«أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا كزعم من زعم أن له ولدًا أو شريكًا، أو أن غيره يدعى معه أو من دونه ويتخذ وليًا له يقرب الناس إليه زلفى ويشفع لهم عنده، أو زاد في دينهما ليس منه أو كذب بآياته المنزلة كالقرآن المجيد، أو آياته الكونية الدالة على وحدانيته أو التي يؤيد بها رسله» 40.
من أعظم القضايا التي يقع فيها الافتراء قضية التحليل والتحريم، وهما تشريع شرعه الله سبحانه لعباده، وليس لمخلوقٍ حقٌ في تحريم شيءٍ أباحه الرب لعباده تدينًا به إلا بوحيه وإذنه، وقد أنكر الله على من فعل ذلك.
فقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] .
وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آياتٍ كثيرةٍ؛ كقوله: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} [الأنعام: 150] .
وقوله: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140] .
وقوله: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) } [الأنعام: 139] .
وقوله: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 138] .
وقد نهى سبحانه وتعالى عن القول عليه بما لم يقل، كما قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] .
ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس فيها مستند شرعي، أو حلل شيئًا مما حرم الله، أو حرم شيئًا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه 41.
فـ {هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} حين تقولونها بلا نص هي الكذب عينه، الذي تفترونه على الله، والذين يفترون على الله الكذب ليس لهم إلا المتاع القليل في الدنيا، ومن ورائه العذاب الأليم، والخيبة والخسران، ثم يجرؤ ناس بعد ذلك على التشريع بغير إذن من الله، وبغير نص في شريعته يقوم عليه ما يشرعونه من القوانين، وينتظرون أن يكون لهم فلاح في هذه الأرض أو عند الله! 42.
وانتصب (الكذب) على المفعول المطلق لـ (تصف) أي: وصفًا كذبًا؛ لأنه مخالف للواقع؛ لأن الذي له التحليل والتحريم لم ينبئهم بما قالوا، ولا نصب لهم دليلًا عليه 43.
وقد وقعوا فيما نهاهم الله عنه كما أخبر عنهم {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) } [الأنعام: 138 - 139] .
أي: من أنواع سفاهتهم أن الأنعام التي أحلها الله لهم عمومًا، وجعلها رزقًا ورحمة، يتمتعون بها وينتفعون، قد اخترعوا فيها بدعًا وأقوالًا من تلقاء أنفسهم.