هذا الإيذاء الذي اختلف في كيفيته تبعًا للاختلاف في سبب نزول الآية؛ حيث قيل: نزلت في منافقين كانوا يؤذون عليًا كرم الله تعالى وجهه ويسمعونه مالا خير فيه، وقيل: نزلت في رماة عائشة رضي الله عنها، وقيل: نزلت في زناة كانوا يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن 96.
قلت: وتعدد الأقوال في سبب نزول الآية يفهم منه أن الوعيد الوارد فيها يلحق كل من يؤذي المؤمنين بأي نوع من الإيذاء.
ويستأنس لذلك بقول الألوسي رحمه الله: «والظاهر عموم الآية لكل ما ذكر ولكل ما سيأتي من أراجيف المرجفين» 97.
فإذا كانت: الآية السابقة قد توعدت كل من يؤذي المؤمنين- ظلمًا بغير حق- فيكون: كف الأذى عنهم يتضمن نفعهم بوجه من الوجوه، ويكون فاعله أهلًا لنيل رضا الله سبحانه وتعالى وثوابه العظيم؛ لكف أذاه عن المسلمين ولتصدقه على نفسه بهذا الترك؛ لحديثه صلى الله عليه وسلم المشار إليه آنفا (يكف شره عن الناس؛ فإنها صدقة يتصدق بها على نفسه) 98، وفي رواية البخاري: (فيمسك عن الشر فإنه له صدقة) 99.
وإذا كان: من يؤذي المؤمنين والمؤمنات يوجب لنفسه العذاب الأليم بما احتمله من الذنب العظيم المعبر عنه بالبهتان في قوله تعالى {احْتَمَلُوا بُهْتَانًا} أي: ذنبًا شنيعًا، وكذبًا فظيعًا {وَإِثْمًا مُبِينًا} أي: ظاهرًا بينًا واضحًا بسبب إيذائهم للمؤمنين.
فيكون: من يكف الأذى عن المسلمين أهلًا للثواب والأجر العظيم؛ ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس) 100.
مثل: دية القتل الخطأ، ونصف المهر للمطلقة قبل الدخول، والتجاوز عن المدين المعسر، ونحو ذلك:
قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء: 92] .
يعني: إلا أن يتصدق أهل المقتول على القاتل فيعفون عنه بلا دية؛ فالعفو عن الدية هنا: يعد تطوعًا بالترك؛ لأن صاحب الحق أسقط حقًا كان واجبًا له.
مع ملاحظة: أن الدية حق موروث لجميع ورثة المقتول كسائر الأموال، فيجري عليها ما يجري على التركة؛ وعليه: فلا يجوز لولي الصغير العفو عن الدية؛ لأنه لا يملك إسقاط حقه 101.
وفي العفو عن نصف المهر الواجب للمطلقة قبل الدخول يقول تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) } [البقرة: 237] .
فالمخاطب بـ {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} هي المطلقة، أو وليها، يعني: يعفون عن نصف المهر فيتركونه للزوج. {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} يعني: الزوج يعفو فيكمل لها الصداق ويعطيها المهر كله؛ كما روي أن جبير بن مطعم رضي الله عنه تزوج وطلق قبل الدخول؛ فأكمل الصداق، وقال: أنا أحق بالعفو 102.
وهو خلق كريم يحتاج إلى همة عالية، ومزيد من مجاهدة الإنسان لنفسه؛ وإنما كان (تطوعًا بالترك) لأن صاحب الحق لما ترك حقه والانتصار لنفسه ابتغاء الأجر من الله تعالى، كان كالمتطوع بهذا الترك.
وعندما نستقرئ آيات القرآن الكريم نجده قد رغب في هذا الخلق الكريم في غير آية من آياته الكريمة، منها:
قوله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) } [النور: 22] .
فهذه الآية: نزلت في الصديق رضي الله عنه حين حلف ألا ينفع ابن خالته مسطح بن أثاثة بنفع، بعدما خاض مع أهل الإفك في شأن عائشة رضي الله عنها؛ فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة، شرع تبارك وتعالى يعطف الصديق على قريبه مسطح؛ فلما نزلت هذه الآية وفيها {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} قال الصديق: بلى، والله إنا نحب - يا ربنا - أن تغفر لنا. ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة 103.
وقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) } [آل عمران: 133 - 134] .
فـ {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} هم الذين إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم؛ فلا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، وإنما يكظمون غيظهم، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم بإساءته {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} تشمل: العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم؛ لأن العفو ترك المؤاخذة مع مسامحة المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلى بمكارم الأخلاق، وتاجر مع الخلاق سبحانه، فعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانًا إليهم، ليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه، لا على العبد الفقير، لقوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] 104.
وقوله تعالى في وصف عباده المؤمنين {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37] .
يعني: أن خلقهم وطبعهم يقتضي الصفح والعفو عن الناس؛ فإذا غضبوا على أحد ممن اعتدى عليهم عفوا وصفحوا 105.
بل رغب القرآن الكريم في العفو عن الجاني الذي استوجب الحد فقال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) } [المائدة: 45] يعني: من تصدق من أصحاب الحق وعفا فهو كفارة له أي: للمتصدق؛ لعفوه وإسقاطه حقه 106.
ولقوله سبحانه: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) } [الشورى: 40] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو {فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} أي فإن الله يأجره على ذلك 107.
وقال السعدي: ذكر الله في هذه الآية، مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل وفضل وظلم؛ فمرتبة العدل: جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، ومرتبة الفضل: العفو عن المسيء، ولهذا قال: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} يجزيه أجرًا عظيمًا، وثوابًا كثيرًا، وأما مرتبة الظلم: فقد ذكرها بقوله: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} الذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم 108.
وقد زاد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخلق تأصيلًا في نفوس المسلمين فقال صلى الله عليه وسلم: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) 109.
فـ (عزًا) في قوله: (ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا) تحتمل عز الدنيا وعز الآخرة.
أما عز الدنيا: فبأن يعظم شأنه في قلوب الناس ويزيد عزه، وأما عز الآخرة: فبأن يكون أجره على عفوه في الآخرة وعزته هناك 110.
1.عندما نستقرئ آيات القصص القرآني نجدها تقدم لنا نماذج واضحة لبعض الأعمال التطوعية ما بين أعمال تطوعية جماعية، وأخرى فردية، والتي سنلخص الحديث عنها في النقاط الآتية:
أولًا: التطوع الفردي:
ويعرف كذلك بـ «التطوع التلقائي» ؛ لأنه غالبًا ما يكون: فردي الأداء، عفوي التوجه، تلقائيًا -أي: وليد ساعته- يأتي استجابة لظرف طارئ، ويصدر بنازع النخوة والشهامة، والفطرة السليمة، كإنقاذ غريق، أو نحو ذلك 111.
ومن نماذج هذا النوع من التطوع في القرآن الكريم:
1.كفالة زكريا لمريم عليهما السلام.
سبق وأن بينا أننا نعني بالكفالة هنا المعنى اللغوي الأعم من معناها الذي اصطلح عليه الفقهاء 112؛ ليدخل فيها: كفالة ورعاية اليتيم والمعوز والمحتاج.
وقد ساق لنا القرآن الكريم نموذجًا للتسابق في هذا النوع من التطوع الاجتماعي؛ فقال تعالى حكاية عن زكريا وقومه في شأن كفالة مريم وأيهم أولى بذلك؛ فقال تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] .
يعني: أنك لم تكن حاضرًا يا محمد حين اجتمع زكريا وقومه واقترعوا في شأن مريم؛ لينظروا أيهم يكفلها ويضمها إليه، واختصموا في أمرها؛ فالآية الكريمة وإن كانت قد سيقت - في المقام الأول: شاهدًا وبرهانًا على صدق ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنها بينت كذلك: اختصامهم وتنافسهم على كفالة مريم عليها السلام، حتى أنهم استهموا لأجل ذلك، غير أن الله تعالى قد خص زكريا عليه السلام بتلك المهمة العظيمة؛ فجعله كافلًا لمريم، وقائمًا على شؤونها 113، كما قال ربنا عز وجل: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37] .
2.تطوع يوسف عليه السلام بتفسير رؤيا الملك دون أن يشترط لنفسه شيئًا.
{وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) } [يوسف: 43 - 49] .
وسأكتفي هنا ببيان شاهد موضوعنا في الآيات السابقة 114؛ فأقول مستعينًا بالله تعالى: إن الإجابة السريعة من يوسف عليه السلام تشهد لكرم نفسه ونبل أخلاقه؛ فتأويله لرؤيا الملك دون أن يفكر في استغلال الموقف لصالحه، أو يعاتب الساقي على نسيانه ذكر قصته وصفته وأمانته عند الملك عسى أن يخلصه مما يعانيه؛ حيث قال له من قبل {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42] .
أقول: لم يشتغل يوسف عليه السلام بهذا ولا بذاك؛ لما علم من الرؤيا أن البلاد مقبلة على خطر عظيم ومجاعة محققة؛ إن لم يستعدوا لذلك بالعمل في الرخاء لأيام البلاء، ويستعينوا بسعتهم على ضيقهم، ولكن من ذا الذي سيفهمهم ذلك ويدلهم عليه، إنه الصديق الذي علمه ربه تأويل الأحاديث؛ فبادر بتأويل الرؤيا؛ تلك المبادرة التي تفهم من نظم الآيات وسياقها { .. لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ ... } هكذا دون أن يفكر في جني منفعة لنفسه، وإنما فكر في الصالح العام؛ فلم يشترط الخروج أو مقابلة الملك لكي يعبر الرؤيا؛ بل إنه لكرم نفسه ومروءته ونخوته قرن لهم تعبير الرؤيا بفوائد ونصائح تفيدهم في محنتهم القادمة؛ وأرشدهم إلى كيفية التصرف السليم حيالها.
نعم: إنها أخلاق الأنبياء بشهامتهم ومروءتهم وكرم أنفسهم؛ فصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
3.تطوع موسى عليه السلام بمساعدة الضعيف ونصرة المظلوم.
قال تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) } [القصص: 15 - 16] .
تقص علينا الآيات قصة دخول موسى عليه السلام مصر في وقت لم يعتد أهلها دخوله فيه؛ فوجد فيها رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته (بني إسرائيل) والآخر من قبط مصر المخالفين له في الدين؛ فاستغاث الإسرائيلي بموسى عليه السلام وطلب منه أن يعينه على القبطي؛ الذي يظلمه؛- «فقد روي أنه كان خبازًا وأراد أن يجبر الإسرائيلي على حمل حطب له؛ فأبى الإسرائيلي فضربه» 115 - فضرب موسى القبطي بكفه فقتله؛ فقال موسى عليه السلام: هذا من عمل الشيطان؛ «لأنه أغضبه فبالغ في شدة الوكز، أو لأن حفظ النفس المعصومة من أصول الأديان كلها» 116، وسماه ظلمًا، واستغفر منه جريًا على سنن المقربين في استعظام ما فرط منهم ولو كان من محقرات الصغائر 117.
4.تطوع موسى عليه السلام بالسقيا للفتاتين.
قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) } [القصص: 23 - 24] .
لقد خرج موسى عليه السلام من مصر، فانتهى به السفر الشاق الطويل إلى ماء لمدين، وصل إليه وهو مجهود مكدود؛ فبينا هو على تلك الحالة إذا به يطلع على مشهد لم تسترح إليه نفسه ذات المروءة والفطرة السليمة؛ فماذا رأى؟ رأى جماعة من الرعاة الرجال يوردون أنعامهم لتشرب من الماء، ووجد هناك امرأتين تمنعان غنمهما عن ورود الماء، فأنكرت فطرته السليمة هذا الأمر؛ فالأولى عند ذوي المروءة أن تسقي المرأتان وتصدرا بأغنامهما أولًا، وأن يفسح لهما الرجال ويعينوهما.؛ فلم يقعد موسى ليستريح من تعبه وهو يشاهد هذا المنظر المنكر المخالف للمعروف.
وتقدم للمرأتين يسألهما عن أمرهما الغريب قائلًا: {مَا خَطْبُكُمَا} فأطلعتاه على سبب انزوائهما وذودهما لغنمهما عن ورود الماء وأجابتا قائلتين {لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} .
إنه الضعف، فهما امرأتان وهؤلاء الرعاة رجال، وأبوهما شيخ كبير لا يقدر على الرعي ومجالدة الرجال!، فثارت نخوة موسى- عليه السلام- وفطرته السليمة، وتقدم ليسقي للمرأتين - وهو غريب في أرض لا يعرف فيها أحدًا، ولا يعرفه أحد {فَسَقَى لَهُمَا} مما يشهد بشهامته ومروءته ونبل نفسه التي صنعت على عين الله. {ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} مما يشير إلى أن الأوان كان أوان قيظ وحر {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} أي: يا رب إني فقير إلى فضلك وإحسانك 118.
وشاهدنا في هذه القصة: هو أنه عليه السلام تطوع فسقى للفتاتين بدون أجر، وهو الذي كان في أمس الحاجة إلى الأجر في ذلك الوقت؛ لما روي أنه مكث سبعة أيام لا يأكل إلا بقل الأرض 119.
ولما دعاه الرجل الصالح ليطعمه جزاء سقايته لابنتيه 120، دخل موسى عليه السلام عليه فإذا هو بالعشاء؛ فقال له الرجل الصالح: كل؛ فقال موسى عليه السلام: أعوذ بالله! قال: ولم؟! ألست بجائع؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضًا لما سقيت لهما؛ وأنا من أهل بيت لا نبتغي شيئًا من عمل الآخرة بملء الأرض ذهبًا؛ فقال: لا والله ولكن عادتي وعادة آبائي أن نقري الضيف ونطعم الطعام؛ فجلس موسى عليه السلام فأكل 121.
نعم، إنهم صفوة خلق الله، صنعهم الله تعالى على عينه؛ فكانوا القدوة والمثل لمن يريد لنفسه المثل الأعلى في الشهامة والنخوة والمروءة، وكل الخصال الكريمة، والشمائل الحميدة.
ثانيًا: التطوع الجماعي:
ويعرف كذلك بالتطوع «المنظم» ؛ لأنه لا يأتي استجابة لظرف طارئ؛ بل يأتي نتيجة الإيمان بفكرة أو قضية ما؛ ومن ثم الدعوة لهذه الفكرة وتلك القضية 122.
ومن أهم خصائص هذا النوع من التطوع: التنظيم، والقناعة، والإيمان المسبق برسالة أو فكرة أو قضية 123.
ومن أمثلته في القرآن الكريم:
1.تطوع الخضر ببناء الجدار.
قال تعالى حكاية عن موسى والخضرعليهما السلام: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) } [الكهف: 77] .
فهذه الآية: تحكي طرفًا من قصة موسى مع الخضر عليهما السلام؛ حيث كان الجوع قد بلغ منهما مبلغًا؛ فطلبا طعامًا من أهل قرية دخلوها؛ فلم يطعموهما؛ فقد كانوا بخلاء، لا يطعمون جائعًا، ولا يستضيفون ضيفًا، وبينا هما كذلك وجدا جدارًا مائلًا يكاد ينهدم؛ فاشتغل الخضر بإقامة الجدار دون مقابل!!!
وهنا تعجب موسى من موقف الرجل؛ ما الذي يدفعه لإقامة جدار يهم بالانقضاض في قرية لم يقدم لهما أهلها الطعام وهما جائعان؛ أفلا أقل من أن يصب عليه أجرًا يأكلان منه؟ فقال له: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} 124.
وهذا الموضع من الآية الكريمة هو شاهدنا في هذه القصة: فالجدار الذي أقامه الخضر كان يغيب وراءه مالًا لغلامين يتيمين ضعيفين في المدينة؛ فلو ترك الجدار ينقض لظهر من تحته المال ولم يستطع الصغيران أن يدفعا عنه؛ فحفظ لهما بذلك مالهما، وهو في ذلك: لم يأخذ أجرًا على إقامته للجدار، ولم ينتظره؛ وإنما حسبه رضا ربه سبحانه؛ فهو وحده الذي ينتظر منه الأجر.
وإنما أدرجنا هذا النموذج تحت (العمل التطوعي الجماعي) مع أن الآية تسند بناء الجدار للخضر وحده؛ لأنه يبعد أن يشتغل الخضر بإقامة الجدار ويتركه موسى بلا عون أو مساعدة؛ فإن هذا أبعد ما يكون عن أخلاق ذوي المروءة والنخوة من عامة الناس فضلًا عن أنبياء الله ورسله؛ وإنما أسند الفعل إلى الخضر وحده في الآية؛ لأنه البادئ بالفعل أو الآمر به.
2.تطوع ذي القرنين ببناء السد.
قال تعالى حكاية عن ذي القرنين: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) } [الكهف: 93 - 97] .