الاستكبار حالة تمنع صاحبها من نيل ولاية الله تعالى له، وفي هذا يقول الله عز وجل: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء:173 - 172] .
والمعنى: لن يأنف ولن يترفع المسيح عليه السلام أن يكون عبدًا لله عز وجل، مستمرًا على عبادته وطاعته، حسب وظيفة العبودية التي شرف الله تعالى بها عباده، وكذلك الملائكة المقربون لن يأنفوا أن يكونوا عبيدًا لله عز وجل، ثم بين الله تعالى على سبيل التهديد أن من يستنكف عن طاعة الله تعالى، ويطلب الكبر لنفسه من غير استحقاق له، فسوف يحشر المستنكفين إليه جميعًا لمحاسبتهم.
فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ووصفوا بعدم الاستنكاف، فسيوفيهم الله تعالى أجورهم من غير أن ينقص منها شيئًا، ويزيدهم من فضلها بتضعيفها أضعافًا مضاعفة، وبإعطائهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وأما الذين استنكفوا وترفعوا عن عبادة الله جل جلاله، واستكبروا، فسوف يعذبهم بسبب استنكافهم واستكبارهم عذابًا أليمًا لا يحيط به وصف، كما لا يجدون لهم من دون الله تعالى وليًا يلي أمورهم، ويدبر مصالحهم، ولا نصيرًا ينصرهم من بأسه عز وجل، وينجيهم من عذابه 47.
يتضمن الحديث في هذا المبحث عن أسباب ولاية الملائكة للمؤمنين وشرحها، وكذلك بيان الآثار المترتبة على ولاية الملائكة للمؤمنين، وتوضيح ذلك كما يأتي:
أولًا: أسباب ولاية الملائكة للمؤمنين:
من خلال النظر في آيات الموضوع نجد أن الأسباب التي ذكرها القرآن الكريم، وجعلها موجبة لولاية الملائكة للمؤمنين تتمثل في ثلاثة أسباب:
1.إنعام الله عز وجل على أنبيائه بالنبوة والوحي والرسالة.
وخصوصًا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما تحدث القرآن عن ولاية الملائكة للنبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة أمين الوحي جبريل عليه السلام في معرض الحديث عن أمرٍ حدث بين النبي صلى الله عليه وسلم وبعض زوجاته.
يقول الله تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى? بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ? فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَ?ذَا ? قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ?3?إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ? وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ? وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَ?لِكَ ظَهِيرٌ ?4?ہ) [التحريم:4 - 3] .
والمعنى: واذكر وقت إذ أسر النبي صلى الله عليه وسلم إلى حفصة حديثًا ما، فسره ابن عباس بأنه ذات يوم اطلعت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مع مارية أم ولده إبراهيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة: لا تخبري عائشة، وذكر لها أن أباها عمر بن الخطاب، وأبا عائشة أبا بكر الصديق سيليان أمر الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لم تكتم حفصة سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، فانطلقت إلى عائشة وأخبرتها.
فأطلع الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم على ما حدث، فأظهر بعضه، وأعرض عن ذكر البعض الآخر، وجازى النبي صلى الله عليه وسلم حفصة على ما بدر منها بأن طلقها طلقة واحدة، فقال لها عمر: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأمره جبريل بمراجعتها، وشفع فيها، وهناك رواية أخرى تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد هم بطلاقها حتى قال له جبريل: لا تطلقها فإنها صوامة قوامة، وإنها من نسائك في الجنة، فلم يطلقها. فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حفصة بما أطلعه الله عز وجل عليه، قالت: من أنبأك بهذا يا رسول الله؟ -وكانت قد ظنت أن عائشة أخبرته- فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: نبأني العليم الخبير الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وبعد ذلك حث الله عز وجل كلًا من حفصة وعائشة على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد مالت قلوبهما وزاغت عن الحق حتى أحبتا ما كره النبي صلى الله عليه وسلم من اجتناب جاريته مارية.
ثم أخبرهما على سبيل التهديد لهما بأنهما إن تتظاهرا وتتعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعصية والإيذاء، فإن الله جل جلاله هو وليه وناصره، وحينئذٍ لا يضره ذلك التظاهر منهما، وكذلك جبريل عليه السلام هو مولاه، بالإضافة إلى صالح المؤمنين وخيارهم أيضًا، وكذلك الملائكة كلهم هم ظهراء وولاة وأعوان للنبي صلى الله عليه وسلم 48.
2.اعتراف المؤمنين الذين هم أولياء الله عز وجل بربوبيته، والتسليم لأوامره.
3.استقامة المؤمنين على الصراط المستقيم علمًا وعملًا.
وهذان السببان قد وردا في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} [فصلت:30 - 32] .
فهذا حال المؤمنين دائمًا حيث يقولون: ربنا الله وحده لا شريك له، ثم استقاموا على هذا التوحيد، ولم يلتفتوا إلى إله غير الله عز وجل، وأورد المفسرون أقوالًا في معنى استقامتهم، منها: إخلاصهم العمل لله تعالى، حيث عملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته، ومنها: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى ماتوا، ومنها: عملهم على وفق ما قالوا، ومنها: إعراضهم عما سوى الله تعالى، ومنها: زهدهم في الدنيا ورغبتهم في الاخرة 49.
ولا مانع من كون هذه المعاني جميعها تدخل في معنى الاستقامة.
ثانيًا: آثار ولاية الملائكة للمؤمنين:
تتمثل آثار ولاية الملائكة للمؤمنين في النقاط الآتية:
أولًا: ورد ذكر آثار ولاية الملائكة للمؤمنين في نفس الموضع الذي ذكرت فيه الأسباب والموجبات، حيث قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} [فصلت:30 - 32] .
فهؤلاء المؤمنون الذين أقروا بربوبية الله تعالى وتوحيده، وداموا على هذا التوحيد حتى ماتوا، فلم يلتفتوا إلى إله غيره عز وجل، واستقاموا وثبتوا على أمر الله تعالى فامتثلوا لأوامره، واجتنبوا نواهيه، فهؤلاء يستحقون ولاية الملائكة لهم، فقد ورد في الحديث عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: (قلت: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به، فقال:(قل: ربي الله، ثم استقم) قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ قال: فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: (هذا) 50.
ثانيًا: إن ولاية الملائكة لهؤلاء المؤمنين تكون بتنزل الملائكة عليهم بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم المخاوف والأحزان، كأن يبشروهم بنجاتهم عند الموت، وفي القبر وعند البعث، وكذلك إزالة الخوف من أهوال الآخرة، وإذهاب الحزن عما فاتهم من أمور الدنيا من أهل وما وولد، فإذا ذهبت أحزان الماضي، وأزيلت مخاوف المستقبل، حصلت الطمأنينة والسعادة وانشراح الصدر، كما إن الملائكة تقول لهم: أبشروا بدخول الجنة التي وعدكم الله تعالى بها على ألسنة أنبيائه ورسله، فإنكم ستستقرون بها، وتخلدون في نعيمها إلى الأبد.
ثم أخبر الله عز وجل عن قول الملائكة للمؤمنين: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} أي: نحن نتولى أمور حفظكم ومعونتكم في الدنيا والآخرة، حيث ندفعكم إلى السداد والتوفيق والحفظ بأمر من الله تعالى، فنحثكم على فعل الخير، ونرهبكم من فعل الشر.
هذا في الدنيا، أما في الآخرة فإننا نكون معكم أيضًا حيث نؤنس وحشتكم في قبوركم، ونكون معكم عند النفخة في الصور، كم نؤمنكم من الفزع يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط، ونوصلكم إلى جنات النعيم، كما أن لكم في الجنة جميع ما تختارون وتطلبون وتشتهون، من أصناف اللذات وأنواع الطيبات مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
فكل ما تتمنونه تحصلون عليه، فهو معدٌ لكم سلفًا ضيافةً وعطاءً ومنًا من الله جل جلاله الذي غفر لكم ذنوبكم، ووفقكم لفعل الحسنات، ثم قبلها منكم، فبمغفرته أزال عنكم المحذور، وبرحمته أنالكم المطلوب 51.
ثالثًا: إن ولاية الملائكة لهؤلاء المؤمنين تكون بتثبيت المؤمنين في ساحات الجهاد كما قال الله عز وجل: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال:12] .
والمعنى: اذكروا أيها المؤمنون نعمة ربكم عليكم حين أوحى إلى الملائكة أن الله جل جلاله معكم بالعون والتأييد والنصر.
فأمر الملائكة أن تلقي في قلوب المؤمنين وتلهمهم الجرأة على عدوهم، وترغبهم في الجهاد وفضله، فإن الله تعالى سوف يلقي في قلوب الكافرين الرعب الذي هو أعظم جند للمؤمنين على الكافرين.
فإن الله عز وجل إذا ثبت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين، لم يقدر الكافرون على الثبات لهم ومكنهم الله تعالى منهم، حينئذٍ يأمر الله عز وجل المؤمنين أن يضربوا أعناقهم ومفاصلهم.
وهذا الخطاب إما أن يكون للملائكة الذين أوحى الله تعالى إليهم أن يثبتوا الذين آمنوا فيكون في ذلك دليل أنهم باشروا القتال يوم بدر، أو يكون الخطاب للمؤمنين بحيث يشجعهم الله، ويعلمهم كيف يقتلون المشركين، وأنهم لا يرحمونهم، وذلك لأنهم شاقوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، أي: حاربوهما وبارزوهما بالعداوة 52.
يقتضي الحديث عن ولاية المؤمنين بيان موجبات هذه الولاية بين بعضهم البعض، بالإضافة إلى بيان آثار هذه الولاية على أصحابها، وكذلك بيان آثار ولاية المؤمنين للكافرين والظالمين وآثارها، وتوضيح ذلك فيما يأتي:
أولًا: موجبات ولاية المؤمنين بعضهم البعض:
هناك أمورٌ أو صفات تجمع بين المؤمنين مما يؤهلهم أو يوجب عليهم أن تكون الولاية بين بعضهم البعض، وقد ذكرت بعض آيات القرآن الكريم هذه الموجبات.
ومنها قول الله عز وجل: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:71] .
فهذه الآية إما أن تكون على سبيل الإخبار من الله تعالى أن الدين الذي اعتنقه هؤلاء المؤمنون، وتمسكوا به، يوجب لهم الولاية، فيصير بعضهم أولياء لبعض، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] .
وإما أن يكون على سبيل الأمر، أي يأمر الله عز وجل المؤمنين أن يتخذوا بعضهم أولياء بعض، ولا يتخذوا غيرهم أولياء، كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة:1] 53.
وذكر الماتريدي في تفسيره نوعين للولاية بين المؤمنين: أحدهما: ولاية روحانية، والأخرى: ولاية نفسانية، فقال: «الأولى: ولاية روحانية، وهي ولاية في الدين توجب مراعاة حقوق تحدث بالدين الذي جمعهم وحفظها.
والثانية: ولاية نفسانية، وهي الولاية التي تكون في الأنفس والأموال، من نحو ولاية النكاح والميراث وغيره.
فهذه الولاية هي الولاية النفسانية التي كانت بالرحم والنسب، فإذا اجتمعوا في دين واحد وجبت تلك الولاية لهم، وهي الولاية نفسها، والولاية الروحانية هي المودة والمحبة، فيجب مراعاتها بالدين وتعاهدها، وهذا كما تقول: حياة روحانية وحياة جسدانية، والحياة الروحانية: هي العلم والآداب، يرى أشياء ويعرفها من بعد الحياة الجسدانية: وهي الروح الذي به يحيا الجسد، وبذهابه يموت الجسد، والله أعلم» 54.
فهؤلاء المؤمنون والمؤمنات المصدقون بالله عز وجل، وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن العظيم، فإن صفتهم أن بعضهم أنصار بعض وأعوانهم وقلوبهم متحدة في التواد والتحاب والتعاطف.
وعليه تكون هذه الموجبات متمثلة في النقاط الآتية:
أولًا: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} فإن الدين الذي اعتنقه هؤلاء المؤمنون، وتمسكوا به، يوجب لهم الولاية، فيصير بعضهم أولياء لبعض.
ثانيًا: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} أي يأمرون الناس بالإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند الله تعالى، والمعروف هو اسم جامع لكل ما عرف حسنه من بر وخير، من العقيدة الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، وأول ما يأمرون به أنفسهم.
ثالثًا: {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وهو كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة المزيفة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة، فهم أول ما ينهون أنفسهم عنه.
رابعًا: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} فيؤدون الصلاة على أكمل وجه، ويخرجون زكاة أموالهم، ويعطونها لمستحقيها.
خامسًا: {وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: لا يزالون ملازمين لطاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم على الدوام 55.
يقول سيد قطب رحمه الله: «إن طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة، طبيعة الوحدة وطبيعة التكافل، وطبيعة التضامن، ولكنه التضامن في تحقيق الخير ودفع الشر. {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وتحقيق الخير ودفع الشر يحتاج إلى الولاية والتضامن والتعاون، ومن هنا تقف الأمة المؤمنة صفًا واحدًا.
لا تدخل بينها عوامل الفرقة {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} يتجهون بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعلاء كلمة الله، وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض.
{وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} الصلة التي تربطهم بالله.
{وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} الفريضة التي تربط بين الجماعة المسلمة، وتحقق الصورة المادية والروحية للولاية والتضامن.
{وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فلا يكون لهم هوى غير أمر الله وأمر رسوله، ولا يكون لهم دستور إلا شريعة الله ورسوله، ولا يكون لهم منهج إلا دين الله ورسوله، ولا يكون لهم الخيرة إذا قضى الله ورسوله، وبذلك يوحدون نهجهم ويوحدون هدفهم ويوحدون طريقتهم، فلا تتفرق بهم السبل عن الطريق الواحد الواصل المستقيم» 56.
وفي موضع آخر بين الله تعالى من هو الولي الذي تجب موالاته، فقال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة:55] .
أي: إن الولي الذي يجب على المؤمنين اتخاذه هو الله جل جلاله، ورسوله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون الذين من صفاتهم أنهم يقيمون الصلاة في أوقاتها المفروضة، ويؤدونها على أكمل وجه بكل خشوع وخضوع، وكذلك فهم يؤتون الزكاة ويؤدونها لمستحقيها غير متكبرين على الفقراء، ولا مترفعين عليهم 57.
ويروى في سبب نزول الآية أن عبد الله بن سلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن قومًا من قريظة والنضير قد هاجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، وشكى ما يلقى من اليهود، فنزلت هذه الآية، فقرأها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء 58.
ونلحظ من قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ} أن هذا أسلوب حصر يفيد القصر، أي: حصر وقصر الولاية الحقة فقط في وجوب الولاية لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين فقط، وما عداها فالمؤمنون منهيون عن اتخاذهم أولياء بالمصادقة والمناصرة والمعاونة، ويجب التبرؤ منهم.
هذا وقد كانت الموالاة والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في بداية الدعوة الإسلامية في العهد المدني على أساس التوارث بينهم؛ لتعزيز هذا المفهوم وترسيخه بينهم، حيث قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال:72] .
والمعنى: إن الذين آمنوا وهاجروا من مكة حبًا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله تعالى، وهم الذين سموا بالمهاجرين، وكذلك الأنصار الذين آووا أولئك المهاجرين، ونصروهم على أعدائهم، فإنه يتولى بعضهم بعضًا في الميراث، فكان كل من المهاجرين والأنصار يتوارثون بالهجرة دون القرابة من الرحم والنسب، حتى نسخ ذلك بقوله: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} [الأحزاب:6] 59.
ثانيًا: آثار ولاية المؤمنين لبعضهم:
بعد أن ذكر الله عز وجل موجبات ولاية المؤمنين لبعضهم البعض، وصف آثار هذه الولاية الحقة للمؤمنين سواء كانت في الدنيا أم في الآخرة، وهي متمثلة في النقاط الآتية:
أولًا: رحمة الله عز وجل بهم: كما في قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:71] .
فهؤلاء المؤمنون والمؤمنات المتصفون بتلك الصفات الموجبة لولاية بعضهم البعض سيفيض الله تعالى عليهم من آثار رحمته، ويشملهم بإحسانه، فأي شيء يبتغيه المؤمنون فوق رحمة الله عز وجل، وأي شيء يطلبون بعد فوزهم بجنته؟ فقد جعل الله تعالى سبب الوصول إلى رحمته يسيرًا سهلًا، وليس عسيرًا شاقًا؛ بل هو طلب كل إنسان عاقل يتصف بالصفات الواردة في الآية 60.
يقول سيد قطب رحمه الله: «والرحمة لا تكون في الآخرة وحدها، إنما تكون في هذه الأرض أولًا، ورحمة الله تشمل الفرد الذي ينهض بتكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتشمل الجماعة المكونة من أمثال هذا الفرد الصالح. رحمة الله في اطمئنان القلب، وفي الاتصال بالله، وفي الرعاية والحماية من الفتن والأحداث، ورحمة الله في صلاح الجماعة، وتعاونها، وتضامنها واطمئنان كل فرد للحياة، واطمئنانه لرضاء الله» 61.