فهرس الكتاب

الصفحة 1349 من 2431

وإذا كان الذي يريد العاجلة ينتهي إلى جهنم مذموما مدحورا، فالذي يريد الآخرة ويسعى لها سعيها ينتهي إليها مشكورا يتلقى التكريم في الملأ الأعلى؛ جزاء السعي الكريم لهدف كريم، وجزاء التطلع إلى الأفق البعيد الوضيء 76.

وقد قرن سبحانه وتعالى الشكر بالإيمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به.

قال سبحانه وتعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147] .

أي: ما يصنع الله -أيها المنافقون- بعذابكم، إن أنتم تبتم إلى الله ورجعتم إلى الحق الواجب لله عليكم، فشكرتموه على ما أنعم عليكم من نعمه في أنفسكم وأهاليكم وأولادكم، بالإنابة إلى توحيده والاعتصام به، وإخلاصكم أعمالكم لوجهه، وترك رياء الناس بها، وآمنتم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم فصدقتموه، وأقررتم بما جاءكم به من عنده، فعملتم به. يقول: لا حاجة بالله أن يجعلكم في الدرك الأسفل من النار إن أنتم أنبتم إلى طاعته وراجعتم العمل بما أمركم به وترك ما نهاكم عنه؛ لأنه لا يجتلب بعذابكم إلى نفسه نفعا، ولا يدفع عنها ضرا؛ وإنما عقوبته من عاقب من خلقه جزاء منه له على جراءته عليه وعلى خلافه أمره ونهيه، وكفرانه شكر نعمه عليه، فإن أنتم شكرتم له على نعمه وأطعتموه في أمره ونهيه، فلا حاجة به إلى تعذيبكم، بل يشكر لكم ما يكون منكم من طاعة له وشكر، بمجازاتكم على ذلك بما تقصر عنه أمانيكم فلم تبلغه آمالكم 77.

وفي الآية استفهام إنكاري بين الله لنا به أنه سبحانه وتعالى لا يعذب أحدًا من عباده تشفيًا منه ولا انتقامًا بالمعنى الذي يفهمه الناس من الانتقام بحسب استعمالهم إياه فيما بينهم، وإنما ذلك جزاء كفرهم بنعم الله عليهم بالحواس والعقل والوجدان والجوارح، باستعمالها في غير ما خلقت لأجله من الاهتداء بها إلى تكميل نفوسهم بالعلوم والفضائل والأعمال النافعة، وكفرهم بالله سبحانه وتعالى باتخاذ شركاء له، وإن سماهم بعضهم وسطاء وشفعاء.

فبكفرهم بالله سبحانه وتعالى وبنعمه عليهم في الآفاق وفي أنفسهم تفسد فطرتهم، وتتدنس أرواحهم فتهبط بهم في دركات الهاوية، ويكونون هم الجانين على أنفسهم، ولو شكروا وآمنوا فطهرت أرواحهم من دنس الشرك والوثنية، وظهرت آثار عقولهم وسائر قواهم بالأعمال الصالحة المصلحة لمعاشهم ومعادهم، لعرجت بهم تلك الأرواح القدسية إلى المقام الكريم، والرضوان الكبير في دار النعيم، وقدم الشكر هنا على الإيمان؛ لأن معرفة النعم والشكر عليها طريق إلى معرفة المنعم والإيمان به.

{وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} يثيب المؤمنين الشاكرين المصلحين على حسب علمه بحالهم، لا أنه يعذبهم، بل يعطيهم أكثر مما يستحقون على شكرهم وإيمانهم 78.

«إن عذابه لجزاء على الجحود والكفران، وتهديد لعله يقود إلى الشكر والإيمان، إنها ليست شهوة التعذيب، ولا رغبة التنكيل ولا التذاذ الآلام، ولا إظهار البطش والسلطان، تعالى الله عن ذلك كله علوًا كبيرًا، فمتى اتقيتم بالشكر والإيمان فهنالك الغفران والرضوان، وهناك شكر الله سبحانه وتعالى لعبده، وعلمه سبحانه وتعالى بعبده، وشكر الله سبحانه وتعالى للعبد، يلمس القلب لمسة رفيقة عميقة.

إنه معلوم أن الشكر من الله سبحانه وتعالى معناه الرضا، ومعناه ما يلازم الرضا من الثواب، ولكن التعبير بأن الله سبحانه وتعالى: (شاكر) تعبير عميق الإيحاء. وإذا كان الخالق المنشئ، المنعم المتفضل، الغني عن العالمين يشكر لعباده صلاحهم وإيمانهم وشكرهم وامتنانهم، وهو غني عنهم وعن إيمانهم وعن شكرهم وامتنانهم، إذا كان الخالق المنشئ، المنعم المتفضل، الغني عن العالمين يشكر، فماذا ينبغي للعباد المخلوقين المحدثين المغمورين بنعمة الله تجاه الخالق الرازق المنعم المتفضل الكريم؟! ألا إنها اللمسة الرفيقة العميقة التي ينتفض لها القلب ويخجل ويستجيب» 79.

في الآية دلالة على أن الإيمان بالله وصفاته أول درجات شكر العبد ربه.

المقابلة بين الشكر والكفر:

قسم الله سبحانه وتعالى عباده في كتابه إلى شكور وكفور، فأبغض الأشياء إليه الكفر وأهله، وأحب الأشياء إليه الشكر وأهله.

قال سبحانه وتعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] .

وقال نبيه سليمان عليه السلام: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40] .

وقال سبحانه وتعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] .

وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) } [آل عمران: 144] .

والشاكرون هم الذين ثبتوا على نعمة الإيمان، فلم ينقلبوا على أعقابهم، وقال سبحانه وتعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] .

«فالكفر والشكر واقعان بمشيئته وقدره، وأحدهما محبوب له مرضٍ، والآخر مبغوض له مسخوط» 80.

ثانيًا: مجال الأحكام الشرعية:

أخبر سبحانه وتعالى أنه يريد بعباده اليسر والسهولة في شرائعه، ولا يريد بهم العسر والمشقة، ويريد منهم الشكر له على ما أنعم به عليهم من الهداية والتوفيق والتيسير في شرائعه.

قال سبحانه وتعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] .

يعني تعالى ذكره: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ؛ ولتشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق، وتيسير ما لو شاء عسر عليكم 81.

فغاية الصيام «أن يشعر الذين آمنوا بقيمة الهدى الذي يسره الله لهم، وهم يجدون هذا في أنفسهم في فترة الصيام أكثر من كل فترة، وهم مكفوفو القلوب عن التفكير في المعصية، ومكفوفو الجوارح عن إتيانها. وهم شاعرون بالهدى ملموسًا محسوسًا؛ ليكبروا الله على هذه الهداية؛ وليشكروه على هذه النعمة؛ ولتفيء قلوبهم إليه بهذه الطاعة» 82.

وأخبر سبحانه وتعالى أنه يريد في أمر المؤمنين بالطهارة أن يحط بها عنهم أوزارهم، ويدخلون بها عليه، ويرفع به درجاتهم، لا أن يضيق عليهم بها؛ وأباح التيمم توسعةً عليهم، ورحمة بهم، إذ جعله بديلًا للماء في الطهارة، فكانت رخصة التيمم من تمام النعم التي تقتضي شكر المنعم بطاعته فيما أمر وفيما نهى.

قال سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) } [المائدة: 6] .

فالله سبحانه وتعالى لا يريد أن يعنت الناس، ويحملهم على الحرج والمشقة بالتكاليف، إنما يريد أن يطهرهم، وأن ينعم عليهم بهذه الطهارة، وأن يقودهم إلى الشكر على النعمة؛ ليضاعفها لهم ويزيدهم منها. فهو الرفق والفضل والواقعية في هذا المنهج اليسير القويم 83.

وبين الله سبحانه وتعالى للمؤمنين حكم الأيمان والتحلل منها؛ ليشكروا له، وهذه عادة شرعه أن يكون بيانًا، قال سبحانه وتعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89] .

أي: لا يؤاخذكم الله بالأيمان التي تحلفونها بلا قصد، كما يقول الرجل في كلامه بدون قصد: لا والله، وبلى والله، فلا مؤاخذة على مثل هذه بكفارة في الدنيا، ولا عقوبة في الآخرة، ولكن يؤاخذكم بما صممتم عليه من الأيمان وقصدتموه إذا أنتم حنثتم فيه، والذي يكفر عقد اليمين إذا نقض، أو إذا أريد نقضه بالحنث به هو إحدى هذه المبرات الثلاث على سبيل التخيير:

-إطعام عشرة مساكين، وجبة واحدة لكل منهم من الطعام الغالب الذي يأكله أهلوكم في بيوتكم.

-أو كسوة عشرة مساكين، وهي تختلف باختلاف البلاد والأزمنة.

-أو تحرير رقبة.

فمن لم يستطع واحدًا من الثلاثة المتقدمة فعليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعات أو متفرقات، فإن عجز عن ذلك لمرض، صام عند القدرة، فإن لم يقدر يرجى له عفو الله ورحمته إذا صحت نيته وصدقت عزيمته، {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} ، فلا تبذلوها في أتفه الأمور وأحقرها، ولا تكثروا من الأيمان الصادقة فضلا عن الأيمان الكاذبة، على هذا النحو الشافي الوافي، يبين الله لكم أعلام شريعته وأحكام دينه؛ ليعدكم ويؤهلكم بذلك إلى شكر نعمه على الوجه الذي يحبه ويرضاه، ويكون سببًا في المزيد من فضله وإحسانه 84.

وفي الآيات السابقة دلالة على أنه ينبغي للعبد أن يتدبر الحكم والأسرار في شرائع الله؛ ليزداد معرفة وعلما، ويزداد شكرا لله ومحبة له على ما شرع من الأحكام، التي توصل العبد إلى المنازل العالية الرفيعة.

ثالثًا: مجال النعم:

أنعم الله على عباده بنعمة الأطعمة الحلال المستلذة؛ ليشكروه عليها، قال سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172] .

وأنعم على أهل مكة بجميع أنواع الثمار التي تجلب إليهم من مواطنها؛ ليشكروه عليها، فقال سبحانه وتعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] .

وسخر لهم البحر؛ ليأكلوا مما يصطادون من سمكه لحمًا طريًا، ويستخرجوا منه زينة يلبسونها، كاللؤلؤ والمرجان وغيرهما، وسخر لهم السفن العظيمة تشق وجه الماء تذهب وتجيء، ويركبونها؛ ليطلبوا رزق الله بالتجارة والربح فيها؛ ليشكروه على هذه النعم العظيمة، ولا يعبدوا غيره.

قال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14] .

وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: 12] .

وأنعم سبحانه وتعالى على عباده بوسائل الإدراك من السمع والبصر والقلوب؛ لعلهم يشكرونه على تلك النعم، وبتلك النعم، ويفردونه سبحانه وتعالى بالعبادة، فقال عز وجل: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .

وسخر سبحانه وتعالى البدن؛ ليأكلوا منها ويطعموا منها الفقير الذي لم يسأل تعففا، والذي يسأل لحاجته؛ ويشكروا الله على هذه النعم الجليلة.

قال سبحانه وتعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج: 36] .

وجعل سبحانه وتعالى لعباده الليل ظلامًا؛ ليستقروا فيه وترتاح أبدانهم، وجعل النهار ضياء؛ ليطلبوا فيه معايشهم، وليشكروه على إنعامه وإفضاله، قال سبحانه وتعالى: {وَيَوْمَ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص: 73] .

وأنعم سبحانه وتعالى على عباده المجاهدين بنعمة النصر على المشركين مع قلة عددهم وعددهم، فقال سبحانه وتعالى في معرض المن عليهم، وأن هذا النصر سبب لشكره سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123] .

يقول سبحانه وتعالى: فاتقوا ربكم بطاعته واجتناب محارمه؛ لتشكروه على ما من به عليكم من النصر على أعدائكم، وإظهار دينكم، ولما هداكم له من الحق الذي ضل عنه مخالفوكم 85.

وفي نسبة النصر إليه سبحانه وتعالى حض منه على اللجأ إليه وطلبه منه وحده سبحانه وتعالى؛ لأنه «لا ناصر لهم من أنفسهم ولا من سواهم، فإذا اتقوا وخافوا فليتقوا وليخافوا الله، الذي يملك النصر والهزيمة والذي يملك القوة وحده والسلطان، فلعل التقوى أن تقودهم إلى الشكر، وأن تجعله شكرًا وافيًا لائقًا بنعمة الله عليهم على كل حال» 86.

وأخبر سبحانه وتعالى على رغبة الزوجين في الذرية الصالحة، صلاحًا في الخلقة وصلاحًا في الخلق؛ ليشكروه عليها، فإذا آتاهم الله الولد صالحًا سليمًا كما أراده، صرفاه عن الفطرة إلى الشرك.

قال سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) } [الأعراف: 189] .

فنعم الله على عباده لا تحصى و لا تعد، وهي سبيل من سبل معرفة الله وتعظيمه وإفراده بالوحدانية والعبادة.

رابعًا: مجال الشدائد:

لقن الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: من ينقذكم من مخاوف ظلمات البر والبحر؟ أليس هو الله سبحانه وتعالى الذي تدعونه في الشدائد متذللين جهرًا وسرًا؟ تقولون: لئن أنجانا ربنا من هذه المخاوف لنكونن من الشاكرين بعبادته عز وجل وحده لا شريك له، قال سبحانه وتعالى: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63] .

وأخبر سبحانه وتعالى أنه هو الذي يسير الناس في البر على الدواب وغيرها، وفي البحر في السفن، حتى إذا كانوا فيها وجرت بريح طيبة، وفرح ركاب السفن بالريح الطيبة، جاءت هذه السفن ريحٌ شديدة، وجاء الركاب الموج من كل مكان، وأيقنوا أن الهلاك قد أحاط بهم، أخلصوا الدعاء لله وحده، وتركوا ما كانوا يعبدون، وقالوا: لئن أنجيتنا من هذه الشدة التي نحن فيها، لنكونن من الشاكرين لك على نعمك.

قال سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22] .

خامسًا: الشكر والتفكر:

ينوع الله سبحانه وتعالى الحجج والبراهين ويضرب فيها الأمثال للشاكرين نعمه؛ لأنهم يرونها من أكبر النعم الواصلة إليهم من ربهم، فيتلقونها مفتقرين إليها فرحين بها، فيتدبرونها ويتأملونها ويعملون بمقتضاها.

قال سبحانه وتعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 58] .

أي: والبلد الطيبة تربته، العذبة مشاربه، يخرج نباته -إذا أنزل الله الغيث وأرسل عليه الحيا- بإذنه طيبا ثمره في حينه ووقته، والذي خبث فردؤت تربته وملحت مشاربه لا يخرج نباته إلا عسرا في شدة، كذلك نبين آية بعد آية، وندلي بحجة بعد حجة، ونضرب مثلا بعد مثل، لقوم يشكرون الله على إنعامه عليهم بالهداية وتبصيره إياهم سبيل أهل الضلالة، باتباعهم ما أمرهم باتباعه، وتجنبهم ما أمرهم بتجنبه من سبل الضلالة. وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالبلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه مثل للمؤمن، والذي خبث فلا يخرج نباته إلا نكدًا مثل للكافر 87.

وفي الآية دلالة على أن الشاكرين ينتفعون بالآيات الكونية الدالة على وجود الصانع سبحانه وتعالى وقدرته وعظمته وتفرده بالتدبير.

والله سبحانه وتعالى يدعو عباده إلى معرفته بالنظر والتأمل في مصنوعاته في الكون:

ومن ذلك أنه سخر لعباده البحر؛ لتجري السفن فيه بأمره، وليبتغوا من فضله بأنواع التجارات والمكاسب؛ لعلهم يشكرونه على تسخيره البحر ويثنون عليه، ويهتدون إلى الصانع سبحانه وتعالى من خلال مصنوعاته، قال عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الجاثية: 12] .

وفي الآية دلالة على أن من حكم تسخير البحر للناس: حملهم على الاعتراف لله بالعبودية، ونبذهم إشراك غيره فيها، وشكره والثناء عليه.

ومنها: أنه سبحانه وتعالى بين لعباده ما منحهم في آيات الليل والنهار من المصالح والمنافع؛ كي يتفكروا فيهما ويستدلوا بهما على وحدانيته وقدرته الباهرة؛ فيشكرونه ويثنون عليه ويفردونه بالعبادة.

قال سبحانه وتعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) } [القصص: 73] .

ومن آياته الدالة على تفرده بالألوهية والتي انتفع بها الشاكرون، توجيه الرياح إلى بلد محتاج إلى المطر، فتحيا به البلاد والعباد.

قال سبحانه وتعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الروم: 46] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت