فهرس الكتاب

الصفحة 1473 من 2431

الطاعة

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «الطاء والواو والعين أصل صحيح واحد، يدل على الإصحاب والانقياد، يقال: طاعه يطوعه إذا انقاد معه، ومضى لأمره، وأطاعه بمعنى طاع له، ويقال لمن وافق غيره: قد طاوعه» 1.

وقال الليث: «الطوع: نقيض الكره، لتفعلنه طوعًا أو كرهًا، وطائعًا أو كارهًا، وطاع له إذا انقاد له، فإذا مضى لأمره فقد أطاعه، وإذا وافقه فقد طاوعه، قال: والطاعة: اسم من أطاعه إطاعة، والطواعية: اسم لما يكون مصدر المطاوعة، يقال: طاوعت المرأة زوجها طواعية» 2.

يتبين مما سبق أن المعنى اللغوي للطاعة يدل على الاصطحاب و الانقياد وموافقة الغير.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لم يبتعد المعنى الاصطلاحي للطاعة عن معناها اللغوي كثيرًا، بل دار في فلكها، فحول معاني الانقياد والامتثال واتباع الأمر واجتناب النهي يدور المعنى.

قال ابن عطية: «الطاعة: هي موافقة الأمر الجاري عند المأمور مع مراد الأمر» 3.

وقال السيوطي: «الطاعة: امتثال أمر بات على حكم الواقعة» 4.

ولخص ذلك كله الطاهر ابن عاشور بقوله: «الطاعة: امتثال الأمر والنهي» 5.

وردت مادة (طوع) في القرآن الكريم (130) مرة، يخص موضوع البحث منها (73) مرة 6.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 14 ... {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]

الفعل المضارع ... 29 ... {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الكهف:28]

فعل الأمر ... 21 ... {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [آل عمران:32]

المصدر ... 7 ... {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ} [محمد:21]

اسم الفاعل ... 1 ... {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) } [فصلت:11]

اسم المفعول ... 1 ... {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) } [التكوير:20 - 21]

وجاءت الطاعة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: الانقياد، لكن أكثر ما يقال في الائتمار فيما أمر 7.

العبادة:

العبادة لغة:

من الفعل عبد يعبد، عبادةً وعبوديةً، والمفعول: معبود، وعبد الله بمعنى وحده وأطاعه، وانقاد وخضع وذل له، والتزم شرائع دينه، وأدى فرائضه 8.

العبادة اصطلاحًا:

قال المناوي: العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه؛ تعظيمًا لربه، وقيل: هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد لبعض، ولذلك اختصت بالرب،

وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل 9.

الصلة بين الطاعة و العبادة:

إن العبادة هي غاية الخضوع ولا تستحق إلا بغاية الإنعام، ولهذا لا يجوز أن يعبد غير الله تعالى، ولا تكون العبادة إلا مع المعرفة بالمعبود، والطاعة هي ذلك الفعل الواقع على حسب ما أراده المريد متى كان المريد أعلى رتبة ممن يفعل ذلك، وتكون للخالق والمخلوق، والعبادة لا تكون إلا للخالق 10.

التطوع:

التطوع لغة:

الطاء والواو والعين أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدل على الإصحاب والانقياد. يقال: طاعه يطوعه، إذا انقاد معه ومضى لأمره 11.

التطوع اصطلاحًا:

التطوع في الأصل: تكلف الطاعة، وهو في التعارف التبرع بما لا يلزم كالتنفل 12.

الصلة بين الطاعة والتطوع:

أصلهما من الطوع: الذي هو من الانقياد، والفرق بينهما أن الطاعة موافقة الإرادة في الفريضة، والنافلة والتطوع: التبرع بالنافلة خاصة 13.

العصيان:

العصيان لغة:

الخروج عن الطاعة 14.

العصيان اصطلاحًا:

هو ترك الانقياد 15.

الصلة بين الطاعة والعصيان:

العصيان ضد الطاعة، وهو الامتناع عن الانقياد، وترك أمر الله تعالى، والخروج عن طريق الحق، ويقابله الطاعة التي هي امتثال الأمر والنهي 16.

تنوعت أساليب القرآن في الحث على الطاعة، وفيما يأتي بيان لها:

أولًا: أسلوب الطلب (الأمر) :

تنوعت أساليب القرآن في الحث على الطاعة، فتارة تأتي بصيغة الأمر، ويشمل ذلك استخدام اللفظ نفسه، كما في قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [آل عمران: 32] .

وقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132] .

وقوله تعالى: {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب: 33] .

وقال تعالى على لسان أكثر من رسول لقومه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 108 - 110 - 126 - 131 - 144 - 163 - 179] . [آل عمران: 50] . [الزخرف: 63] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] .

أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وذلك بامتثال أمرهما، الواجب والمستحب، واجتناب نهيهما. وأمر بطاعة أولي الأمر وهم: الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعة لله ورغبة فيما عنده، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الأمر بطاعتهم وذكره مع طاعة الرسول، فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم أن لا يكون معصية 17.

ثانيًا: أسلوب النهي عن ضده:

تأكدت معاني الآيات الآمرة بطاعة الله ورسوله بذكر الآيات الناهية عن المعصية، والإعراض والتولي أيضًا، وهذا كله ضد الطاعة، وهذا النهي يأتي أحيانًا مذكورًا مع أوامر الطاعة؛ وذلك لتأكيد المعنى، والتحذير من المخالفة، ومثال ذلك قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92] .

إن الله عز وجل بعد أن أمر بطاعته وطاعة نبيه بين أن إعراض المعرض عن ذلك لن يضر به إلا نفسه، فقد أقيمت الحجج، وانتهت الأعذار، وأدى النبي رسالته، وبلغ ما أمر به.

قال الألوسي: « {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} أي: أعرضتم، ولم تعملوا بما أمرتم به {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} أي: ولم يأل جهدًا في ذلك فقامت عليكم الحجة، وانتهت الأعذار، وانقطعت العلل، ولم يبق بعد ذلك إلا العقاب، وفي هذا -كما قال الطبرسي وغيره- من التهديد وشدة الوعيد ما لا يخفى» 18.

وقال ابن عاشور: « {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} تفريع عن «أطيعوا» «واحذروا» والتولي هنا استعارة للعصيان، شبه العصيان بالإعراض والرجوع عن الموضع الذي كان به العاصي، بجامع المقاطعة والمفارقة، وكذلك يطلق عليه الإدبار، ففي حديث ابن صياد (ولئن أدبرت ليعقرنك الله) 19، أي: أعرضت عن الإسلام» 20.

وهذا الأسلوب، أي: أسلوب الجمع بين الأمر بالطاعة، والتحذير والنهي عن التولي والإعراض؛ له أثر بالغ في توكيد المعنى عن المستمع؛ ولذا نجده قد تكرر في أكثر من آية، كما في قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20] .

وقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} [النور: 54] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] .

وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ} [التغابن: 12] .

وجاءت آيات أخرى تتوعد العصاة بالعذاب والخسران، وفي هذا نهي ضمني عن معصية الله ورسوله؛ لأنه طريق هلاك وضلال، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14] .

هذه الآية جاءت بعد ذكر بعض أحكام الفرائض والمواريث؛ ولذلك ربط كثير من العلماء بينها وبين ما قبلها، فقال الطبري: « {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} في العمل بما أمراه به من قسمة المواريث على ما أمراه بقسمة ذلك بينهم وغير ذلك من فرائض الله، مخالفًا أمرهما إلى ما نهياه عنه {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} يقول: ويتجاوز فصول طاعته التي جعلها تعالى فاصلة بينها وبين معصيته، إلى ما نهاه عنه من قسمة تركات موتاهم بين ورثتهم وغير ذلك من حدوده؛ يدخله نارًا باقيًا فيها أبدًا، لا يموت ولا يخرج منها أبدًا، وله عذاب مذلٌ من عُذِّبَ به، مخزٍ له» 21.

وقال ابن الجوزي: «ومن يعص الله فلم يرض بقسمه يدخله نارًا، فإن قيل: كيف قطع للعاصي بالخلود؟ فالجواب: أنه إذا رد حكم الله، وكفر به؛ كان كافرًا مخلدًا في النار» 22.

وليس المراد بهذا أن يقتصر العقاب المذكور على من عصى الله ورسوله في أمر المواريث فحسب، بل الآية جاءت عامة لتشمل كل معصية لله ورسوله في شتى الحدود والأوامر.

يقول الأصفهاني: «كما وصف في مراعاة الحدود ثواب مراعيها، وصف في تضييعها عقاب متعديها، وأطلق القول فيهما ليكون عامًا في ذلك وفي غيره من الحدود التي بينها، وذكر في العذاب الهوان، كما ذكر في غيره الخزي، لما عرف من عادة كثير من الناس أن تقل مبالاتهم بالشدائد ما لم يضامها الهوان، حتى قالوا: المنية ولا الدنية، والنار ولا العار، فبين أنه يجمع لهم الأمران» 23.

ومثل هذا التوعد بالعذاب على المعصية والمخالفة العامة نجده في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23] .

وقال تعالى: {دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] .

قال ابن عطية: «أمرهم بالحذر من عذاب الله ونقمته إذا خالفوا عن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، وقوله: {يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} معناه: يقع خلافهم بعد أمره، وهذا كما تقول: كان المطر عن ريح، و «عن» هي لما عدا الشيء، و «الفتنة» في هذا الموضع الإخبار بالرزايا في الدنيا، وبالعذاب الأليم في الآخرة، ولا بد للمنافقين من أحد هذين ملكًا وخلفًا» 24.

وبين الله عز وجل أيضًا أن أوامره وأوامر نبيه من الأمور التي لا اختيار للمسلم فيها، بل يقبلها وينقاد إليها؛ لأن فيها مصلحة العبد في الدنيا والآخرة، حتى وإن جهل الحكمة من هذه الأوامر، فقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] .

قال الطبري: «لم يكن لمؤمن بالله ورسوله، ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله في أنفسهم قضاء أن يتخيروا من أمرهم غير الذي قضى فيهم، ويخالفوا أمر الله وأمر رسوله وقضاءهما فيعصوهما، ومن يعص الله ورسوله فيما أمرا أو نهيا {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} أي: فقد جار عن قصد السبيل، وسلك غير سبيل الهدي والرشاد» 25.

وفي سبب نزول هذه الآية خاصة، يذكر أهل التفسير سببين:

أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يخطب زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فقالت: لا أرضاه، ولست بناكحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بلى فانكحيه، فإني قد رضيته لك) فأبت، فنزلت هذه الآية، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والجمهور.

وذكر بعض المفسرين أن عبد الله بن جحش أخا زينب كره ذلك كما كرهته زينب، فلما نزلت الآية رضيا وسلما 26.

لكن حتى إن صح سبب النزول المذكور فيبقى أن الآية عامة في جميع الأمور؛ وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد ها هنا، ولا رأي ولا قول، كما قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .

ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} كقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] 27.

ووردت آيات أخرى في ذم هؤلاء المتخلفين المعرضين عن طاعة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، كما في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) } [النور: 47 - 50] .

قال ابن كثير: «يخبر تعالى عن صفات المنافقين، الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون قولًا بألسنتهم: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} أي: يخالفون أقوالهم بأعمالهم، فيقولون ما لا يفعلون؛ ولهذا قال تعالى: {وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} .

وإذا طلبوا إلى اتباع الهدى فيما أنزل الله على رسوله، أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه، وهذه كقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ صُدُودًا} [النساء: 60 - 61] .

وقال تعالى: {وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} [النور: 49] .

أي: وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم، جاؤوا سامعين مطيعين وهو معنى قوله: {مُذْعِنِينَ} وإذا كانت الحكومة عليهم أعرضوا ودعوا إلى غير الحق، وأحبوا أن يتحاكموا إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم ليروج باطلهم، فإذعانهم أولًا لم يكن عن اعتقاد منهم أن ذلك هو الحق، بل لأنه موافق لهواهم؛ ولهذا لما خالف الحق قصدهم عدلوا عنه إلى غيره؛ ولهذا قال تعالى: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} [النور: 50] .

يعني: لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مرض لازم لها، أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم، وأيًا ما كان فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم، وما هو عليه منطو من هذه الصفات.

وقوله: {بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [النور:50] .

أي: بل هم الظالمون الفاجرون، والله ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور، تعالى الله ورسوله عن ذلك 28.

ثالثًا: الثناء على المطيعين:

الثناء على أصحاب بعض الأعمال أو المواقف من الأشياء التي لها أبلغ الأثر في نفوس هؤلاء العاملين، ترفع معنوياتهم، تحفزهم، تشجعهم، تعينهم على مواصلة عملهم؛ لذلك كان الثناء وسيلة تربوية، استخدمت في القرآن والسنة.

وممن أثنى الله عليهم في كتابه: المطيعون، فلقد وردت آيات عديدة في كتاب الله عز وجل تثني عليهم وتمدحهم، وتنعتهم بأحسن الصفات، فتارة تنعتهم بالإيمان، كما في قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] .

وسبب نزول هذه الآية: أنه لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) } [البقرة: 284] .

اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] .

فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] .

«قال: نعم {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: 286] .

قال: نعم {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: نعم {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] .

قال: نعم» 29.

فكان في هذا ثناء من الله عز وجل عليهم، وعلى طاعتهم وانقيادهم، وشهادة لهم من الله بالإيمان، وكفى بها شهادة، وكان هذا كله ثمرة لانقيادهم وطاعتهم لأمر نبيهم صلى الله عليه وسلم.

وفي آية أخرى ذكر الله سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات، فكان من صفاتهم أنهم مطيعون لله ولرسوله، فقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] .

وتارة نجد الآيات تنعت المطيعين بالفائزين، كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت