فهرس الكتاب

الصفحة 1559 من 2431

«يعني: إن فيما فعلنا بهؤلاء الذين وصفنا أمرهم: من تأييدنا الفئة المسلمة مع قلة عددها، على الفئة الكافرة مع كثرة عددها {لَعِبْرَةً} ، يعني: لمتفكرًا ومتعظًا لمن عقل وادكر فأبصر الحق» 45.

والحقيقة التي ينبغي أن تستقر في الأذهان أن نصر الله تعالى المسلمين على وجهين: نصرٌ بالغلبة، كنصرهم يوم بدر. ونصرٌ بالحجة. ولو هزم قومٌ من المؤمنين لجاز أن يقال: هم المنصورون بالحجة، ومحمود العاقبة 46.

«وقد ذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: «يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله ما أصاب قريشا» . فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا؟ فأنزل الله في ذلك من قولهم: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 12] .

إلى قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] .

ولعل هذا يفسر قوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} أي: قد كان لكم -أيها اليهود القائلون ما قلتم - {آيَةٌ} أي: دلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومعل أمره {فِي فِئَتَيْنِ} أي: طائفتين {الْتَقَتَا} أي: للقتال {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وهم المسلمون، {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} وهم مشركو قريش يوم بدر 47.

فهذه الآيات التي تتضمن الإشارة إلى أحداث غزوة بدر واردة في صدد خطاب بني إسرائيل، وتهديدهم بمصير الكفار قبلهم وبعدهم.

وفيها لفتة لطيفة عميقة الدلالة كذلك، فهو سبحانه وتعالى يذكرهم فيها بمصير آل فرعون، وكان الله سبحانه قد أهلك آل فرعون وأنجى بني إسرائيل. ولكن هذا لا يمنحهم حقًا خاصًا إذا هم ضلوا وكفروا، ولا يعصمهم أن يوصموا بالكفر إذا هم انحرفوا، وأن ينالوا جزاء الكافرين في الدنيا والآخرة كما نال آل فرعون الذين أنجاهم الله منهم! كذلك يذكرهم مصارع قريش في بدر- وهم كفار- ليقول لهم: إن سنة الله لا تتخلف. وإنه لا يعصمهم عاصم من أن يحق عليهم ما حق على قريش. فالعلة هي الكفر. وليس لأحد على الله دالة، ولا له شفاعة إلا بالإيمان الصحيح!

وقوله تعالى: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} يحتمل تفسيرين: فإما أن يكون ضمير «يرون» راجعًا إلى الكفار، وضمير «هم» راجعًا إلى المسلمين، ويكون المعنى أن الكفار على كثرتهم كانوا يرون المسلمين القليلين {مِثْلَيْهِمْ} وكان هذا من تدبير الله حيث خيل للمشركين أن المسلمين كثرة وهم قلة، فتزلزلت قلوبهم وأقدامهم.

وإما أن يكون العكس، ويكون المعنى أن المسلمين كانوا يرون المشركين {مِثْلَيْهِمْ} هم- في حين أن المشركين كانوا ثلاثة أمثالهم- ومع هذا ثبتوا وانتصروا.

والمهم هو إرجاع النصر إلى تأييد الله وتدبيره، وفي هذا تخذيل للذين كفروا وتهديد، كما أن فيه تثبيتا للذين آمنوا وتهوينا من شأن أعدائهم فلا يرهبونهم.

إن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله، قائم في كل لحظة. ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة- ولو قل عددها- قائم كذلك في كل لحظة. وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ، وسنة ماضية لم تتوقف.

وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة وتثق في ذلك الوعد وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة وتصبر حتى يأذن الله ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله، المدبر بحكمته، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة» 48.

فكأن الآية الكريمة تقول: «قل يا محمد للمغرورين بأموالهم وأولادهم وبأعوانهم وأنصارهم: لا تغرنكم كثرة العدد ولا بما يأتي به المال من العدد، ولا تحسبوا أن هذا هو السبب الذي يفضي إلى النصر والغلب، فإن في الاعتبار ببعض حوادث الزمان أوضح آية على بطلان هذا الحسبان، فذكر الفئتين، أي: الطائفتين اللتين التقتا في القتال هو من قبيل المثال» 49.

سادسًا: عاقبة المتكبرين والعصاة:

التكبر على الحق آفة خطيرة أصابت الأمم من قديم، وانتشر هذا الداء العضال، والمرض الفتاك في جسد البشرية، وابتليت الأمم على مدار التاريخ بأناس تكبروا على الحق، وتجبروا على الخلق، وأعملوا في أقوامهم صنوف العذاب، وألوان العقاب، غير أن يد القدرة أمهلتهم، علهم يرجعوا عن غيهم، أو يثوبوا إلى رشدهم، فلما لم يرجعوا أو يثوبوا، أعمل الله فيهم سنته، وأجرى عليهم قدره الذى لا يرد عن القوم المجرمين.

ولقد ضرب الله لنا في قرآنه العظيم نماذج من هؤلاء، جعل في قصصهم العبرة، وفي أخبارهم العظة. ومن هذه النماذج أنموذج فرعون الذي جاء ذكر قصته مع سيدنا موسى عليه السلام في أكثر من موضع من مواضع القرآن الكريم، ولعل موضع سورة النازعات هو أصرح المواضع تأكيدًا على أخذ العظة والعبرة، إذ يقول الله تعالى فيه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات: 26] .

والعبرة هنا بمعنى «الاعتبار» بالحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد 50.

والعبرة في هذه القصة أن الله خاطب موسى عليه السلام أن اذهب إلى فرعون الذي علا وتكبر وكفر فقل له: ألم يأن لك أن تسلم؟ أو هل ترغب في توحيد ربك، وتشهد أن لا إله إلا الله، وتزكي نفسك من الكفر، والشرك؟ وأدعوك إلى توحيد ربك {فَتَخْشَى} ، وتخاف عذابه فتسلم، {فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى} يعني: العصا، واليد، وسائر الآيات.

{فَكَذَّبَ وَعَصَى} يعني: كذب الآيات، ولم يقبل قول موسى عليه السلام ثم أدبر عن التوحيد، وسعى في هلاك موسى، وجمع أهل المدينة فنادى فيهم، فقال: لهم اعبدوا أصنامكم التي كنتم تعبدون، فإن هؤلاء أربابكم الصغار، وأنا ربكم الأعلى {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} يعني: فعاقبه بعقوبة الدنيا والآخرة، وهي الغرق وعقوبة الآخرة وهي النار. ويقال: الآخرة والأولى. يعني: العقوبة بالكلمة الأولى، والكلمة الأخرى، فأما الأولى قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} ، والأخرى قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} ، وكان بين الكلمتين أربعون سنة. ويقال: قوله {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} كان في الابتداء، حيث أمرهم بعبادة الأصنام، ثم نهاهم عن ذلك، وأمرهم بأن لا يعبدوا غيره، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} . فعقب الله على ذلك كله بقوله سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات: 26] .

أي: في هلاك فرعون وقومه لعبرةً لمن يخشى، يعني: لعظة لمن يريد أن يعتبر، ويسلم 51.

قال الرازي: «والمعنى أن فيما اقتصصناه من أمر موسى وفرعون، وما أحله الله بفرعون من الخزي، ورزق موسى من العلو والنصر عبرة لمن يخشى، وذلك أن يدع التمرد على الله تعالى، والتكذيب لأنبيائه خوفًا من أن ينزل به ما نزل بفرعون، وعلما بأن الله تعالى ينصر أنبياءه ورسله، فاعتبروا معاشر المكذبين لمحمد بما ذكرناه، أي: اعلموا أنكم إن شاركتموهم في المعنى الجالب للعقاب، شاركتموهم في حلول العقاب بكم» 52.

ومن خلال ذلك تبين أن أخذ العبرة هنا يكمن في تهديد المشركين بأنهم إذا ما استمروا في طغيانهم، كانت عاقبتهم كعاقبة فرعون 53.

ذكرنا مواطن العبرة في المبحث السابق، ومن الأهمية بمكان أن نذكر هنا أهل العبرة، من هم؟ وما صفاتهم وسماتهم؛ حتى يتسنى لنا معرفة الذين ينتفعون بالعبرة.

وأهل العبرة المنتفعون بها أربعة كما ذكرهم القرآن الكريم، هم «المؤمنون، و أولو الأبصار، أولو الألباب، أهل الخشية» .

أولًا: المؤمنون:

المؤمنون صنف من الناس يتمتع بموهبة قلبية يستطيع بها النفوذ إلى لب الحقائق ليرى بنور الله، وما ذلك إلا لأن الإيمان له نور يقذفه الله في قلوب عباده المؤمنين، فهم المصدقون بكل ما جاء عن الله وعن رسوله، ومن ثم كانوا هم المنتفعين بالعبرة، {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 26] .

وما أكثر الآيات التي تربط العبرة والانتفاع بالإيمان، نحو قوله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] .

ونحو قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] .

فاستخراج العبرة من آيات الله الكونية يفتقر إلى إيمان صادق ينفذ به صاحبه إلى أعماق الحقائق ليستخرجها.

قال أبو بكر الوراق: «العبرة في الأنعام تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم، وتمردك على ربك وخلافك له في كل شي» 54.

ويقصد بذلك أن يعتبر الإنسان، كيف سخر الله له الأنعام؟ يستفيد من لبنها ولحومها وتنقله ومتاعه، وتطيعه دون معصية وهو في المقابل يعصي ربه وخالقه الذي أنعم عليه بكل شيء.

والإيمان الحي هو الذي يوقظ صاحبه للوقوف على أمثال هذه العبرة، ومن ثم يظهر لكل ذي عينين أن المؤمنين هم أهل العبرة.

ثانيًا: أولو الأبصار:

إذا كان البصر يقال للجارحة الناظرة، فإن البصيرة يقصد بها قوة القلب المدركة للأمور 55.

وأولو الأبصار قوم ألقى الله في قلوبهم نورًا يرى به حقائق الأشياء وبواطنها، وهذا النور بمثابة البصر للنفس يرى به صور الأشياء وظواهرها.

والمتتبع لكثير من آي القرآن الكريم يلحظ ربط القرآن الانتفاع بالعبرة بمن لديه نور البصيرة.

ويفهم من قوله تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44] .

أن يعتبر ويتعظ المكلف بالشرع من قدرة الله تعالى على أن في «تقليبه الليل والنهار لعبرة لمن اعتبر به، وعظةً لمن اتعظ به. ممن له فهم وعقل؛ لأن ذلك ينبئ ويدل على أنه له مدبرا ومصرفًا ومقلبا لا يشبهه شيء» 56.

فمن ذا الذي يستطيع أن يفهم هداية هذه الآية، ويقف على العبرة منها إلا إذا كان من ذوي العقول والفهم في الدين؟.

قال القرطبي: « {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: في الذي ذكرناه من تقلب الليل والنهار، وأحوال المطر والصيف والشتاء {لَعِبْرَةً} أي: اعتبارًا {لِأُولِي الْأَبْصَارِ} أي: لأهل البصائر من خلقي 57.

ويفهم من قول الله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] .

أن العبرة في نصرة الله لرسوله يوم بدر مع قلة أصحابه عبرة، كما يفهم أن فيما «أبصره المشركون من كثرة المسلمين مع قلتهم عبرة لذوي الأعين والبصائر» 58.

كما أن تقليل العدد لشد العزيمة فيه عبرة، وتكثير العدد للتهويل وإرجاف الأنفس فيه عبرة.

ولن يستطيع إنسان أن يقف على هذه العبرة إلا إذا كان ممن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكم الله وأفعاله، وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد» 59.

فكأن القرآن يقول: «فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحل الله بهؤلاء اليهود الذين قذف الله في قلوبهم الرعب، وهم في حصونهم من نقمته، واعلموا أن الله ولي من والاه، وناصر رسوله على كل من ناوأه، ومحل من نقمته به نظير الذي أحل ببني النضير. وإنما عنى بالأبصار في هذا الموضع أبصار القلوب، وذلك أن الاعتبار بها يكون دون الإبصار بالعيون 60.

ومن خلال ما سبق تبين أن أصحاب الأبصار هم المنتفعون دون غيرهم بالعبرة.

ثالثًا: أولو الألباب:

وأولو الألباب هم ذوو العقول السليمة الذي يعتبرون بعقولهم فيدرون ما فيه مصالح دينهم 61.

وأولو الألباب يجمعون بين صفة التذكر كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9] .

وصفة التأمل كما في قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] .

وصفة حسن الاتباع كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 18] .

ولهذه الصفات المجتمعة فيهم جعل الله الانتفاع بالعبرة الواقعة قي قصص الأنبياء منوطة بأولي الألباب.

قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111] .

وهذه القصص 62 عبرة لما «اشتمل عليه من الإخبارات المطابقة للواقع مع بعد المدة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الرسل الذين قص حديثهم، ومنهم يوسف وإخوته وأبوه مع كونه لم يطلع على أخبارهم ولا اتصل بأحبارهم» 63.

ونلحظ أن القرآن الكريم ربط العبرة بأولي الألباب دون غيرهم؛ لأنهم «هم الذين يعتبرون بعواقب الأمور التي تدل عليها أوائلها ومقدماتها، أما الأغرار الغافلون فلا يستعملون عقولهم في النظر والاستدلالات، ومن ثم لا يفيدهم النصح» 64.

فهو عبرة «لأهل العقول الخالصة من شوائب الكدر، يعبرون بها إلى ما يسعدهم، بعلم أن من قدر على ما قص من أمر يوسف عليه السلام وغيره قادر على أن يعز محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويعلي كلمته، وينصره على من عاداه كائنًا من كان كما فعل بيوسف وغيره - إلى غير مما ترشد إليه قصصهم من الحكم، وتعود إليه من نفائس العبر» 65.

كما نلحظ أن القرآن الكريم أشار إلى أن الذين يعتبرون بما أودع الله من أسراره العجيبة في بعض مخلوقاته من حيوانات وزروع ونباتات هم أصحاب العقول.

أشار إلى ذلك في قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 66، 67] .

ولما كان مفتتح الكلام: وإن لكم في الأنعام لعبرة، ناسب الختم بقوله: {يَعْقِلُونَ} ، لأنه لا يعتبر إلا ذوو العقول كما قال: إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب 66.

فأولوا الألباب هم أهل العبرة.

رابعًا: أهل الخشية:

قال الراغب: «الخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خص العلماء بها في قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] » 67.

فأهل الخشية هم الذين اتصفوا بالخوف من الله تعالى، لكنه خوفٌ نابعٌ عن علم وفهم وتدبر لما تؤول إليه عواقب الأمور، فهو خوف مع إجلال وهيبة من الله تعالى.

وهذا يفسر لماذا أهل الخشية هم أهل العبرة؛ لأن خوفهم نابع من تأملهم واعتبارهم بمآلات الأمور، وعواقبها.

وهذا ما أكده القرآن الكريم حينما عقب على قصة موسى عليه السلام بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات: 26] .

فإن في العقوبة التي عاقب الله بها فرعون في عاجل الدنيا، وفي أخذه إياه نكال الآخرة والأولى، عظة ومعتبرا لمن يخاف الله ويخشى عقابه 68.

فأهل الخشية جمعوا بين قلب يتأثر، وعقل يتدبر.

فقلوبهم من شأنها أن تخشى الله وتتقيه، وتخاف عقوبته، وتحاذر غضبه.

وعقولهم من شأنها أن تدبر في عواقب الأمور ومصايرها، فينظرون في حوادث الماضين، ويقيسون بها أحوال الحاضرين ليتعظ بها» 69.

فالذي «يعرف ربه ويخشاه هو الذي يدرك ما في حادث فرعون من العبرة لسواه، أما الذي لا يعرف قلبه التقوى فبينه وبين العبرة حاجز، وبينه وبين العظة حجاب؛ حتى يصطدم بالعاقبة اصطدامًا، وحتى يأخذه الله نكال الآخرة والأولى» 70.

ومن ثم «كان أهل الخشية هم أهل العبرة؛ لأن الذين يخشون الله هم أهل المعرفة الذين يفهمون دلالة الأشياء على لوازمها وخفاياها» 71.

استخدام أسلوب العبرة في الدعوة إلى الله تعالى يوصل إلى استشراف عواقب الأمور.

فأخذ العبرة يجعل الداعية، بل و المدعو يأخذان من الأمور الواقعة المحسوسة دليلًا على ما يمكن أن يأتي في المستقبل غير المحسوس، وهذا ما يشهد له التأمل والتدبر الذي هو جوهر الاعتبار، وأخذ العبرة، فالحق سبحانه وتعالى حينما قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] .

أي: «إن ذلك الذي رأوه وشاهدوه وهو أن الفئة القليلة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله، غلبت الفئة الكثيرة الكافرة التي تقاتل في سبيل الشيطان مع كثرتها وعدتها وأموالها فيه اعتبار بأن يجعلوا منه سبيلًا لإدراك المستقبل فكان على هؤلاء أن يعرفوا من هذه الواقعة التي انتصر فيها الإيمان مع قلة أهله على الكفر مع كثرته، أن القوة المادية ليست كل شيء» 72.

ويعلق سيد قطب على أخذ العبرة قائلًا: «إن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله، قائم في كل لحظة. ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة- ولو قل عددها- قائم كذلك في كل لحظة. وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ، وسنة ماضية لم تتوقف.

وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة وتثق في ذلك الوعد وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة وتصبر حتى يأذن الله ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله، المدبر بحكمته، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة» 73.

وأكد الشيخ القاسمي على هذه الفائدة عند تفسيره لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111] .

بقوله: «والعبرة: الحالة التي يتوصل بها الإنسان من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد. والمراد منه التأمل والتفكر. ووجه الاعتبار بهذه القصة أن الذي قدر على إخراج يوسف من الجب بعد إلقائه فيه، وإخراجه من السجن، وتمليكه مصر بعد العبودية، وجمع شمله بأبيه وإخوته بعد المدة الطويلة، واليأس من الاجتماع، قادر على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم وإعلاء كلمته، وإظهار دينه» 74.

والحق سبحانه وتعالى حينما قال: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44] .

فإن الفائدة الدعوية هنا أن تأخذ من الحاضر المشاهد دلالة على الغائب غير المشاهد، «فيأخذ المستبصر من رؤية تقلب الليل والنهار، وانتظامه بإحكام ودوامه دليلًا على أن إرادة حكيمة متصرفة تفعل ذلك بتدبير وإحكام» 75.

1.توسع مدارك الداعية وتجعله يسير على هدى وبصيرة في جميع أموره.

فالداعية حينما يقف مع العبرة من قصص الأنبياء مع أممهم، يلحظ إعراض أقوامهم عن دعوتهم، ويرى أن الإعراض عن قبول دعوة الأنبياء ليس ببدع من الأمم، بل سبق به أقوام كثيرون، وفى ذلك تسلية للدعاة، إلى ما فيه من التنبيه إلى أن الله لا يهمل أمر المبطلين، بل يمهلهم، وتكون العاقبة للمتقين، فيسير على هدى وبصيرة في جميع أموره.

إذا المرء كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرة 76.

وهذا ما يشهد له قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [يوسف: 111] .

2.تمنع الداعية من الاغترار بالقوة والاعتزاز بغير الله تعالى.

وهذه الفائدة حاضرة وبقوة في قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى? جَهَنَّمَ ? وَبِئْسَ الْمِهَادُ ?12?ںقَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ? فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى? كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ? وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ?13?) [آل عمران:12 - 13] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت