فهرس الكتاب

الصفحة 869 من 2431

وهم كل من يتبع أهل البيت كالخادم، ويشعر بالمسكنة والفقر والتبعية، ولا حاجة له في النساء لكبر سنه، أو ذبول جسمه، أو ضعف عقله، أو لأي عرض آخر يمنع من الرغبة في المرأة.

وأصل الإربة والإرب والمأربة: الحاجة، والجمع مآرب 110.

وعلى هذا فالشرط الأساس ألا يكون هذا التابع له شهوة في النساء، فإن كان له شهوة وميل، حرم إبداء الزينة له؛ لأن علة الحكم ومداره على خوف الفتنة بالمرأة والتعلق بها؛ فإن أمنت لكونه لا شهوة له جاز إبداء الزينة، وإلا فلا.

ومن هنا نعلم أن استخدام الشباب الأقوياء في البيوت والفنادق: من خادم وسائق وحارس، ودخولهم على النساء ورؤية زينتهن بحجة أنهم من أهل هذه الآية، نقول: هذا جناية على النص القرآني، وفهم سقيم ومنكر عظيم، يجب على فاعله التوبة إلى الله تعالى، وإبعاد دواعي الفتنة وأسباب الفساد عن بيته لئلا يكون ديوثًا!

4. {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} .

وهو ما لم يجد في نفسه شعورًا بالشهوة. ومعنى {لَمْ يَظْهَرُوا} أي لم يطلعوا من الظهور بمعنى الاطلاع. والمراد بالآية أن الأطفال الذين لا يعرفون الشهوة ولا يثير جسم المرأة وحركاتها عندهم شعورًا بالرغبة، فلا حرج من إبداء الزينة أمامهم، ولا يتحدد ذلك بسن معينة؛ فإن الأطفال يختلفون - وإن كان بعض العلماء يرى أنه إلى اثنتي عشرة سنة على الأكثر وبعضهم إلى عشر - ولكن الفيصل في ذلك أن يكون الطفل صغيرًا لا يفهم شيئًا عن عورات النساء، ولا يجد ميلًا إلى المرأة عند رؤيتها 111.

أما المراهق ومن كان قريبًا منه فليس له هذا الحكم، بل حكمه حكم الرجال، ومن النساء من تتساهل بالمراهق فلا تحتجب منه إذا كان أجنبيًّا، ولاسيما إذا كان معها في منزل واحد، كإخوان زوجها، وهذا لا ينبغي، وسببه الجهل أو التساهل.

فهؤلاء المذكورون في الآية يجوز للمرأة أن تبدي زينتها الباطنة لهم.

رابعًا: القواعد من النساء:

قال الله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 60] .

والقواعد جمع قاعد بدون تاء - كحائض وحامل - وهي المرأة الكبيرة التي قعدت عن الحيض والولد، وليس لها رغبة في الزواج 112.

وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} الآية [النور: 31] .

فنسخ واستثنى من ذلك {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ} الآية 113.

والمراد بالنسخ هنا التخصيص؛ لقوله: «واستثنى من ذلك» أي لأن الله تعالى استثنى حكم القواعد من النساء من عموم النساء، والمستثنى منه في الآية الأولى قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] .

والمراد بذلك الخمار الذي تستر به المرأة شعر رأسها إلى نحرها فلا جناح على القواعد أن يضعن ثيابهن الظاهرة التي تلبس عادة للتستر من غير المحارم؛ إذا لم تقصد من وضع ثيابها الظاهرة إظهار زينتها للرجال، وأن يستعففن عن وضع الثياب فيلبسن خمرهن وجلابيبهن خير لهن من وضعها 114.

وشرطت الآية في حق المرأة الكبيرة ألا تكون ممن يرجون نكاحًا، وما ذلك - والله أعلم - إلا لأن رجاءها النكاح يدعوها إلى التجمل والتبرج طمعًا في الأزواج، فإن كانت بهذه الصفة فهي منهية عن وضع ثيابها.

فإن كانت المرأة من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا، فإنه يباح لها أن تضع ثيابها الظاهرة التي لا يؤدي خلعها إلى كشف العورة، وهذا قول أكثر المفسرين في المراد بالثياب المذكورة في الآية وأنه الجلباب، وبه قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما 115.

وعلى ذلك فلا مانع شرعًا أن تكشف وجهها ويديها؛ لأمن المحذور منها وعليها بانصراف الأنفس عنها، وعدم رغبة الرجال فيها.

ولما كان قد يفهم من قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} ارتفاع الجناح عن كل شيء من هذا القبيل، فجاءت الجملة التالية وهي قوله تعالى: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} لدفع هذا الفهم، فبيّنت أن التي قصدت إظهار الزينة والتبرج بوضع ثيابها ليس لها أن تضع ثيابها عن وجهها ويديها وغير ذلك، كأن تضرب الأرض ليعلم ما تخفي من زينتها، وأنها آثمة بهذا الصنيع؛ لأن مجرد الزينة على المرأة فتنة، ولو مع تسترها ولو كانت لا تشتهى، فلكل ساقطة لاقطة، فإذا كان في يديها خضاب أو في معصمها أساور أو في رجليها خلاخل ونحو ذلك، لم يجز لها أن تضع خمارها أو غطاء وجهها أو عباءتها، ونحو ذلك مما يؤدي إلى ظهور الزينة 116.

وبيّنت الآية أن المرأة الكبيرة خير لها أن تحرص على العفاف وعدم وضع الثياب، وحسبها أن تختار ما اختاره الله لها، وهو لن يكون إلا خيرًا.

قال تعالى: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} أي وأن يطلبن العفة بترك وضع ثيابهن خير لهن من وضع الثياب؛ لبعده عن التهمة والفتنة، فعلى المرأة المسلمة الكبيرة أن تختار ذلك.

وهكذا كان ديدن نساء السلف، فعن عاصم الأحول قال: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا وتنقبت به، فنقول لها: رحمك الله، قال الله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} هو الجلباب. قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} فتقول: هو إثبات الحجاب 117.

ثم ختم الله الآية بقوله: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فالجملة مسوقة «مساق التذييل؛ للتحذير من التوسع في الرخصة، أو جعلها ذريعة لما لا يحمد شرعًا، فوصف «السميع» تذكير بأنه يسمع ما تحدثهن به أنفسهن من المقاصد، ووصف «العليم» تذكير بأنه يعلم أحوال وضعهن الثياب وتبرجهن ونحوها» 118.

1.إذا دعت الحاجة أو الضرورة للتعامل بين الرجال والنساء الأجانب، فإن هناك ضوابط وضعها الشرع الحكيم، ويجب على كل من الرجال والنساء امتثالها، وهذه الضوابط تتمثل في الآتي:

1.غض البصر.

فالشريعة الإسلامية تحرص على عدم ظهور زينة النساء أمام الأجانب؛ تفاديًا لما يترتب على ظهورها من إثارة الشهوات، فشرعت للنساء التستر والتحجب، وأمرت الرجال والنساء بغض البصر.

قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 30 - 31] .

فالله سبحانه يعلم مدى تأثير النظرة المحرمة في القلب، وما تحدثه من تحويل النفس إلى بركان، وما تحركه من الاندفاع نحو المرأة، والواقع يصدّق ذلك.

قال القرطبي: «البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله» 119.

وقال ابن تيمية: «فالنظر داعية إلى فساد القلب ... ، فلهذا أمر الله بحفظ الفروج، كما أمر بغض الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك» 120.

وقد قرن الله عز وجل الأمر بغض البصر بالأمر بحفظ الفرج؛ لأن غض البصر هو السبيل لحفظ الفرج.

وقد بيّن رب العالمين العلة من الأمر بغض البصر وحفظ الفرج فقال: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} أي «أطهر وأطيب، وأنمى لأعمالهم، فإن من حفظ فرجه وبصره، طهر من الخبث الذي يتدنس به أهل الفواحش، وزكت أعماله، بسبب ترك المحرم، الذي تطمع إليه النفس وتدعو إليه، فمن ترك شيئًا لله، عوّضه الله خيرًا منه، ومن غض بصره عن المحرم، أنار الله بصيرته، ولأن العبد إذا حفظ فرجه وبصره عن الحرام ومقدماته، مع داعي الشهوة، كان حفظه لغيره أبلغ، ولهذا سماه الله حفظًا، فالشيء المحفوظ إن لم يجتهد حافظه في مراقبته وحفظه، وعمل الأسباب الموجبة لحفظه، لم ينحفظ، كذلك البصر والفرج، إن لم يجتهد العبد في حفظهما، أوقعاه في بلايا ومحن» 121.

فالشريعة الإسلامية أمرت بغض الأبصار؛ لكي يظل الجو الإسلامي الطاهر سائدًا في المجتمع.

2.التزام المرأة بالحجاب الشرعي، وعدم التبرج، وعدم إبداء زينتها للأجانب، وعدم الخضوع بالقول.

فعلى المرأة إذا اضطرت للتعامل مع الأجانب أن تلتزم هذه الأوامر الإلهية؛ حفاظًا عليها، وصيانة لعفتها وكرامتها، وحسم كل أسباب الفساد.

قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] .

أى: وإذا طلبتم- أيها المؤمنون- من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا يتمتع به، سواء أكان هذا الشيء حسيًّا كالطعام، أم معنويًّا كمعرفة بعض الأحكام الشرعية، إذا سألتموهن شيئًا من ذلك فليكن سؤالكم لهن من وراء حجاب ساتر بينكم وبينهن؛ لأن سؤالكم إياهن بهذه الطريقة، أطهر لقلوبكم وقلوبهن، وأبعد عن الوقوع في الهواجس الشيطانية التي قد تتولد عن مشاهدتكم لهن، ومشاهدتهن لكم 122.

والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية عامة لكل النساء، بما فيهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]

يقول السعدي: « {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} أي: في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون فتلنّ في ذلك، وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع {الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي: مرض شهوة الزنا، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه؛ لأن قلبه غير صحيح، فإن القلب الصحيح ليس فيه شهوة لما حرم الله، فإن ذلك لا تكاد تميله ولا تحركه الأسباب؛ لصحة قلبه، وسلامته من المرض.

بخلاف مريض القلب، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يدعوه إلى الحرام، يجيب دعوته.

ولما نهاهن عن الخضوع في القول، فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} أي: غير غليظ، ولا جاف كما أنه ليس بليّنٍ خاضع.

وتأمل كيف قال: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} ولم يقل: «فلا تلنّ بالقول» وذلك لأن المنهي عنه القول اللين، الذي فيه خضوع المرأة للرجل، وانكسارها عنده، والخاضع، هو الذي يطمع فيه، بخلاف من تكلم كلامًا لينًا، ليس فيه خضوع، بل ربما صار فيه ترفع وقهر للخصم، فإن هذا لا يطمع فيه خصمه» 123.

3.عدم المصافحة بين الرجال والنساء الأجانب.

حرّم الإسلام مصافحة الرجال للنساء الأجانب؛ لما فيه من إثارة الشهوات.

وإذا كان الإسلام يطارد الحرام أنى وجد، ويترصد المنكر حيثما كان ليقضي عليه، فلمس المرأة باليد يحرّك كوامن النفس، ويفتح أبواب الفساد، ويسهّل مهمة الشيطان، من أجل ذلك توعد الله من يفعل ذلك بصارم عقابه، وشديد عذابه.

فعن معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) 124.

وإذا كان هذا في مجرد المس إذا كان بغير شهوة، فما بالك بما فوقه؟!

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوي ويتمنى، ويصدّق ذلك الفرج ويكذّبه) 125.

4.عدم الخلوة بالمرأة الأجنبية.

وحقيقة الخلوة أن ينفرد رجل بامرأة في غيبة عن أعين الناس.

إن الخلوة بالأجنبية من أعظم الذرائع، وأقرب الطرق إلى اقتراف الفاحشة الكبرى.

وقد صرح القرطبي بأن الخلوة بغير محرم من الكبائر 126.

وقد ذكر بعض السلف في قوله تعالى: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة: 12] .

أي: لا تخلو المرأة بالرجال. ذكره البغوي عن مجاهد، وسعيد بن المسيب، والكلبي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم 127.

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخلوة بالأجنبية، وشدّد في ذلك، والأحاديث في ذلك كثيرة، منها:

حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) 128.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم علة تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية حيث قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان) 129.

يقول الشوكاني: «وعلة التحريم ما في الحديث من كون الشيطان ثالثهما، وحضوره يوقعهم في المعصية» 130.

وقد تكون القرابة إلى المرأة أو زوجها سبيلًا إلى سهولة الدخول عليها أو الخلوة بها، كابن العم وابن الخال مثلًا، ولذلك حذّرنا النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك؛ لأنه من مداخل الشيطان، ومسارب الفساد.

فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والدخول على النساء) ، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: (الحمو الموت) 131.

والحمو هو قريب الزوج الذي لا يحل للمرأة 132. فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يفسد الحياة الزوجية كما يفسد الموت البدن.

5.عدم الاختلاط.

والمقصود بالاختلاط: هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر، أو الإشارة، أو الكلام، أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد 133.

فمن الآداب التي تجب على المرأة مراعاتها عدم الاختلاط بالرجال درءًا لانتشار الفساد والفحشاء.

وقد حذر القرآن الكريم من هذا الاختلاط كما في قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] .

وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] .

وبيّن سبحانه الحكمة من ذلك فقال: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53] .

«فلا يقل أحد غير ما قال الله. لا يقل أحد: إن الاختلاط، وإزالة الحجب، والترخص في الحديث واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب، وأعف للضمائر، وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة، وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك، إلى آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف المهازيل الجهال المحجوبين. لا يقل أحد شيئًا من هذا والله يقول: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} يقول هذا عن نساء النبي الطاهرات، أمهات المؤمنين، وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق! وحين يقول الله قولًا ويقول خلق من خلقه قولًا، فالقول لله- سبحانه- وكل قول آخر هراء، لا يردده إلا من يجرؤ على القول بأن العبيد الفانين أعلم بالنفس البشرية من الخالق الباقي الذي خلق هؤلاء العبيد! والواقع العملي الملموس يهتف بصدق الله، وكذب المدعين غير ما يقول الله. والتجارب المعروضة اليوم في العالم مصدقة لما نقول. وهي في البلاد التي بلغ الاختلاط الحر فيها أقصاه أظهر في هذا وأقطع من كل دليل» 134.

يقول ابن القيم: «ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة» 135.

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجال عن منع النساء من الذهاب إلى المساجد، فقد أوجب على النساء - من ناحية أخرى- عدم الاختلاط بالرجال، وأمرهن بأن يمشين في جزء مخصوص من الطريق، فعن أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول- وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق: (استأخرن، فليس لكن أن تحققن 136 الطريق، عليكن بحافات الطريق) ، فكانت المرأة تلصق بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به 137.

كما قرّرت الشريعة أن خير صفوف النساء في الصلاة أبعدها عن صفوف الرجال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) 138.

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهتم بألا تختلط النساء بالرجال عند العودة إلى بيوتهن بعد الصلاة، فعن أم سلمة رضي الله عنها (أن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا سلّمن قمن، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال) 139.

قال ابن قدامة: «إذا كان مع الإمام رجال ونساء فالمستحب أن يثبت هو والرجال بقدر ما يرى أنهن قد انصرفن، ويقمن هن عقيب تسليمه ... ؛ لأن الإخلال بذلك من أحدهما يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء» 140.

وهذا كله في حالة العبادة والصلاة التي يكون فيها المسلم أو المسلمة أبعد ما يكون عن وسوسة الشيطان وإغوائه، فماذا يقال عن الاختلاط في كراسي الدراسة، الاختلاط في مكان العمل، في المستشفيات، في الطائرات، في أسواق البيع والشراء؟!

وبهذا يتبين لنا حرص الشريعة الغراء على التفريق والمباعدة بين المرأة والرجل الأجنبي عنها، حتى لا يقع ما لا يحمد عقباه، لكن هناك من يحاول تحطيم هذه الموانع والفواصل بين المرأة والرجل بدعوى التقدم والحضارة، أو تأثرًا بالغرب ودعاة الإباحية، ونجح القوم في غياب الوعي الديني أن يخترقوا هذه الحواجز، ويزيلوا هذه الموانع، ويتسوّروا السياج، فكان الاختلاط والذي يبدأ في رياض الأطفال مرورًا بالمدارس والكليات وانتهاء بالاختلاط في العمل. فضلًا عن الاختلاط في وسائل المواصلات وشتى مناحي الحياة.

فأصبح الاختلاط ظاهرة اجتماعية مألوفة، وأن الدعوة إلى عدم الاختلاط يعدّ تخلفًا ورجعية!!

1.لقد جاءت هذه الشريعة بحفظ الضرورات التي لا تستقيم الدنيا ولا الآخرة إلا بحفظها، وهي: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال، وعلى هذا الترتيب رتّبها العلماء من حيث الأهمية، فمدار أحكام الدين وخلاصة هذه الشريعة حماية هذه الضرورات الخمس.

وجعلت الشريعة لكل واحدة من هذه الضرورات الخمس أحكامًا لحمايتها، وتوفيرها، وإيجادها، وتنميتها؛ وفي المقابل، جاءت بأحكام لمنع العدوان عليها، وإنقاصها، والعبث بها.

والعِرْض يعرّفه العلماء بأنه موضع المدح والذم للإنسان، بمعنى أن عرضك هو ما يسرّك لو ذكرت بخير فيما يتعلق به، ويسوؤك لو ذكرت بشرٍّ فيما يتعلق به.

وقد وضع الإسلام أساليب وقائية لحفظ الأعراض؛ لمنع وقوع الفواحش، ومن هذه الأساليب:

تحرص الشريعة الغراء على ترسيخ الإيمان في قلوب المؤمنين، وأن عليهم الامتثال لأوامر الله واجتناب نواهيه، وتزرع في قلوبهم مراقبة الله.

فالشريعة الإسلامية تربي نفوس المؤمنين مع إرشادهم إلى الأساليب الوقائية، بحيث يكون لكل منهم وازع في نفسه وضميره، فيحول بينه وبين الانغماس في الشهوات وارتكاب المحرمات.

فترسيخ الإيمان في القلوب صمام الأمان لصيانة الأعراض، وعدم انتهاكها.

ولذلك نلحظ في أغلب الآيات التي تناولت الأساليب الوقائية أنها اشتملت على أسلوب الإقناع بتعليل الأحكام، وهذا التعليل إما بأمر ديني كمحبة الله وخوفه ورجائه ومراقبته وعلمه، وإما بأمر دنيوي من السعة في الرزق وحصول الخير وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت