فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 2431

فهذه الطائفة التي كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو حكمها من العذاب والخسار -كما بينه تعالى-، وهو «حكم قاطع لا جدال فيه ولا محال، مهما يكن من صلاح بعض أعمالهم وآدابهم ونظمهم ما دامت تقوم على غير إيمان، بهذه الرسالة الأخيرة، وبهذا الرسول الأخير، لا نستريب في هذا الحكم لأي مظهر من مظاهر الصلاح، المقطوعة الاتصال بمنهج الله الثابت القويم» 53، {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] .

وقد بين الله تعالى وضوح كفر هذه الطائفة من أهل الكتاب وأكده في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) } [النساء: 150 - 151] .

قال البيضاوي: « {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} هم الكاملون في الكفر لا عبرة بإيمانهم هذا، أي: ببعض أنبياء الله ورسله وكتبه دون البعض الآخر، {حَقًّا} مصدر مؤكد لغيره أو صفة لمصدر الكافرين بمعنى: هم الذين كفروا كفرًا حقًا أي يقينًا محققًا» 54.

وقال تعالى في نهي هذه الطائفة عن كفرها وأفعالها القبيحة: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) } [البقرة: 41] .

ومعلوم أن اليهود والنصارى ليسوا هم أول كافر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما كفرت قريش والعرب أول ما كفروا في بداية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وإنما قال تعالى: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} تعريضًا بأهل الكتاب، أي: إن اللائق بهم وبمنزلتهم لكونهم أهل كتاب أن يكونوا أول المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم، لما عندهم من العلم بصدقه والبشارة به.

قال ابن عاشور: «والمقصود من النهي في قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} توبيخهم على تأخرهم في اتباع دعوة الإسلام» 55.

وقال الراغب: «أي: لا تكونوا ممن يقتدى بكم في الكفر.» 56

ثالثًا: طائفة كتمت صفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم:

وهي الطائفة الثالثة من أهل الكتاب، قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) } [البقرة: 146] .

فأخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم 57، ويعلمون نعوته وصفاته، والتي من جملتها أنه عليه السلام يصلي إلى القبلتين 58، كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بذلك، أو يعرفونه كما يعرفون أبناءهم من بين أبناء الناس لا يشك أحد ولا يتمارى في معرفة ابنه إذا رآه من بين أبناء الناس كلهم، ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإتقان العلمي {لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} 59.

وقال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) } [آل عمران: 71] .

قال الألوسي في قوله تعالى: {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ} : «أي: نبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وما وجدتموه في كتبكم من نعته والبشارة به {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه حق» 60.

وقد بين الله تعالى أنه أخذ العهد على علماء أهل الكتاب أن يبينوا للناس ما في كتبهم التي أنزلها تعالى عليهم من البينات والمعاني والأحكام والأخبار وكل ما يحتاجون إليه، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) } [آل عمران: 187] .

فالآية توبيخ من الله تعالى لهم في نبذهم، أي: طرحهم - غير مبالين - الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم، «وهو العهد الثقيل المؤكد» 61 لبيان ما في كتبهم من الحق، ومنه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان أمره وصفته 62.

فهم قد كتموا ذلك، واشتروا بذلك الكتمان {ثَمَنًا قَلِيلًا} ، وهو ما يحصل لهم من بعض الرياسات، والأموال الحقيرة، من سفلتهم المتبعين أهواءهم 63.

{فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} لأنهم اشتروا عقاب الله تعالى وغضبه، وكان اللائق بهم أن يكونوا في أول من يؤمن بهذا النبي، وينصره ويذود عنه، لما في كتبهم من البشارة به وتوكيد دعوته، فالعقل قاض بأن يظاهروه، ودينهم حاكم بأن يؤيدوه، ومن العجب أن يطرحوا حكم العقل والنقل وراءهم ظهريًا 64.

وهذا الفريق من أهل الكتاب ممن كتم الحق مع علمه اليقيني به، ومع أن الله تعالى أخذ الميثاق منهم على تبيينه، توعدهم الله تعالى بشر عقاب جزًاء وفاقًا على كفرهم واتباعهم أهواءهم، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) } [البقرة: 159] .

فتوعدهم الله تعالى باللعنة منه، ومن جميع من يتأتى منه اللعن، من الملائكة ومؤمني الثقلين، وفي ذلك بيان لدوام اللعن واستمراره 65، وعظم جرم هؤلاء الكاتمين وفعلهم، حيث استحقوا كل ذلك اللعن، أي: الدعاء عليهم بالطرد والإبعاد من رحمته.

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) } [البقرة: 174] .

يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم، مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم، وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم، {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارًا تتأجج في بطونهم يوم القيامة، {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

وذلك لأنه غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم، أي: لا يثني عليهم ولا يمدحهم بل يعذبهم عذابًا أليمًا 66.

بين القرآن الكريم موقف أهل الكتاب من المسلمين في آيات كثيرة، وكشف عن نواياهم ومخططاتهم وتدابيرهم، وذلك كله ليكون المسلمون على بينة من أمرهم، فيحذرونهم ويحتاطون لهم إن كانوا من أعدائهم، ويسالمونهم ويقاربونهم إن كانوا من أصدقائهم ومحبيهم، ولما كان لأهل الكتاب الدور الرئيس الأكبر في معاداة الإسلام وأهله كما تشهد بذلك وقائع التاريخ إلى يومنا هذا، فقد كشف القرآن الكريم عن تلك العداوة وأسبابها وصورها، لما لها من خطر داهم على المسلمين، وذلك من طريقة القرآن في هدايته لكل خير، والتحذير من كل شر، قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] .

ولقد بين القرآن الكريم أن موقف أهل الكتاب من المسلمين لا ينحصر في موقف واحد من عداوتهم لهم، بل إن من أهل الكتاب فريقًا لا يحمل في نفسه تلك العداوة والبغض لهم، ولا يستكبر عن قبول الحق واتباعه والإذعان به، وهذا الفريق قادته تلك الصفات الحسنة إلى الإيمان بالله تعالى ورسله جميعًا، والدخول في الإسلام.

قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) } [المائدة: 82 - 83] .

فبين تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأقسم له على موقفين لأهل الكتاب من المؤمنين:

أحدهما: موقف العداوة في قمتها حتى فاقت كل العداوات، فأصحابها هم أشد الناس عداوة وأصلبها للمؤمنين.

والثاني: هو موقف المودة والمحبة، وأصحابها هم أقرب الناس مودة للمؤمنين.

أولًا: موقف العداء من المسلمين:

وهو موقف أهل الكتاب عامة واليهود خاصة، ويشاركهم في هذا الموقف المشركون من غير أهل الكتاب.

قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} .

وهي حقيقة يقررها الله تعالى لنبيه، صلى الله عليه وسلم وأمته، وتوجيه لهم في كون اليهود أعدى أعدائهم، ويلفت تعالى أنظارهم إلى هذه الحقيقة في كون أولئك اليهود مع أنهم أهل كتاب إلا أنهم يتقدمون المشركين في هذه العداوة 67، كما أقسم تعالى على هذه الحقيقة لتوكيدها، والمقصود من هذا القسم للنبي صلى الله عليه وسلم هو تسليته فيما يقع له منهم من التكذيب والأذى بأنهم أعدى أعداء المؤمنين، قال الفخر الرازي: «واللام في قوله {لَتَجِدَنَّ} لام القسم، والتقدير: قسما إنك تجد اليهود والمشركين أشد الناس عداوة مع المؤمنين، وقد شرحت لك أن هذا التمرد والمعصية عادة قديمة لهم، ففرغ خاطرك عنهم ولا تبال بمكرهم وكيدهم» 68.

وعداوة أهل الشرك للمؤمنين واضحة في أسبابها، لا تحتاج إلى تعليل، أما اليهود فالوضع مقلوب بالنسبة لهم «إذ كانوا - وهم أهل كتاب - أولى الناس بأن يناصروا أهل الكتاب ويوادوهم، لا أن يكونوا في الجبهة الأولى من الجبهات المعادية للمؤمنين؛ إذ يتقدمون في هذا الموقف اللئيم أهل الكفر والشرك، فيكونون قادة الحملة الموجهة لحرب الله والمؤمنين بالله!» 69.

وكشف القرآن الكريم عن سبب صدور هذه العداوة منهم، وهو نفسيتهم المريضة، التي غلبت الحسد والأهواء على أوامر الله واتباع رسله وكتبه والإيمان بهما، فقد حسد اليهود النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يأت منهم، وجاء من العرب، ولذلك تركوا الإيمان به، وقالوا: نؤمن بما نزل علينا نحن أمة اليهود فقط، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) } [البقرة: 91] .

وقد رد عليهم تعالى دعواهم بالإيمان بكتبهم واحترامها وإجلالها، بقوله: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، وهذا تكذيب لهم وتوبيخ، أي: لم تقتلون -إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنزل الله عليكم - أنبياءه، وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم، بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم؟ 70.

وقال تعالى في آية أخرى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) } [النساء: 54 - 55] .

قال ابن كثير: «يعني بذلك: حسدهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له؛ لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل» 71.

ثم رد تعالى عليهم، فقال: {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} أي: أن إيتاء النبوة والفضل لمحمد صلى الله عليه وسلم ليس بدعًا ولا غريبًا على كرم الله، فإنعامه لم يزل مستمرًا على عباده المؤمنين.72

«إن الحسد- وليس غيره - هو الذي أغرى أهل الكتاب - وخاصة اليهود - بهذا الموقف الضال الآثم، من رسالة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وكتمانهم الحق عن علم بأنه رسول الله، وأنه الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل ...

وفى نار الحسد التي تأججت في صدور اليهود، ذابت كل معالم الحق الذي كان معهم من أمر النبي، فكفروا به، واتخذوا طريق الضلال مركبًا إلى عذاب الجحيم» 73.

وقد ذكر القرآن الكريم قصة يوسف عليه السلام مع إخوته، وهم آباء أسباط بني إسرائيل، وفيها أنهم حسدوه وكادوا له بإلقائه في البئر ليخلوا لهم وجه أبيهم، وأن عاقبة حسدهم في نهاية الأمر كانت في مصلحة يوسف وخيرًا له، وأنه صار بسبب ذلك عزيزًا لمصر، وكأن في ذلك تنبيهًا لليهود الذين يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم أن عاقبة حسدهم وكيدهم هي خير للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته.

«وفى قوله تعالى {} إشارة إلى أن هذا الحكم الذي فضح الله به اليهود، ليس حكمًا معلقًا على أي شرط، بحيث يقع إذا وقع هذا الشرط، أو هو حكم خفي لا تظهر آثاره للعيان، وإنما هو حكم مطلق، واقع دائمًا، ظاهر لا خفاء فيه، ولهذا جاء التعبير عنه بلفظ (تجد) بمعنى ترى، وتبصر، وتتحقق، ثم جاء هذا اللفظ مؤكدًا بالقسم، وبنون التوكيد (لتجدن) ، فهو أمر واقع، مؤكد الوقوع، لا احتمال فيه لشك أو ريب. هذه هي وجهة اليهود في الحياة، وهذا هو حكم الله عليهم» 74.

وهذا الحكم الإلهي عليهم تشهد له وقائع التاريخ بوضوح لا خفاء فيه، - وإن كنا لسنا بصدد التفصيل التاريخي في الحديث عن عداوتهم - فاليهود سبب معظم الفتن التي حدثت في العالم الإسلامي، وقد حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم بشتى الوسائل الممكنة، حاولوا بها سحره وسمه وقتله مرات عديدة، إلا أن الله حفظ نبيه صلى الله عليه وسلم ونجاه، ولا يزال أذى اليهود للمسلمين إلى يومنا هذا مشاهد ومعلوم، وما يحدث منهم في فلسطين والقدس وغزة مكشوف معلوم.

ولعداء أهل الكتاب للمسلمين صور متعددة، ومن هذه الصور:

1.سعيهم في إضلال المسلمين وتشكيكهم في دينهم:

قال تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) } [آل عمران: 72] .

وقد نزلت في جماعة من زعماء اليهود وأحبارهم تآمروا لفتنة المسلمين وتشكيكهم في دينهم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال عبد الله بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوةً ونكفر به عشيةً، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنع، فيرجعوا عن دينهم! فأنزل الله عز وجل فيهم: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [آل عمران: 71] .

إلى قوله: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 73] 75.

فالآية في كشف وفضح اليهود وبيان كيدهم ومكرهم للمسلمين، حيث دبروا للتظاهر بالدخول في الإسلام، ثم الخروج منه بعد ذلك، بغية صد الناس والمسلمين عنه، وهذا المخطط الخبيث منهم مبني «على قاعدة طبيعية في البشر، وهي أن من علامة الحق ألا يرجع عنه من يعرفه، وقد فقه هذا هرقل صاحب الروم فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شؤن النبي صلى الله عليه وسلم عندما دعاه إلى الإسلام: «هل يرجع عنه من دخل في دينه؟ فقال أبو سفيان: لا» 76.

«وقد أرادت هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا: لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه، واطلعوا على باطنه وخوافيه؛ إذ لا يعقل أن يترك الإنسان الحق بعد معرفته، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب» 77.

قال ابن كثير: «هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} » 78.

2.كراهة نزول الخير على المسلمين:

قال سبحانه وتعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) } [البقرة: 105] .

وقبل البدء في تفسير الآية وبيان ما دلت عليه من صور عداوة أهل الكتاب، نشير إلى ملحوظة اقتران المشركين بأهل الكتاب في الآية، وفي قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} .

وكأن الله تعالى يريد أن يذكر أهل الكتاب بمشابهتهم للمشركين في عداوتهم لأهل الإيمان، الذين صدقوا بأنبياء الله وكتبه، حتى أنهم يشاركونهم في صورة هذه العداوة وهي إضمار الحقد والكراهية للمؤمنين، وفي ذلك ما فيه من التوبيخ لهم والتعنيف.

وبالعودة إلى تفسير الآية، قال السعدي: «أخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين، أنهم ما يودون {أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ} أي: لا قليلًا ولا كثيرًا {مِنْ رَبِّكُمْ} حسدًا منهم، وبغضًا لكم أن يختصكم بفضله فإنه {ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} ومن فضله عليكم، إنزال الكتاب على رسولكم، ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، فله الحمد والمنة» 79.

فالآية تكشف ما تكنه صدور أهل الكتاب للمسلمين من الشر والعداء، وما تنغل به قلوبهم من الحقد والحسد، بسبب ما اختصهم به الله من الفضل؛ ليحذر المسلمون أعداءهم، ويستمسكوا بما يحسدهم هؤلاء الأعداء عليه من الإيمان، ويشكروا فضل الله عليهم ويحفظوه 80، وتصور بلاغة النص القرآني في هذه الآية عظم هذا العداء في نفوس القوم، فـ (من) في قوله تعالى: {مِنْ خَيْرٍ} للاستغراق 81، أي: من أي شيء مما يسمى خيرًا، فأهل الكتاب لا يودون أن ينال أهل الإيمان أي خير أبدًا، ولا يرضيهم ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت