وبين سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن الذين جحدوا ما أنزل إليك من ربك استكبارًا وطغيانًا، لن يقع منهم الإيمان، سواء أخوفتهم وحذرتهم من عذاب الله، أم تركت ذلك؛ لإصرارهم على باطلهم، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: 6] .
وقال تعالى: (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [يس: 10] .
فالإنذار لا ينفع قلبًا غير مهيأ للإيمان، مشدود عنه، محال بينه وبينه بالسدود، فالإنذار لا يخلق القلوب، إنما يوقظ القلب الحي المستعد للتلقي.
أخبر سبحانه وتعالى أن الذين جحدوا أن الله هو الإله الحق معرضون عما أنذرهم به القرآن، لا يتعظون ولا يتفكرون، قال تعالى: {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} [الأحقاف: 3] .
2.الناس كافة:
أخبر سبحانه وتعالى أنه أنزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم بلاغًا وإعلامًا للناس؛ لنصحهم وتخويفهم، ولكي يوقنوا أن الله هو الإله الواحد، فيعبدوه وحده لا شريك له، وليتعظ به أصحاب العقول السليمة، قال تعالى: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [إبراهيم: 52] .
«إن الغاية الأساسية من ذلك البلاغ وهذا الإنذار هي أن يعلم الناس: {أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} فهذه هي قاعدة دين الله التي يقوم عليها منهجه في الحياة.
وليس المقصود بطبيعة الحال مجرد العلم، إنما المقصود هو إقامة حياتهم على قاعدة هذا العلم، المقصود هو الدينونة لله وحده، ما دام أنه لا إله غيره، فالإله هو الذي يستحق أن يكون ربًا -أي: حاكمًا وسيدًا ومتصرفًا ومشرعًا وموجهًا-، وقيام الحياة البشرية على هذه القاعدة يجعلها تختلف اختلافًا جوهريًا عن كل حياة تقوم على قاعدة ربوبية العباد للعباد -أي حاكمية العباد للعباد ودينونة العباد للعباد-، وهو اختلافٌ يتناول الاعتقاد والتصور، ويتناول الشعائر والمناسك، كما يتناول الأخلاق والسلوك، والقيم والموازين، وكما يتناول الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكل جانب من جوانب الحياة الفردية والجماعية على السواء.
إن الاعتقاد بالألوهية الواحدة قاعدة لمنهج حياة متكامل، وليس مجرد عقيدة مستكنة في الضمائر، وحدود العقيدة أبعد كثيرًا من مجرد الاعتقاد الساكن، إن حدود العقيدة تتسع وتترامى حتى تتناول كل جانب من جوانب الحياة، وقضية الحاكمية بكل فروعها في الإسلام هي قضية عقيدة، كما أن قضية الأخلاق بجملتها هي قضية عقيدة، فمن العقيدة ينبثق منهج الحياة الذي يشتمل الأخلاق والقيم، كما يشتمل الأوضاع والشرائع سواء بسواء» 56.
3.العالمون:
أخبر سبحانه وتعالى في القرآن أنه نزل القرآن الفارق بين الحق والباطل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكون رسولًا للإنس والجن، مخوفًا لهم من عذاب الله.
قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] .
فالمراد بـ (العالمين) هنا الإنس والجن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان رسولًا إليهما، ونذيرًا لهما 57.
4.الأقوام:
أخبر سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أرسله رحمة؛ لينذر قومًا لم يأتهم من قبله من نذير؛ لعلهم يتذكرون الخير الذي جاء به فيفعلوه، والشر الذي نهى عنه فيجتنبوه.
قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) } [القصص: 46] .
وقال سبحانه للرسول صلى الله عليه وسلم: واذكر -أيها الرسول- نبي الله هودًا -أخا عاد في النسب لا في الدين- حين أنذر قومه أن يحل بهم عقاب الله، وهم في منازلهم المعروفة بـ (الأحقاف) : وهي الرمال الكثيرة جنوب الجزيرة العربية، وقد مضت الرسل بإنذار قومها قبل هود وبعده، بأن لا تشركوا مع الله شيئًا في عبادتكم له، إني أخاف عليكم عذاب الله في يوم يعظم هوله، وهو يوم القيامة.
وقال سبحانه وتعالى على لسان نوح عليه السلام يا قومي إني نذير لكم بين الإنذار من عذاب الله إن عصيتموه.
قال تعالى: {قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [نوح: 2] .
وقال سبحانه وتعالى عن قوم فرعون: ولقد جاء أتباع فرعون وقومه إنذارنا بالعقوبة لهم على كفرهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ} [القمر: 41] .
قال الشنقيطي رحمه الله: «قوله: {جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ} قيل: هو جمع نذيرٍ، وهو الرسول، وقيل: هو مصدرٌ بمعنى الإنذار، فعلى أنه مصدرٌ فقد بينت الآيات القرآنية بكثرةٍ أن الذي جاءهم بذلك الإنذار هو موسى وهارون، وعلى أنه جمع نذيرٍ أي منذرٍ، فالمراد به موسى وهارون، وقد جاء في آياتٍ كثيرةٍ إرسال موسى وهارون لفرعون، كقوله تعالى في طه: {فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ} [طه: 47] .
ثم بين تعالى إنذارهما له في قوله: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [طه: 48] 58».
وهنا تساؤل: لماذا جمع النذر؟
قال الشنقيطي رحمه الله: «لأن من كذب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع المرسلين، ومن كذب نذيرًا واحدًا فقد كذب جميع النذر؛ لأن أصل دعوة جميع الرسل واحدةٌ، وهي مضمون لا إله إلا الله، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] » 59.
5.العشيرة الأقربون:
أمر الله رسوله أن يحذر من عذابه الأقرب فالأقرب من قومه، قال تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] .
عن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال: لما أنزل الله عز وجل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، فصعد عليه ثم نادى: (يا صباحاه) فاجتمع الناس إليه بين رجلٍ يجيء إليه وبين رجلٍ يبعث رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا بني عبد المطلب، يا بني فهرٍ، يا بني لؤيٍ، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟) قالوا: نعم، قال: «فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهبٍ: تبًا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] 60.
فلما أمر رسول الله بإنذار عشيرته امتثل هذا الأمر الإلهي، فدعا سائر بطون قريش، فعمم وخصص، وذكرهم ووعظهم، ولم يبق صلى الله عليه وسلم من مقدوره شيئًا، من نصحهم، وهدايتهم، إلا فعله، فاهتدى من اهتدى، وأعرض من أعرض 61.
6.أم القرى وما حولها:
أخبر سبحانه وتعالى أنه أنزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ليخوف به من عذاب الله وبأسه أهل (مكة) ومن حولها من أهل أقطار الأرض كلها، قال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: 92] .
كما أخبر سبحانه وتعالى أنه كما أوحى إلى الأنبياء قبل الرسول الكريم أوحى إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قرآنًا عربيًا؛ لينذر أهل (مكة) ومن حولها من سائر الناس، وينذر عذاب يوم القيامة.
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7] .
وأم القرى: هي مكة ومن حولها من سائر البلاد شرقًا وغربًا، وسميت مكة أم القرى؛ لأنها أشرف من سائر البلاد.
روى الترمذي بسنده عن عبد الله ابن عدي بن حمراء قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفًا على الحزورة، فقال: (والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) 62.
7.الظالمون:
أخبر سبحانه وتعالى أنه أنزل كتابه بلسان عربي؛ لينذر الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وبشرى للذين أطاعوا الله، فأحسنوا في إيمانهم وطاعتهم في الدنيا، قال تعالى: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} [الأحقاف: 12] .
والذين ظلموا هم المشركون، كما قال الله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .
ويلحق بهم الذين ظلموا أنفسهم من المؤمنين؛ ولذلك قوبل بالمحسنين وهم المؤمنون الأتقياء؛ لأن المراد: ظلم النفس، ويقابله الإحسان، والنذارة مراتب، والبشارة مثلها 63.
8.المؤمنون:
لقن الله سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ما هو إلا رسول الله أرسله؛ ليخوف من عقابه، ويبشر بثوابه قومًا يصدقونه، ويعملون بشرعه، فقال: {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] .
والرسول صلى الله عليه وسلم نذير وبشير للناس أجمعين، ولكن الذين (يؤمنون) هم الذين ينتفعون بما معه من النذارة والبشارة، فهم الذين يفقهون حقيقة ما معه، وهم الذين يدركون ما وراء هذا الذي جاء به.
ثم هم بعد ذلك خلاصة البشرية كلها، كما أنهم هم الذين يخلص بهم الرسول من الناس أجمعين.
إن الكلمة لا تعطي مدلولها الحقيقي إلا للقلب المفتوح لها، والعقل الذي يستشرفها ويتقبلها، وإن هذا القرآن لا يفتح كنوزه، ولا يكشف أسراره، ولا يعطي ثماره إلا لقوم يؤمنون 64.
كما أخبر سبحانه وتعالى أن المؤمنين ينذر بعضهم بعضًا.
قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] .
من صفات المؤمنين المنتفعين بالإنذار:
أخبر سبحانه وتعالى أن الإنذار يؤثر في صاحب القلب الحي المستنير البصيرة، قال تعالى: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) [يس: 70] .
عن قتادة رحمه الله: «حي القلب، حي البصر» 65.
فأخبر سبحانه وتعالى أن الانتفاع بالقرآن والإنذار به إنما يحصل لمن هو حي القلب، كما قال في موضع آخر: (إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَذِكْرَى? لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) [ق: 37] .
فأخبر سبحانه أن الناس قسمان: حيٌ قابلٌ للانتفاع، يقبل الإنذار وينتفع به، وميتٌ لا يقبل الإنذار، ولا ينتفع به؛ لأن أرضه غير زاكيةٍ، ولا قابلةٍ لخيرٍ ألبتة 66.
قال تعالى: (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ? وَمَنْ تَزَكَّى? فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى? لِنَفْسِهِ ? وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) [فاطر: 18] .
أي: هؤلاء الذين يقبلون النذارة، وينتفعون بها، أهل الخشية لله بالغيب، الذين يخشونه في حال السر والعلانية، والمشهد والمغيب، وأهل إقامة الصلاة، بحدودها وشروطها وأركانها وواجباتها وخشوعها؛ لأن الخشية لله تستدعي من العبد العمل بما يخشى من تضييعه العقاب، والهرب مما يخشى من ارتكابه العذاب، والصلاة تدعو إلى الخير، وتنهى عن الفحشاء والمنكر 67.
أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخوف بالقرآن الذين يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم، قال تعالى: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى? رَبِّهِمْ ? لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأنعام: 51] .
وخص الذين يخافون أن يحشروا؛ لأن الإنذار يؤثر فيهم لما حل بهم من الخوف، بخلاف من لا يخاف الحشر من طوائف الكفر؛ لجحوده به وإنكاره فإنه لا يؤثر فيه ذلك 68.
وعرفوا بالموصول؛ لما تدل عليه الصلة من المدح، ومن التعليل بتوجيه إنذاره إليهم دون غيرهم؛ لأن الإنذار للذين يخافون أن يحشروا إنذارٌ نافعٌ، خلافًا لحال الذين ينكرون الحشر، فلا يخافونه فضلًا عن الاحتياج إلى شفعاء.
و (أَن يُحْشَرُوا) : مفعول (يَخَافُونَ) ، أي: يخافون الحشر إلى ربهم فهم يقدمون الأعمال الصالحة وينتهون عما نهاهم خيفة أن يلقوا الله وهو غير راضٍ عنهم، وخوف الحشر يقتضي الإيمان بوقوعه 69.
بين الله سبحانه وتعالى للرسول صلى الله عليه وسلم من ينتفعون بالإنذار، فقال: إنما ينفع تحذيرك من آمن بالقرآن، واتبع ما فيه من أحكام الله، وخاف الرحمن، حيث لا يراه أحد إلا الله، قال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس: 11] .
واتباع الذكر: هو العمل بما في كتاب الله تعالى، والاقتداء به 70.
والذي اتبع القرآن، وخشي الرحمن دون أن يراه هو الذي ينتفع بالإنذار، فكأنه هو وحده الذي وجه إليه الإنذار. وكأنما الرسول صلى الله عليه وسلم قد خصه به، وإن كان قد عمم، إلا أن أولئك حيل بينهم وبين تلقيه، فانحصر في من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب.
وهذا يستحق التبشير بعد انتفاعه بالإنذار: {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} المغفرة عما يقع فيه من الخطايا غير مصر، والأجر الكريم على خشية الرحمن بالغيب، واتباعه لما أنزل الرحمن من الذكر، وهما متلازمان في القلب، فما تحل خشية الله في قلب إلا ويتبعها العمل بما أنزل، والاستقامة على النهج الذي أراد 71.
1.هذا الموضع يتحدث عن المنذر منه أو المحذر منه فيما يأتي:
أولًا: عقوبات دنيوية:
1.طمس الأعين:
أخبر سبحانه عن لوط عليه السلام فقال: ولقد خوف لوط قومه بأس الله وعذابه، فلم يسمعوا له، بل شكوا في ذلك، وكذبوه، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ} [القمر: 36 - 38] .
قال ابن زيدٍ رحمه الله: «هؤلاء قوم لوطٍ حين راودوه عن ضيفه، طمس الله أعينهم، فكان ينهاهم عن عملهم الخبيث الذي كانوا يعملون، فقالوا: إنا لا نترك عملنا، فإياك أن تنزل أحدًا أو تضيفه، أو تدعه ينزل عليك، فإنا لا نتركه ولا نترك عملنا، قال: فلما جاءه المرسلون خرجت امرأته الشقية من الشق، فأتتهم فدعتهم، وقالت لهم: تعالوا فإنه قد جاء قومٌ لم أر قط أحسن وجوهًا منهم، ولا أحسن ثيابًا، ولا أطيب أرواحًا منهم، قال: فجاءوه يهرعون إليه، فقال: إن هؤلاء ضيفي، فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي، قالوا: أولم ننهك عن العالمين؟ أليس قد تقدمنا إليك وأعذرنا فيما بيننا بينك؟ قال: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، فقال له جبريل عليه السلام: ما يهولك من هؤلاء؟ قال: أما ترى ما يريدون؟ فقال: إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك، لتصنعن هذا الأمر سرًا، وليكونن فيه بلاءٌ؛ قال: فنشر جبريل عليه السلام جناحًا من أجنحته، فاختلس به أبصارهم، فطمس أعينهم، فجعلوا يجول بعضهم في بعضٍ» 72.
2.الصاعقة:
قال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] .
الصاعقة: نارٌ تخرج مع البرق تحرق ما تصيبه، وتطلق على الحادثة المبيرة السريعة الإهلاك 73.
3.المطر المدمر:
قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} [الشعراء: 173] .
قال ابن عطية رحمه الله: « (المطر) الذي مطر عليهم هي حجارة السجيل، أهلكت جميعهم، وهذه الآية أصل لمن جعل من الفقهاء الرجم في اللوطية» 74. وسمي ما أصابهم من الحجارة مطرًا؛ لأنه نزل عليهم من الجو، وقيل: هو من مقذوفات براكين في بلادهم أثارتها زلازل الخسف، فهو تشبيهٌ بليغٌ 75.
4.العذاب الشديد:
قال تعالى: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ} [الصافات (177) ] .
أي: فإذا نزل العذاب بمحلتهم فبئس ذلك اليوم يومهم بإهلاكهم ودمارهم، وقال السدي رحمه الله: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} يعني: بدارهم، {فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ} أي: فبئس ما يصبحون، أي: بئس الصباح صباحهم 76.
وفي هذا المعنى روى البخاري بسنده عن أنسٍ رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى خيبر ليلًا، وكان إذا أتى قومًا بليلٍ لم يغر بهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمدٌ والله، محمدٌ والخميس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ {فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ} ) 77.
وذكر الصباح؛ لأنه من علائق الهيئة المشبه بها، فإن شأن الغارة أن تكون في الصباح؛ ولذلك كان نذير المجيء بغارة عدوٍ ينادي: يا صباحاه! نداء ندبةٍ وتفجعٍ، واعلم أن في اختيار هذا التمثيل البديع معنًى بديعًا من الإيماء إلى أن العذاب الذي وعدوه هو ما أصابهم يوم بدرٍ من قتلٍ وأسرٍ على طريقة التورية 78.
5.الصيحة:
أخبر سبحانه وتعالى عن تكذيب ثمود بالآيات التي أنذروا بها، ومصيرهم بعد التكذيب، فقال تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} [القمر: 23 - 31] .
والصيحة: الصاعقة، وهي المعبر عنها بالطاغية في سورة الحاقة، وفي سورة الأعراف بالرجفة، وهي صاعقةٌ عظيمةٌ خارقةٌ للعادة أهلكتهم؛ ولذلك وصفت بـ (واحدةً) ؛ للدلالة على أنها خارقةٌ للعادة؛ إذ أتت على قبيلةٍ كاملةٍ وهم أصحاب الحجر 79 «فبادوا عن آخرهم لم تبق منهم باقيةٌ، وخمدوا وهمدوا كما يهمد وييبس الزرع والنبات» 80.
ثانيًا: عقوبات أخروية:
أولًا: أهوال القيامة:
1.يوم الجمع:
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7] .
أي: تخوفهم إياه؛ لما فيه من عذاب من كفر، وسمي يوم الجمع؛ لاجتماع أهل الأرض فيه بأهل السماء، أو لاجتماع بني آدم للعرض 81.
وقال الرازي رحمه الله: وفي تسميته بيوم الجمع وجوهٌ:
الأول: أن الخلائق يجمعون فيه، قال تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ} [التغابن: 9] .
فيجتمع فيه أهل السموات مع أهل الأرض.
الثاني: أنه يجمع بين الأرواح والأجساد.
الثالث: يجمع بين كل عاملٍ وعمله.
الرابع: يجمع بين الظالم والمظلوم 82.
والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرةٌ، كقوله سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الواقعة: 49 - 50] .
وقوله سبحانه وتعالى: {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ} [المرسلات: 38] .
وقوله سبحانه وتعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [النساء: 87] .
وقوله سبحانه وتعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن: 9] .