والأصول الثابتة في الفقه الإسلامي، وكثيرًا ما نجدهم يعللون لما يذهب إليه بأن فيه وفاءً وتحرزًا عن الغدر. وإليك ما يدل على هذا:
وبهذا يضع الفقه الإسلامي قيدًا على الوفاء بالعهد، ويعاملهم بالمثل فيما هو سائغ جائز لنا. وهذا ما يفهم من قولهم آنفًا: «إن شرطوا أن لا نأسر منهم أحدًا، فليس ينبغي لنا أن نأسرهم أو نقتلهم إلا أن تظهر الخيانة منهم، بأن كانوا التزموا أن لا يقتلوا منا أحدًا، ولا يأسروا منا أحدًا، ثم فعلوا ذلك، فحينئذ يكون هذا منهم نقضًا للعهد، فلا بأس بأن نقتل أسراهم وأن نأسرهم، كما كان لنا ذلك قبل العهد» 141.
والأصل في هذا قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4] .
وقوله تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7] .
كما يدل على ذلك أيضًا أن أهل مكة لما نقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية بمساعدتهم بني بكرٍ على خزاعة، وكانت خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، قصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير نبذٍ إليهم، وسأل الله تعالى أن يعمي عليهم الأخبار حتى يأتيهم بغتة 142.
واتفق الفقهاء على أنه ينبغي على المسلمين أن يفوا بكل ما في المعاهدة من شرط صحيح، طالما أنها لا تزال قائمة لم تنتقض 143.
قال ابن حزم: «اتفق الفقهاء على أن الوفاء بالعهود التي نص القرآن على جوازها ووجوبها وذكرت فيه بصفاتها وأسمائها، وذكرت في السنة كذلك، وأجمعت الأمة على وجوبها أو جوازها، فإن الوفاء بها فرض، وإعطاؤها جائز. واختلفوا في الوفاء بكل عهد كان بخلاف ما ذكرنا، أيحرم إعطاؤه ويبطل إن عقد أم ينفذ؟» 144.
هذا، وبالمقارنة نجد البون شاسعًا بين تأكيد الإسلام على الوفاء بالعهد وشروطه ومنع الغدر، حتى غدا ذلك أصلًا عظيمًا في العلاقات الدولية والاجتماعية، وبين واقع غير المسلمين في القديم والحديث، وتعاملهم مع المسلمين بالغدر وعدم الوفاء، حتى اعترف بذلك كتابهم، ومنهم «فوشيه» الذي يقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى أتباعه بمراعاة المعاهدات وتنفيذ نصوصها، قبل أن تظهر في الغرب قاعدة احترام المعاهدات 145.
بل في وقت كان الغرب يغط فيه في دياجير الجهالة والظلمة، ولم يكن فيه أي احترام لذمةٍ أو عهد أو ميثاق، وإنما كانت القاعدة هي الكذب والخديعة والغدر، حتى إن الكنيسة الكاثوليكية في القرن السابع عشر قد قامت بإعفاء الأمراء الكاثوليك من الالتزام بالمعاهدات التي أبرموها مع الكفار وغير المؤمنين بالكاثوليكية، ومنها المعاهدات المبرمة مع البروتستانت 146.
فكان ذلك شهادة لا يرقى إليها الشك؛ إذ هي شهادة من الأعداء، تدل على عظمة الإسلام وأحكامه وسمو مبادئه التي تقوم على الحق والعدل اللذين قامت بهما السموات والأرض 147.
ثالثًا: الدولة الإسلامية وجنوح العدو إلى السلم: