فهرس الكتاب

الصفحة 2083 من 2431

ولا شك أن الحق سبحانه نهى عن موالاة الكفار بنص صريح، فقال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) } [المجادلة: 22] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) } [المائدة: 51] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) } [آل عمران: 118] .

وأخبر أنه إذا لم يكن المؤمنون بعضهم أولياء بعض والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، ويتميز هؤلاء عن هؤلاء، فإنها تكون فتنة في الأرض وفساد كبير.

ولا ينبغي أبدًا أن يثق المؤمن بغير المؤمن مهما أظهر من المودة وأبدى من النصح؛ فإن الله تعالى يقول عنهم: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) } [النساء: 89] .

ويقول سبحانه لنبيه: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) } [البقرة: 120] .

والواجب على المؤمن أن يعتمد على الله في تنفيذ شرعه، وأن لا تأخذه فيه لومة لائم، وأن لا يخاف من أعدائه، فقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) } [آل عمران: 175] .

وقد جاء النص الصريح من كتاب الله عز وجل على أن من اتخذ الكفار أولياء من دون المؤمنين أنه: منافق لا يؤمن بالله ولا بالنبي وما أنزل إليه وأنه من جملة الكفار الذين والاهم ونصرهم.

قال تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) } [النساء: 138 - 139] .

وخلاصة الأمر أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم خوفًا منهم ومداراة لهم ومداهنة لدفع شرهم فإنه كافر مثلهم وإن كان يكره دينهم ويبغضهم ويحب الإسلام والمسلمين.

لا شك أن النفوس المطبوعة على المداراة نفوسٌ أدركت أن الناس خلقوا ليكونوا في الائتلاف كجسد واحد، وشأن الأعضاء السليمة أن تكون ملتئمةً متماسكةً على قدر ما فيها من حياة، ولا تنكر عضوًا ركب معها في جسد إلا أن يصاب بعلةٍ يعجز الاطباء أن يصفوا لها دواء 68.

ومن هنا تبرز أهمية الاتحاد والتعاون الاجتماعي. وفي المقابل نجد النفوس الشريرة لا تسعى لتحقيق هذا الخلق النبيل. بل تعمل صباح مساء على إشعال نار الفتنة وتهييج النفوس وشحنها بالبغضاء وحثها على الخراب والقتل والدمار. ولا شك أنه لحصول ذلك كله أسبابٌ ودواعٍ تقتضيه. وهذا ما سنبينه بحول الله وقوته فيما يأتي:

أولًا: أسباب المداهنة المشروعة:

1.مداراة الناس صدقة.

قال ابن حجر: ما ورد فيه صريحًا: أي في جواز المداراة حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مداراة الناس صدقة) 69.

وقال أبو حامد الغزالي «الناس ثلاثة: أحدهم مثل الغذاء لا يستغنى عنه. والأخر مثل الدواء يحتاج اليه في وقت دون وقت. والثالث: مثل الداء لا يحتاج اليه لكن العبد اذا ابتلي به وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع فتجب مداراته الى الخلاص منه 70.

ومعنى الحديث: أن المداراة واللين والتعطف تكون صدقةً على صاحبها إذا ابتلي الرجل بمخالطة الناس معاملةً ومعاشرةً فألان جانبه معهم وتلطف ولم ينفر منهم 71.

2.المداراة من الحكمة والذكاء لإرضاء الناس.

لما كانت المداراة رأس العقل صارت بدهيًا من الحكمة والذكاء.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال «رأس العقل بعد الايمان بالله مداراة الناس» 72.

والمداراة يبتغى بها رضى الناس وتأليفهم في حدود ما ينبغي أن يكون، فلا يبعدك عنها قضاء بالقسط أو إلقاء نصيحة في رفق. والمداراة ترجع الى ذكاء الشخص وهو الذي يراعي في مقدارها وطريقتها ما ينبغي أن يكون ولأسباب العداوة مدخل في تفاوت مقادير المداراة واختلاف طرقها 73.

والمداراة من أخلاق الأنبياء عليهم السلام.

قال شعيب عليه السلام لقومه: (ٹ ٹوَإِلى مَديَنَ أَخاهُم شُعَيبًا قالَ يا قَومِ اعبُدُوا اللَّهَ ما لَكُم مِن إِلهٍ غَيرُهُ وَلا تَنقُصُوا المِكيالَ وَالميزانَ إِنّي أَراكُم بِخَيرٍ وَإِنّي أَخافُ عَلَيكُم عَذابَ يَومٍ مُحيطٍ ?84? وَيا قَومِ أَوفُوا المِكيالَ وَالميزانَ بِالقِسطِ وَلا تَبخَسُوا النّاسَ أَشياءَهُم وَلا تَعثَوا فِي الأَرضِ مُفسِدينَ?85? بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيرٌ لَكُم إِن كُنتُم مُؤمِنينَ وَما أَنا عَلَيكُم بِحَفيظٍ ?86? قالوا يا شُعَيبُ أَصَلاتُكَ تَأمُرُكَ أَن نَترُكَ ما يَعبُدُ آباؤُنا أَو أَن نَفعَلَ في أَموالِنا ما نَشاءُ إِنَّكَ لَأَنتَ الحَليمُ الرَّشيدُ ?87? قالَ يا قَومِ أَرَأَيتُم إِن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبّي وَرَزَقَني مِنهُ رِزقًا حَسَنًا وَما أُريدُ أَن أُخالِفَكُم إِلى ما أَنهاكُم عَنهُ إِن أُريدُ إِلَّا الإِصلاحَ مَا استَطَعتُ وَما تَوفيقي إِلّا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإِلَيهِ أُنيبُ) [هود: 84 - 88] .

وقال نوح لقومه: (قالَ يا قَومِ أَرَأَيتُم إِن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبّي وَآتاني رَحمَةً مِن عِندِهِ فَعُمِّيَت عَلَيكُم أَنُلزِمُكُموها وَأَنتُم لَها كارِهونَ ?28?وَيا قَومِ لا أَسأَلُكُم عَلَيهِ مالًا إِن أَجرِيَ إِلّا عَلَى اللَّهِ وَما أَنا بِطارِدِ الَّذينَ آمَنوا إِنَّهُم مُلاقو رَبِّهِم وَلكِنّي أَراكُم قَومًا تَجهَلونَ ?29? وَيا قَومِ مَن يَنصُرُني مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُهُم أَفَلا تَذَكَّرونَ ?30? وَلا أَقولُ لَكُم عِندي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعلَمُ الغَيبَ وَلا أَقولُ إِنّي مَلَكٌ وَلا أَقولُ لِلَّذينَ تَزدَري أَعيُنُكُم لَن يُؤتِيَهُمُ اللَّهُ خَيرًا اللَّهُ أَعلَمُ بِما في أَنفُسِهِم إِنّي إِذًا لَمِنَ الظّالِمينَ) [هود: 28 - 31] .

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمداراة وفعله إياها.

فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنا لنكشر في وجوه القوم وقلوبنا تلعنهم) 74.

وفي رواية أخرى ما يؤيد ذلك، فعن جرير ابن عبد الله قال: (جاء ناسٌ من الأعراب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن ناسًا من المصدقين يأتونا فيظلمونا، قال فقال: «أرضوا مصدقيكم» ، فقالوا: يا رسول الله وإن ظلمونا؟ قال: «أرضوا مصدقيكم» وزاد عثمان و «إن ظلمتم» ) 75.

3.المداراة علاج للعداوة بين الناس.

قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) } [فصلت: 34] .

«يقول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند الإساءة فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم» 76.

ثانيًا: صور من المداهنة المشروعة:

الصورة الأولى: المداراة بالكلمة اللينة والقول الحسن، كما في قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة:83] .

«فينبغي على الإنسان عند تعامله مع الناس، ودعوتهم إلى الخير أن يخاطبهم بالطيب من الكلام مبتعدًا عن الألفاظ والكلمات النابية، من اللعن والسب والشتم، والإغلاظ في القول، متأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملاته مع الناس، وسأكتفي بذكر بعض الأحاديث الدالة على أهمية الكلمة اللينة، والكلام الحسن، وأنهما من أفضل الأعمال عند الله سبحانه، وبهما ترتفع درجة العبد عند ربه عز وجل وينال بهما إذا أضيفا إلى بقية أعماله الصالحة رضوان الله سبحانه والفوز بالجنة.

فعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل، الكلمة الحسنة والكلمة الطيبة) 77.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه من حديث طويل رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله ربه عز وجل عن الدرجات. قال: (أي: الله سبحانه) وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام) 78.

وللكلمة الطيبة في النفوس مفعول أكثر من إعطائها المال، فعن عروة بن الزبير بن العوام قال: مكتوب في الحكمة: لتكن كلمتك طيبة، وليكن وجهك بسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء 79.

وفي المقابل فإن للكلمة السيئة أثرًا في نفوس السامعين، فقد تؤدي إلى الوقوع في أعراض الناس وغيبتهم، ونسبتهم إلى ما هو غير كائن، كما يفهم ذلك من مفهوم الآيات والأحاديث السابقة.

والأحاديث النبوية، وأقوال أهل العلم كثيرة في هذا الموضوع تبين أهمية الكلمة الطيبة وأثرها على الأفراد والجماعات.

الصورة الثانية: المداراة بطلاقة الوجه والبشر: التبسم والضحك والانبساط، ومن ذلك ما روي عن أبي الدرداء أنه قال: (إنا لنكشر في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم) 80.

ونكشر في وجوه القوم: أي: نبسم في وجوههم. وكاشره: إذا ضحك في وجهه وباسطه 81.

وكان عليه الصلاة والسلام كما ثبت في بعض الأحاديث، إذا لقي رجلًا هاشًا باشًا صافحه وأقبل عليه. روى عكرمة قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي الرجل فرأى في وجهه البشر صافحه) 82.

ولقد عد الرسول صلى الله عليه وسلم التبسم من الصدقة، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) 83.

ويلحق بطلاقة الوجه والبشر، الترحيب بالفاجر وإلانة الكلام له.

فعن عبدالرحمن بن جابر بن عتيك عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سيأتيكم ركيب مبغضون. فإذا جاءوكم فرحبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم وليدعوا لكم) 84.

هذه الأدلة وأمثالها تبين لنا أهمية طلاقة الوجه والبسمة والضحك في إقامة بعض الروابط والعلاقات الاجتماعية بين الناس.

الصورة الثالثة: المداراة بالعطايا والهبات

الإحسان إلى الداخلين في الإسلام حديثا، إنما شرع لتحبيبهم في الإسلام وجذبهم إليه، واستبعادهم عن الشرك، ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحسن إليهم بالقول والفعل، بالكلمة الطيبة، والملاطفة والانبساط في وجوههم، أو بإعطائهم مالًا، أو عقارًا تأليفًا لقلوبهم، ليحسن إسلامهم والحوادث التي تدل على ذلك من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة أذكر طرفًا منها:

بعد غزوتي حنين والطائف حيث حسن إسلام أكثر المؤلفة قلوبهم وانخرطوا في الجهاد يدافعون عن الإسلام ويتمنون الشهادة في سبيل الله، بل وانقلب بغضهم الشديد للرسول صلى الله عليه وسلم إلى حبٍ سيطر على قلوبهم وعقولهم فعن صفوان قال: (والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، ما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي) 85.

وتظهر حكمة مداراة الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار عندما غضبوا من طريقة توزيع الغنائم بعد غزوة الطائف. قال لهم: (أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون أنتم برسول الله تحوزونه إلى بيوتكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله رضينا. فقال: لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار شعبًا لأخذت شعب الأنصار) . وفي رواية أخرى: (ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل وتذهبون برسول الله إلى رحالكم. الأنصار شعار والناس دثار ولولا الهجرة لكنت امرًا من الأنصار) 86.

الصورة الرابعة: المداراة بالنصيحة والدعاء للحكام.

و المقصود هنا، كيف نتعامل مع الحكام سواء أكانوا من الكفار أم من المسلمين، وكيف نتعامل مع الفجار، والفسقة وأضرابهم من الناس، إما لجلبهم للدين، أو ردهم عن الظلم والتجبر وأكل أموال الناس بالباطل، أو اتقاء شرهم وفحشهم، أو إبعادهم عن غيهم وفسادهم.

لا شك أن هذا الأسلوب لا يكون إلا بالطرق الطيبة الحكيمة مثل الكلام اللطيف، والابتسامة الرقيقة، والتنبيه على الأخطاء برفق ولطف، وأسلوب حسن، والدعاء لهم بالهداية والتوفيق، وأن يعينهم الله على ترك الباطل، وإقامة الحق، والتعاون معهم على الخير. وإذا ما تم ذلك فقد يضمحل الشر في نفوسهم، أو يزول، ويكثر الخير، وأيضًا عدم التشهير بعيوبهم، والتشنيع عليهم على رؤوس الأشهاد لما فيه من الفساد والفتنة والاقتتال، وسفك الدماء. ولا يخفى ما فعله الخارجون على الخليفة عثمان رضي الله عنه حينما أنكروا عليه بعض أعماله علنًا، فأدى ذلك إلى الاقتتال، والفتنة بين المسلمين، وتفريق وحدتهم وجماعتهم.

ويفهم أيضًا من قوله تعالى لموسى وهارون - عليهما السلام - عندما أمرهما سبحانه: بالذهاب إلى فرعون، ودعوته للحق قال سبحانه {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) } [طه: 44] .

ويفهم أيضًا من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في كيفية معاملة الأمراء لمصلحة حقن دماء المسلمين ومنع سفكها بغير حق فعن أم سلمة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا: أفلا نقاتلهم. قال: لا ما صلوا) . وفي رواية: (قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك، قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، إلا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة) 87.

قال النووي: «أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر عليهم، وإن ظلموا وأكلوا أموال الناس بالباطل، واللين معهم مع كراهة أفعالهم بقلوبنا للبراءة من الإثم إذا لم نستطع أن نغير المنكر باليد واللسان» 88.

الصورة الخامسة: المداراة بالصحبة الجميلة والمعاشرة الحسنة.

الأسرة قائمة على المودة والرحمة، والإحسان، والمعروف. حتى في أشد الحالات وأصعبها، كالطلاق مثلًا.

يقول تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة: 231] .

والعلاقات الأسرية، وبخاصة بين الزوجين ينبغي أن يسودها اللين، والمجاملة، والعطف، والإغضاء عن الهفوات، والصبر على الأذى، للمحافظة على تماسك الأسرة، وصفاء جوها.

يقول تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) } [النساء: 19] .

والعشرة بين الزوجين، كما هو معلوم تكون بالقول والفعل، والصحبة الجميلة وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، والرفق، وكف الأذى، وعدم إظهار الكراهة وغير ذلك. ويفعل ذلك كله بإقبال وبشر وطلاقة وجه.

ولعل الحكمة من مجاهدة النفس والتخلق بالأخلاق الجميلة، هو زوال الكراهة بين الزوجين لتخلفها المحبة بينهما 89.

والأدلة من السنة النبوية الكريمة، المؤكدة على حسن معاشرة الرجل لزوجته والوصاة بها كثيرة.

روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المرأة كالضلع. إن أقمتها كسرتها، وان استمعت بها استمعت بها وفيها عوج) 90.

وفي لفظ آخر عنه: (إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج) 91.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. فلا يؤذ جاره، واستوصوا بالنساء خيرا. فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وان تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرًا) 92.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيرًا) كأن فيه رمزًا إلى التقويم برفق بحيث لا يبالغ فيه فيكسر، ولا يتركه فيستمر على عوجه والمراد أن يتركها على اعوجاجها في الأمور المباحة، وأن لا يتركها على الاعوجاج إذا تعدت ما طبعت عليه من النقص، إلى تعاطي المعصية بمباشرتها أو ترك الواجب 93.

ففي هذه الأحاديث، الندب إلى المداراة لاستمالة النفوس وتألف القلوب، وفيها: سياسة النساء بأخذ العفو منهن، والصبر على عوجهن. وأن من رام تقويمهن فاته الانتفاع بهن. مع أنه لا غنىً للإنسان عن امرأة يسكن إليها، ويستعين بها على معاشه، فالاستمتاع بها لا يتم إلا بالصبر عليها 94.

ومن هديه صلى الله عليه وسلم في المداراة أنه كان يرسل الجواري إلى عائشة - رضي الله عنها - يلاعبنها بالبنات (اللعب) فعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: وكانت تأتيني صواحبي فكن ينقمعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسربهن إلي) 95.

ومن هديه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه كان يصلح بينهن حال خصومتهن من غيرة ونحوها. فعن أنس رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام. فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلتت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارت أمكم. ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت فيه) 96.

وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم الكذب بين الزوجين، لمصلحة التآلف.

فعن ابن شهاب أن حميد بن عبدالرحمن أخبره أن أمه أم كلثوم بنت عقبة أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرًا وينمي خيرًا) .

قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها» 97.

ولقد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة كيفية التعامل مع الأبناء والصغار، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر.

ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: (قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقال: نعم، قالوا: لكنا والله ما نقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة) 98.

وأرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك إلى الإحسان إلى البنات والصبر عليهم فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل تدرك له ابنتان فيحسن إليهما، ما صحبتاه، أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة) 99.

وعن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان له ثلاث بنات، فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته. كن له حجابًا من النار يوم القيامة) 100.

وفي الباب أحاديث كثيرة تبين كيفية مداراته صلى الله عليه وسلم للصغار من حيث التحبب إليهم وملاينتهم وملاعبتهم، والتجاوز عن هفواتهم وأخطائهم، والدعاء لهم. ومعلوم كيف كان صلى الله عليه وسلم يعامل الأطفال الصغار، وينهي عن زجرهم إذا ما ارتكبوا خطأ ما. وبلغ من مداراته صلى الله عليه وسلم لهم أنه حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة. فعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص وهي ابنة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها) 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت