فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 2431

فنزلت: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] 25.

الثالث: قال مسروق: «كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان فتنصرا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الطعام فأتاهما أبوهما فلزمهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا أن يسلما، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فأنزل الله عز وجل قوله: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} فخلى سبيلهما» 26.

القول الراجح في آية الإكراه على الدين:

في المسألة أقوال ثلاثة:

الأول: ذهب جمهرة من العلماء والمفسرين 27 بأن هذه الآية منسوخة، وناسخها قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ} [التوبة: 5] .

قاله الصحابي زيد بن أسلم رضي الله عنه، ونقله الإمام ابن حزم رحمه الله، وابن سلامة، والكرمي، والمقري، -رحمهم الله تعالى-.

الثاني: ذهبت جمهرة أخرى من العلماء، «بأن الآية ليست منسوخة، ولكن {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} نزلت في أهل الكتاب، لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، والذين يكرهون أهل الأوثان» 28، فهم الذين نزلت فيهم: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73] .

الثالث: ذهب فريق ثالث إلى أن هذه الآية مخصوصة، وممن قال إنها مخصوصة ابن عباس رضي الله عنهما.

وقال أبو جعفر: «قول ابن عباس في هذه الآية أولى الأقوال؛ لصحة إسناده، وأن مثله لا يأخذ بالرأي، فلما أخبر أن الآية نزلت في هذا وجب أن تكون أولى الأقوال، وأن تكون الآية مخصوصة نزلت في هذا، وحكم أهل الكتاب كحكمهم» 29.

وبهذا وبه قال شيخ المفسرين الإمام الطبري، وجمهرة كبيرة من العلماء.

هذا حاصل أقوال المتقدمين في الجمع بين هذه الآية؛ والواقع فإن الناظر في كتب التفسير المتقدمة عمومًا، يجد أن المفسرين لم يخرجوا عن هذه الأقوال في الأغلب، ورجح أكثرهم القول بأن آية البقرة خاصة بأهل الكتاب.

ثانيًا: الإكراه على الكفر:

تعتبر الدعوات السماوية مصدر إزعاج للماديين الدنيويين؛ فذلك لا يتوانون لحظة في إلحاق الأذى بأتباعها وأشياعها، ولما كان الإسلام دعوة الحق الذي ارتضاه لنا ربنا سبحانه وتعالى، وأرسل به النبي صلى الله عليه وسلم لمنح العباد الحرية من طواغيت الأرض، زاد الماديين نفورًا وعنادًا واستكبارًا وصدًا عن سبيل الله تعالى وايذاءً للمؤمنين، فكانت المنحة الإلهية لهم بجواز الأخذ بالرخصة في الكفر باللسان بعد الإيمان تفاديًا لأذاهم، وبشرط اطمئنان القلب بالإيمان.

فقال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) } [النحل: 106] .

قال شيخ المفسرين الإمام الطبري: « {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} على الكفر، فنطق بكلمة الكفر بلسانه {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} موقن بحقيقته، صحيح عليه عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرًا فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعًا، {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} » 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت