فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 2431

الإنجيل

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن منظور: «الإنجيل: كتاب عيسى، على نبينا وعليه -الصلاة والسلام-، يؤنث ويذكر، فمن أنث أراد الصحيفة، ومن ذكر أراد الكتاب» 1. ويجمع على أناجيل.

وقد اختلف العلماء في أصله اللغوي وهل هو عربي أو معرب، والراجح هو أن كلمة الإنجيل معربة، وإن اختلف في أصلها هل هي سريانية أو عبرية أو رومية أو يونانية، وهو الأظهر كما ذهب الطاهر بن عاشور رحمه الله وهي تعني: البشارة، أو الخبر الطيب، أو الخبر السار. وهذه البشارة عند المسلمين هي عبارة عن بشارة المسيح بنبي آخر الزمان محمد صلى الله عليه وسلم.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

كلمة إنجيل إذا أطلقت فلها معنيان:

الأول: الكتاب المنزل من عند الله تعالى على المسيح عليه السلام، وهو مفقود، ولم يبق منه إلا نتف قليلة مما بين أيدي النصارى الآن، قال الطاهر بن عاشور في تعريفه بهذا المعنى: «اسمٌ للوحي الذي أوحي به إلى عيسى عليه السلام فجمعه أصحابه» 2.

الثاني: الإنجيل الذي تعظمه النصارى الآن، وهو عبارة عن «أربعة كتبٍ تعرف بالأناجيل الأربعة، وعلى ما يسمونه العهد الجديد، وهو هذه الكتب الأربعة مع كتاب أعمال الرسل (أي الحواريين) ورسائل بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب ورؤيا يوحنا، أي: على المجموع، فلا يطلق على شيءٍ مما عدا الكتب الأربعة بالانفراد، والأناجيل الأربعة عبارةٌ عن كتبٍ وجيزةٍ في سيرة المسيح عليه السلام وشيءٍ من تاريخه وتعليمه؛ ولهذا سميت أناجيل وليس لهذه الكتب سندٌ متصلٌ عند أهلها، وهم مختلفون في تاريخ كتابتها على أقوالٍ كثيرة» 3.

ورد (الإنجيل) في القرآن الكريم (12) مرة 4.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الاسم ... 12 ... {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} [المائدة:47]

وجاء الإنجيل في القرآن بمعنى: كتاب عيسى عليه السلام، يذكر ويؤنث، فمن أنث أراد الصحيفة، ومن ذكر أراد الكتاب 5.

القرآن:

القرآن لغة:

القاف والراء والياء أصل صحيح يدل على الشيء المجموع، وقرأت الشيء قرآنًا: جمعته، وضممت بعضه على بعض، وقرأت الكتاب قراءةً وقرآنًا، ومنه سمي القرآن؛ لأنه يجمع السور فيضمها 6.

القرآن اصطلاحا:

كلام الله تعالى، المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بواسطة سيدنا جبريل عليه السلام، المتعبدٌ بتلاوته، المنقولٌ إلينا بالتواتر، المقروءٌ في المصاحف، المبدوء بسورة الفاتحة والمنتهي بسورة الناس» 7.

الصلة بين الإنجيل والقرآن:

كلاهما كتابان من الكتب السماوية، إلا أن القرآن أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والإنجيل أنزل على عيسى عليه السلام.

التوراة:

التوراة لغة:

قال أبو حيان: «التوراة: اسمٌ عبرانيٌ، وقد تكلف النحاة في اشتقاقها، وفي وزنها، وذلك بعد تقرير النحاة أن الأسماء الأعجمية لا يدخلها اشتقاقٌ، وأنها لا توزن، يعنون اشتقاقًا عربيًا» 8.

وقال الطاهر بن عاشور: «هو اسمٌ عبرانيٌ أصله (طورا) بمعنى الهدى، والظاهر أنه اسمٌ للألواح التي فيها الكلمات العشر التي نزلت على موسى عليه السلام في جبل الطور؛ لأنها أصل الشريعة التي جاءت في كتب موسى، فأطلق ذلك الاسم على جميع كتب موسى، واليهود يقولون (سفر طورا) فلما دخل هذا الاسم إلى العربية أدخلوا عليه لام التعريف التي تدخل على الأوصاف والنكرات لتصير أعلامًا بالغلبة: مثل العقبة» 9.

التوراة اصطلاحا:

«التوراة اسمٌ للكتاب المنزل على موسى عليه السلام» 10.

ويراد بها في اصطلاح اليهود: خمسة أسفار يعتقدون أن موسى عليه السلام كتبها بيده ويسمونها (بنتاتوك) نسبة إلى (بنتا) ، وهي كلمة يونانية تعني خمسة، أي: الأسفار الخمس، وهذه الأسفار هي: سفر التكوين، سفر الخروج، سفر اللاويين، سفر العدد، سفر التثنية، وقد يطلق النصارى اسم التوراة على جميع أسفار العهد القديم.

أما في اصطلاح المسلمين فهي: الكتاب الذي أنزله الله على موسى عليه السلام نورًا وهدى لبني إسرائيل 11.

قال الشيخ محمد رشيد رضا: «كلمةٌ عبرانيةٌ معناها المراد: الشريعة أو الناموس، وهي تطلق عند أهل الكتاب على خمسة أسفارٍ يقولون إن موسى كتبها، وهي سفر التكوين وفيه الكلام عن بدء الخليقة وأخبار بعض الأنبياء، وسفر الخروج، وسفر اللاويين أو الأخبار، وسفر العدد، وسفر تثنية الاشتراع، ويقال التثنية فقط. ويطلق النصارى لفظ التوراة على جميع الكتب التي يسمونها العهد العتيق، وهي كتب الأنبياء وتاريخ قضاة بني إسرائيل وملوكهم قبل المسيح ومنها ما لا يعرفون كاتبه، وقد يطلقونه عليها وعلى العهد الجديد معًا، وهو المعبر عنه بالإنجيل وسيأتي تفسيره. أما التوراة في عرف القرآن فهي ما أنزله الله تعالى من الوحي على موسى عليه الصلاة والسلام؛ ليبلغه قومه لعلهم يهتدون به» 12.

الصلة بين الإنجيل والتوراة:

كلاهما كتابان من الكتب السماوية، إلا أن الإنجيل أنزل على عيسى عليه السلام، والتوراة أنزل على موسى عليه السلام.

الزبور:

الزبور لغةً:

قال ابن فارس: (زبر) «الزاي والباء والراء أصلان: أحدهما يدل على إحكام الشيء وتوثيقه، والآخر يدل على قراءة وكتابة وما أشبه ذلك، زبرت الكتاب، إذا كتبته، ومنه الزبور» 13. وقال الكفوي: «كل كتاب غليظ الكتابة يقال له زبور» 14.

الزبور اصطلاحًا:

هو كلام الله المنزل وحيًا على رسوله داود عليه السلام ليبلغه لقومه.

الصلة بين الزبور والإنجيل:

كلاهما كتابان من الكتب السماوية، إلا أن الزبور نزل على داود عليه السلام، والإنجيل نزل على عيسى عليه السلام.

الصحف:

الصحف لغةً:

قال ابن فارس: (صحف) » الصاد والحاء والفاء أصل صحيح يدل على انبساط في شيء وسعة. يقال: إن الصحيف: وجه الأرض، ومن الباب: الصحيفة، وهي التي يكتب فيها، والجمع: صحائف، والصحف أيضًا، كأنه جمع صحيف» 15.

الصحف اصطلاحًا:

وهي كلام الله الذي أنزله على نبيه إبراهيم، وتسمى صحف إبراهيم، وكلام الله المنزل على موسى وهو التوراة، وتسمى صحف موسى، وهو مذهب أكثر المفسرين، والله أعلم.

عن ابن عباس رضي الله عنهما، (قال: لما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلها في صحف إبراهيم وموسى) 16.

الصلة بين الإنجيل والصحف:

مما سبق يتضح أن الإنجيل وصحف موسى كلاهما كتابان من الكتب السماوية، إلا أن الإنجيل أنزل على عيسى عليه السلام وصحف موسى أنزل على موسى عليه السلام.

أما صحف إبراهيم؛ فهو من الكتب السماوية كذلك، إلا أنه أنزل على إبراهيم عليه السلام قال ابن عاشور: «وأما صحف إبراهيم فكان المأثور منها أشياء قليلة، وقدرت بعشر صحف، أي مقدار عشر ورقات بالخط القديم، تسع الورقة قرابة أربع آيات من آي القرآن بحيث يكون مجموع صحف إبراهيم مقدار أربعين آية» 17.

ورد ذكر الإنجيل في القرآن مقترنًا بالتوراة في ثمانية مواضع، وذلك لعدة أسباب:

أولًا: أن كلا الكتابين أنزل في بني إسرائيل، فالتوراة أنزلت على موسى والإنجيل أنزل على عيسى، وكلاهما مرسل في بني إسرائيل وإليهما خاصة.

ثانيًا: أن الإنجيل جاء مصدقًا لما بين يديه من التوراة ومكملًا بعض ما فيها من أحكام، كما جاء في القرآن الكريم على لسان المسيح عليه السلام: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50]

قال الشيخ رشيد رضا: «أي: أنه لم يأت ناسخًا للتوراة بل مصدقًا لها عاملًا بها، ولكنه نسخ بعض أحكامها كما قال: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} فقد كان حرم على بني إسرائيل بعض الطيبات بظلمهم وكثرة سؤالهم فأحلها عيسى» 18.

الإيمان بالكتب السماوية

يتميز الإسلام بأنه يؤمن بجميع الرسالات السماوية السابقة عليه ويأمر به أتباعه، فالمسلم يجب عليه أن يؤمن بكل من أرسلهم الله من الأنبياء والرسل، وبكل ما جاءوا به من البينات والهدى، ولذلك فقد أوجب الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الإيمان بالكتب السماوية.

أولًا: وجوب الإيمان بالكتب المنزلة والكفر بإحداها كفر بها:

من المقرر في عقيدة الإسلام الإيمان بكل الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه ورسله سواء في ذلك ما عرفناه منها كالقرآن والتوراة والإنجيل والزبور والصحف، أو ما لم نعرفه منها، بل إن الإيمان بهذه الكتب السماوية ركن من أركان الإيمان الستة، المنصوص عليها في قوله تعالى في محكم التنزيل: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285] .

وقوله سبحانه: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ} [البقرة: 177] .

وقوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136] .

وكذلك ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام، حينما سأله قائلا: فأخبرني عن الإيمان، فقال صلى الله عليه وسلم: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) 19.

قال ابن كثير: «فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحدٌ أحدٌ، فردٌ صمدٌ، لا إله غيره، ولا رب سواه، ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل، والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحدٍ منهم، فيؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعضٍ، بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مهديون هادون إلى سبل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعضٍ بإذن الله، حتى نسخ الجميع بشرع محمدٍ صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفةٌ من أمته على الحق ظاهرين» 20.

وقال السعدي: «فهذا كله من الإيمان الواجب الذي لا يكون العبد مؤمنًا إلا به، إجمالًا فيما لم يصل إليه تفصيله، وتفصيلًا فيما علم من ذلك بالتفصيل، فمن آمن هذا الإيمان المأمور به، فقد اهتدى وأنجح. {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} وأي ضلال أبعد من ضلال من ترك طريق الهدى المستقيم، وسلك الطريق الموصلة له إلى العذاب الأليم؟

واعلم أن الكفر بشيء من هذه المذكورات كالكفر بجميعها؛ لتلازمها وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض» 21.

«ومعنى الإيمان بالكتب: التصديق الجازم بأن كلها منزلٌ من عند الله عز وجل على رسله إلى عباده بالحق المبين والهدى المستبين، وأنها كلام الله عز وجل لا كلام غيره، وأن الله تعالى تكلم بها حقيقةً كما شاء وعلى الوجه الذي أراد، فمنها المسموع منه من وراء حجابٍ بدون واسطةٍ، ومنها ما يسمعه الرسول الملكي ويأمره بتبليغه منه إلى الرسول البشري، ومنها ما خطه بيده عز وجل، والإيمان بكل ما فيها من الشرائع، وأنه كان واجبًا على الأمم الذين نزلت إليهم الصحف الأولى الانقياد لها والحكم بما فيها، وإن كل من كذب بشيءٍ منها أو أبى عن الانقياد لها مع تعلق خطابه به، يكفر بذلك,.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 40] » 22.

«فتقرر بهذا وجوب الإيمان بالكتب والتصديق بها جميعها، واعتقاد أنها كلها من الله تعالى أنزلها على رسله بالحق والهدى و والضياء، وأن من كذب بها أو جحد شيئًا منها فهو كافر بالله خارج من الدين» 23.

ثانيًا: الإيمان بأن الإنجيل كتاب منزل من عند الله سبحانه و تعالى:

ومن جملة هذه الكتب التي يجب على المسلم أن يؤمن بها وأنها منزلة من عند الله: الإنجيل الذي أنزله الله على نبيه ورسوله عيسى بن مريم، لهداية بني إسرائيل وإعادتهم إلى شريعة التوراة التي خالفوها وضل كثير منهم عنها، وليبشر بنبوة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم من بعده.

ومن ثم يجب الإيمان بالإنجيل ككتاب سماوي أنزل من عند الله مصدقًا لما بين يديه من التوراة، وأن فيه هداية ونورًا وموعظة لمن نزل إليهم.

قال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [المائدة: 46] .

فمن أنكر الإنجيل أو جحده، فقد كفر 24؛ لأنه جحد ركنًا من أركان الإيمان وهو الإيمان بالكتب، وقد سبق بيان أن من جحد شيئًا منها كان كمن جحدها جميعًا، ولإنكاره كذلك معلومًا من الدين بالضرورة.

ثالثًا: تصديق القرآن للإنجيل:

إن الكتب السماوية كلها مصدرها واحد هو الله عز وجل، فكلها كلام الله تعالى، ووحيه الذي أوحاه إلى أنبيائه ورسله؛ ليبلغوه إلى أقوامهم، فيكون لهم به الهداية والسعادة في الدنيا والآخرة، والفوز برضا الرحمن والنجاة من العذاب والنيران.

فكلامه سبحانه يصدق بعضه بعضًا، فلا يمكن أن يقع في هذه الكتب تناقض أو تضارب بينها وبين بعضها، لكن قد يقع فيها الاختلاف فيما يتعلق بالشرائع والأحكام، بحسب زمان كل أمة نزل إليهم الكتاب، وبحسب ما يناسبهم، أما ما يتعلق بالعقيدة والأخلاق فلا يقع فيه اختلاف بين هذه الكتب فكلها تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .

ومن ثم فالقرآن بما أنه كتاب الله وكلامه وهو خاتم الكتب السماوية التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله ومن بينها الإنجيل فهو مصدق لها، ومهيمن عليها، وقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة في أكثر من موضع، قال تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [آل عمران: 3] .

فالذي أنزل القرآن وما قبله من الكتب كالإنجيل هو الله تعالى، وكلام الله تعالى يصدق بعضه بعضًا، ولا يقع فيه تناقض أو اختلاف.

قال أبو جعفر بن جرير الطبري: «يقول جل ثناؤه: يا محمد، إن ربك ورب عيسى ورب كل شيء، هو الرب الذي أنزل عليك الكتاب، يعني بـ {الْكِتَابَ} ، القرآن {بِالْحَقِّ} يعني: بالصدق فيما اختلف فيه أهل التوراة والإنجيل، وفيما خالفك فيه محاجوك من نصارى أهل نجران وسائر أهل الشرك غيرهم {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} ، يعني بذلك القرآن، أنه مصدق لما كان قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ورسله، ومحقق ما جاءت به رسل الله من عنده؛ لأن منزل جميع ذلك واحد، فلا يكون فيه اختلاف، ولو كان من عند غيره كان فيه اختلاف كثير» 25.

وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] .

فقد أشارت الآية إلى حالتي القرآن بالنسبة لما قبله من الكتب، فهو مؤيدٌ لبعض ما في الشرائع مقررٌ له من كل حكمٍ كانت مصلحته كليةً لم تختلف مصلحته باختلاف الأمم والأزمان، وهو بهذا الوصف مصدقٌ، أي محققٌ ومقررٌ؛ لأنه شهد لها ووافقها، وطابقت أخباره أخبارها، وشرائعه الكبار شرائعها، وأخبرت به، فصار وجوده {مُصَدِّقًا} لخبرها، {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} أي: مشتملًا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي تتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه، وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة، والأحكام التي عرضت عليه من الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود، قد دخله التحريف والتبديل، وإلا فلو كان من عند الله، لم يخالفه، وهو أيضًا مبطلٌ لبعض ما في الشرائع السالفة وناسخٌ لأحكامٍ كثيرةٍ من كل ما كانت مصالحه جزئيةً مؤقتةً مراعًى فيها أحوال أقوامٍ خاصةٍ» 26.

رابعًا: القرآن مكذب للإنجيل المحرف:

تعرض الإنجيل في الأزمنة التالية لرفع المسيح عليه السلام للتحريف والتغيير والتبديل، حتى لقد صار الإنجيل الحقيقي المنزل من عند الله مفقودًا، اللهم إلا من عبارات قليلة مبثوثة في ثنايا تلك الأسفار التي بين أيديهم الآن والتي يسمونها الإنجيل وهي من تأليفهم، فحاشا لله أن يكون القرآن الكريم مصدقًا لما في الإنجيل المحرف من الكذب والتدليس والتزوير والتزييف، بل هو مبين لذلك كله فاضح له، فالقرآن نزل ليقيم الملة العوجاء، وقد جاء في معنى قوله تعالى {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا: «أما قوله: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} أي: على جنس الكتاب الإلهي، فمعناه: أنه رقيبٌ عليها وشهيدٌ، بما بينه من حقيقة حالها في أصل إنزالها، وما كان من شأن من خوطبوا بها، من نسيان حظٍ عظيمٍ منها وإضاعته، وتحريف كثيرٍ مما بقي منها وتأويله، والإعراض عن الحكم والعمل بها، فهو يحكم عليها؛ لأنه جاء بعدها، روى ابن جريرٍ عن ابن عباسٍ أنه قال: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} يعني: أمينًا عليه، يحكم على ما كان قبله من الكتب، وفي روايةٍ عنه عند الفريابي وسعيد بن منصورٍ والبيهقي ورواة التفسير المأثور قال: مؤتمنًا عليه، وفي روايةٍ أخرى قال: شهيدًا على كل كتابٍ قبله» 27.

فالحاصل أن القرآن جاء مصدقًا لما بين يديه من الكتاب، وأن الله تعالى أنزل كتبًا على الأمم السابقة ومنها التوراة والإنجيل، وأمر بالإيمان بها، ولكنه في الوقت نفسه نبه على ما طالها من تحريف وتغيير وتبديل من الأمم التي أنزلت عليهم؛ ليصوب لهم أخطاءهم ويعيدهم إلى صوابهم، فإن المراد بتصديقها هو تصديق الأصل النازل من عند الله إجمالًا وما ثبت منها أنه حق، دون ما بين بطلانه، أو هو تصديق لمجموعها ولا يلزم منه تصديق جميعها.

قال الشيخ محمد رشيد رضا: « {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي مبينًا صدق ما تقدمه من الكتب المنزلة على الأنبياء، أي كونها وحيًا من الله تعالى، وذلك أن أثبت الوحي وذكر أنه تعالى أرسل رسلًا أوحى إليهم، فهذا تصديقٌ إجماليٌ لأصل الوحي لا يتضمن تصديق ما عند الأمم التي تنتمي إلى أولئك الأنبياء من الكتب بأعيانها ومسائلها، ومثاله تصديقنا لنبينا صلى الله عليه وسلم في جميع ما أخبر به فهو لا يستلزم تصديق كل ما في كتب الحديث المروية عنه، بل ما ثبت منها عندنا فقط» 28.

«والأحكام الذي عرضت عليه في الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود، قد دخله التحريف والتبديل، وإلا فلو كان من عند الله، لم يخالفه» 29.

إيتاء عيسى عليه السلام الإنجيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت