وقد وصف المفسرون عذاب يوم الظلة بأوصاف مختلفة، فيقول ابن عجيبة: «وذلك بأن سلّط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردًا ونسيمًا، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا جميعًا، وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة، وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا.
وقوله: {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة» 75.
وقال السعدي: «أظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها مستلذين؛ لظلها غير الظليل، فأحرقتهم بالعذاب، فظلوا تحتها خامدين، ولديارهم مفارقين، ولدار الشقاء والعذاب نازلين.
{إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} لا كرّة لهم إلى الدنيا، فيستأنفوا العمل، ولا يفتر عنهم العذاب ساعة، ولا هم ينظرون» 76.
إلا أننا نجد أن الله تعالى لم يذكر كيفية عذاب يوم الظلة، حتى إن ابن عباس قال: من حدّثك ما عذاب يوم الظلة فقد كذب، وذكر في حديثها تطويلات 77.
وفي إضافة العذاب إلى يوم الظلة دون نفسها إيذان بأن لهم يومئذٍ عذابًا آخر غير عذاب الظلة 78.
سابعًا: تشبيه موج البحر بالظلل:
شبّه الله تعالى موج البحر الذي يغشي المشركين بـ (الظلل) ، فأخبر تعالى من حال المشركين أنهم إذا ركبوا السفن وعلتهم الأمواج من حولهم كالسحب والجبال، أصابهم الخوف والذعر من الغرق، ففزعوا إلى الله، وأخلصوا دعاءهم له، فلما نجاهم إلى البر فمنهم متوسط، لم يقم بشكر الله على وجه الكمال، ومنهم كافر بنعمة الله جاحد لها، فقال تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [لقمان: 32] .
ومعنى قوله: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ} أي: إذا غشي المشركين موج، وهم على ظهر السفينة، فخافوا {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أي: دعوا الله وحده، ولم يذكروا آلهتهم.
والغشي والغشيان: الإحاطة من كل جانب، مأخوذ من الغشاء، بمعنى: الغطاء، فيقال: غشا الظلام المكان، إذا حل به 79. وأصل الموج: الحركة والازدحام، ومنه قولهم: ماج البحر: إذا اضطرب وارتفع ماؤه 80.
وشبّه الموج وهو واحد بالظلل وهي جمع؛ لأن الموج يأتي شيء منه بعد شيء، ويركب بعضه بعضًا كهيئة الظلل 81.
قال الشوكاني: «شبّه الموج لكبره بما يظل الإنسان من جبل أو سحاب أو غيرهما، وإنما شبّه الموج وهو واحد بالظلل وهي جمع؛ لأن الموت يأتي شيئًا بعد شيء، ويركب بعضه بعضًا، وقيل: إن الموج في معنى الجمع؛ لأنه مصدر، وأصل الموج الحركة والازدحام، ومنه يقال: ماج البحر، وماج الناس» 82.
وقوله: {كَالظُّلَلِ} أي: كالجبال، وقيل: كالسحاب، والظّلل: جمع ظلة، كغرفة وغرف، وهي ما أظل غيره من سحاب أو جبل أو غيرهما، وشبّه الموج بها في كثرتها وارتفاعها، كقول النابغة في صفة بحر 83:
يماشيهن أخضر ذو ظلال
على حافاته فلق الدنان
وفي تشبيه الموج بالظل وجهان:
أحدهما: لسواده.
الثاني: لعظمه 84.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «يخبر تعالى أنه هو الذي سخّر البحر لتجري فيه الفلك بأمره، أي: بلطفه وتسخيره، فإنه لولا ما جعل في الماء من قوة يحمل بها السفن لما جرت؛ ولهذا قال: {لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ} أي: من قدرته، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي: صبار في الضراء، شكور في الرخاء.
ثم قال: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ} أي: كالجبال والغمام، {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 67] .
وقال: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [العنكبوت: 65] » 85.
ثامنًا: الظل الظليل في الجنة:
وصف الله تعالى ظل الجنة بأنه ظليل، فقال تعالى: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء: 57] .
ووصفه في آية أخرى بأنه دائم، فقال: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35] .
ووصفه في آية أخرى بأنه ممدود، فقال: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة: 30] .
وبيّن في موضع آخر أنها ظلال متعددة، فقال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} [المرسلات: 41] .
وذكر في موضع أنهم في تلك الظلال متكئون مع أزواجهم على الأرائك، فقال: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} [يس: 56] .
فإن قلت: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرها، فما فائدة وصفها بالظل الظليل؟ وأيضًا يرى في الدنيا أن المواضع التي يدوم الظل فيها، ولا يصل نور الشمس إليها يكون هواؤها عفنًا فاسدًا، فما معنى وصف هواء الجنة بذلك؟
والجواب نقول: إن الواجب على المؤمن التصديق بوجود ظل في الجنة -كما أثبتت الآيات السابقة-، ولو لم يكن ثمة شمس ولا حر؛ لأن عالم الآخرة -ومنه الجنة- عالم غيبي، لا يعرف حقيقة ما فيه، ولا يتشابه مع ما في الدنيا إلا بالأسماء فقط، وقد ورد أن: (في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها، واقرءوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة: 30] ) 86. في هذا الحديث رد على من يقول: إن الأشجار في الجنة لا ظل لها.
وقد سئل السبكي عن الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا إذا تراءت له شجرة يقول: (يا رب أدنني من هذه لأستظل في ظلها ... ) الحديث 87، فمن أي شيء يستظل والشمس قد كوّرت؟
فأجاب بقوله تعالى: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة: 30] .
وبقوله تعالى: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} [يس: 56] ؛ إذ لا يلزم من تكوير الشمس عدم الظل؛ لأنه مخلوق لله تعالى، وليس بعدم، بل أمر وجودي له نفع بإذن الله تعالى في الأبدان وغيرها، فليس الظل عدم الشمس كما قد يتوهم 88.
أخبر الله عن ظل الجنة بأنه ظليل، فقال تعالى: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء: 57] .
أي: وندخلهم ظلًا كثيفًا ممتدًا في الجنة، فوصف في هذه الآية الكريمة ظل الجنة بأنه ظليل، والظليل صفة مشتقة من لفظ الظل؛ للتأكيد 89.
دوام ظل الجنة:
قال تعالى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35] أي: ما يؤكل فيها دائم لا يفنى، وظلها دائم لا ينسخ، و {وَظِلُّهَا} مبتدأ محذوف الخبر، وحذف منه الخبر بدليل الخبر السابق {أُكُلُهَا دَائِمٌ} ، وفيه من البلاغة الإيجاز بالحذف.
يقول الطبري: «يعني: ما يؤكل فيها، يقول: هو دائم لأهلها، لا ينقطع عنهم، ولا يزول ولا يبيد، ولكنه ثابتٌ إلى غير نهاية، وظلها أيضًا دائم؛ لأنه لا شمس فيها» 90. ومشهد الظل الدائم، والثمر الدائم، مشهد تطمئن له النفس وتستريح.
الظل الممدود في الجنة:
قال تعالى: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة: 30] .
أي: لا نهاية له؛ لأن الجنة ليس فيها شمس، بل هي ظل، وصفها بعض السلف بأنها كالنور الذي يكون قرب طلوع الشمس، تجد الأرض مملوءة نورًا، ولكن لا تشاهد شمسًا، فهو ظل ممدود في المساحة والزمن.
قال الطبري: «وهم في ظل دائم لا تنسخه الشمس فتذهبه ... ، وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار، وقال به أهل العلم» 91.
فيكون معنى: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} أي: لا نهاية له؛ لأن الجنة ليس فيها شمس، بل هي ظل، وكل ما لا انقطاع له فإنه ممدود، فالعرب تقول للدهر الطويل والعمر الطويل، وللشيء الذي لا ينقطع: ممدود 92، كما قال لبيد 93:
غلب البقاء وكنت غير مغلّب
دهرٌ طويلٌ دائم ممدود
وقيل الظل الممدود: المستوعب للزمان والمكان، فهو دائم الاستمداد، كما بين الإسفار وطلوع الشمس، لا فناء له، ولا نهاية 94.
وظاهر الآثار يقتضي أنه ظل الأشجار؛ فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة: 30] ) 9596.
ظلال المتقين في الجنة:
أخبر سبحانه أن المتقين في الجنة في ظلال، فقال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} [المرسلات: 41] .
والمراد بالظلال: ظلال الأشجار، وظلال القصور 97.
قال السعدي: « {فِي ظِلَالٍ} من كثرة الأشجار المتنوعة، الزاهية البهية» 98.
وفي قوله: {فِي ظِلَالٍ} هذه قراءة العامة، وقرأ الأعمش والزهري وطلحة والأعرج: {ظُلَلٍ} جمع ظلّة، يعني في الجنة 99.
الظلل التي تظل المؤمنين وأزواجهم في الجنة:
أخبر سبحانه أن المؤمنين وأزواجهم متنعمون بالجلوس على الأسرّة المزيّنة، تحت الظلال الوارفة، فقال تعالى: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} [يس: 56] .
قال الطبري: «واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: {فِي ظُلَلٍ} بمعنى: جمع ظلّة، كما تجمع الحلة حللًا، وقرأه آخرون: {فِي ظِلَالٍ} ، وإذا قريء ذلك كذلك كان له وجهان:
أحدهما: أن يكون مرادًا به: جمع الظّلل الذي هو بمعنى الكنّ، فيكون معنى الكلمة حينئذٍ: هم وأزواجهم في كنّ لا يضحون لشمس كما يضحى لها أهل الدنيا؛ لأنه لا شمس فيها.
والآخر: أن يكون مرادًا به جمع ظلّة، فيكون وجه جمعها كذلك نظير جمعهم الخلة في الكثرة: الخلال، والقلّة: قلال» 100.
وعلى القراءتين فالمراد: الفرش والستور التي تظللهم كالخيام والحجال 101.
وفي قوله: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ} وجهان:
أحدهما: وأزواجهم في الدنيا من وافقهم على إيمانهم.
الثاني: أزواجهم اللاتي زوّجهم الله تعالى بهن في الجنة من الحور العين.
والمراد: أزواجهم المؤمنات، فأطلق حملًا على المقيد، في قوله: {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ} [الرعد: 23] .
وذكر الأزواج إبلاغ في الوعيد والإنذار؛ لئلا يحسبوا أن النساء المشركات لا تبعة عليهن 102.
وقوله: {فِي ظِلَالٍ} يحتمل وجهين:
أحدهما: في ظلال النعيم.
الثاني: في ظلال تسترهم من نظر العيون إليهم 103.
وفسّر الظلال -جمع ظلة- بالملابس ونحوها من الأشياء التي تظل كالستور 104.
دنو الظلال في الجنة:
قال تعالى: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا} [الإنسان: 14] .
والضمير في {ظِلَالُهَا} عائد إلى {جَنَّةً} 105 أي: قريبة إليهم أغصانها 106، وقربت منهم ظلال أشجارها 107.
وإذا دنت الظلال، ودنت القطوف، فهي الراحة والاسترواح على أمتع ما يمتد إليه الخيال 108.
فدنو الظلال: قربها منه، وإذ لم يعهد وصف الظل بالقرب يظهر أن دنو الظلال كناية عن تدلي الأدواح التي من شأنها أن تظلل الجنات في معتاد الدنيا، ولكن الجنة لا شمس فيها فيستظل من حرها، فتعين أن تركيب: (دانية عليهم ظلالها) مثل يطلق على تدلي أفنان الجنة؛ لأن الظل المظلل للشخص لا يتفاوت بدنو ولا بعد، وقد يكون (ظلالها) مجازًا مرسلًا عن الأفنان بعلاقة اللزوم، والمعنى: أن أدواح الجنة قريبة من مجالسهم، وذلك مما يزيدها بهجة وحسنًا 109.
قال صاحب روح البيان: «فتكون (دانية) من الدنو بمعنى القرب، إما بحسب الجانب، أو بحسب السمك، والضمير إلى الجنة، أو أشجارها، ومعناه: إن ظلال الأشجار في الجنة قربت من الأبرار من جوانبهم، حتى صارت الأشجار بمنزلة المظلة عليهم، وإن كان لا شمس فيها مؤذية لتظلهم منها، ففيه بيان لزيادة نعيمهم، وكمال راحتهم، فإن الظل في الدنيا للراحة» 110.
تاسعًا: الظل من يحموم، والظل الذي لا يغني من اللهب:
وصف الله تعالى ظل أهل النار بقوله: {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} [الواقعة: 43] .
وهو دخان جهنم الأسود، الذي لا يقي حرًا، ولا يدفع عطشًا، ولا يجد المستظل به مما يشتهيه لراحته سوى شرر النار الهائل.
وتنوعت عبارات المفسرين في هذا الظل الذي هو من يحموم، فقال ابن كثير: « {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} قال ابن عباس: ظل الدخان، وكذا قال مجاهد وعكرمة وأبو صالح وقتادة والسدي وغيرهم» 111.
وقال السعدي: « {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} أي: لهب نار، يختلط بدخان» 112.
قال في روح البيان: «ووصف اليحموم بأنه: دخان أسود بهيم، فإن اليحموم الدخان والأسود من كل شيء، كما في القاموس، تقول العرب: أسود يحموم، إذا كان شديد السود، قال الضحاك: النار سوداء، وأهلها سود، وكل شيء فيها أسود؛ ولذا لا يكون في الجنة الأسود إلا الخال، وأشفار العين، والحاجب» 113.
وقد وصفه الله بأنه: {لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} يعني: ليس باردًا يقيهم الحر، ولا كريم حسن المنظر يتنعمون به ويستريحون فيه، فهو لا بارد كما هو الشأن في الظل، ولا كريم، أي: حسن المظهر؛ لأنه دخان كريه منظره، حار مخبره، نسأل الله العافية.
«وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائمًا؛ لأنهم إن تعرّضوا لمهب الهواء أصابهم السّموم، وإن استكنّوا كما يفعله الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان في الكنّ يكون في ظل من يحموم، وإن أراد التبرّد بالماء من حرّ السموم يكون الماء من حميم، فلا انفكاك له من العذاب» .
أو يقال: إن السموم يعذّبه فيعطش، وتلتهب نار السموم في أحشائه، فيشرب الماء، فيقطع أمعاءه، فيريد الاستظلال بظل، فيكون ذلك الظل ظل اليحموم، وذكر السموم دون الحميم ودون النار تنبيهًا بالأدنى على الأعلى، كأنه قيل: أبرد الأشياء في الدنيا حار عندهم، فكيف أحرها؟! 114.
وكذا قال ابن كثير في قوله: « {لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} : أي: ليس طيب الهبوب، ولا حسن المنظر، كما قال الحسن وقتادة: {وَلَا كَرِيمٍ} أي: ولا كريم المنظر، وقال الضحاك: كل شراب ليس بعذب فليس بكريم» 115.
وقال السعدي: « {لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} أي: لا برد فيه ولا كرم، والمقصود: أن هناك الهم والغم، والحزن والشر، الذي لا خير فيه؛ لأن نفي الضد إثبات لضده» 116.
وتأمل كيف سماه ظِلًّا ثم نفى عنه وصفة البرد والكرم! يعني: لا بارد المنزل، ولا كريم المنظر؛ وذلك لأن فائدة الظل ترجع إلى أمرين:
أحدهما: دفع الحر.
والثاني: حسن المنظر، وكون الإنسان فيه مكرمًا.
وظل أهل النار بخلاف هذا؛ لأنهم في ظل من دخان أسود حار 117، فتسميته ظلًا هنا على التشبيه التهكمي.
قال ابن عاشور: «ولتحقيق معنى التهكم وصف هذا الظل بما يفيد نفي البرد عنه، ونفي الكرم فبرد الظل ما يحصل في مكانه من دفع حرارة الشمس، وكرم الظل ما فيه من الصفات الحسنة في الظلال، مثل سلامته من هبوب السموم عليه، وسلامة الموضع الذي يظله من الحشرات والأوساخ، وسلامة أرضه من الحجارة ونحو ذلك؛ إذ الكريم من كل نوع هو الجامع لأكثر محاسن نوعه ... ، فوصف ظل اليحموم بوصف خاص، وهو انتفاء البرودة عنه، وأُتْبِعَ بوصف عام وهو انتفاء كرامة الظلال عنه، ففي الصفة بنفي محاسن الظلال تذكير للسامعين بما حرم منه أصحاب الشمال، عسى أن يحذروا أسباب الوقوع في الحرمان، ولإفادة هذا التذكير عدل عن وصف الظل بالحرارة والمضرة إلى وصفه بنفي البرد، ونفي الكرم» 118.
وهذا الظل ناتج من دخان جهنم، يعذّبون به؛ لأنه وصف الظل بأنه {مِنْ يَحْمُومٍ} ؛ للإشعار بأنه ظل دخان لهب جهنم، والدخان الكثيف له ظل؛ لأنه بكثافته يحجب ضوء الشمس، وإنما ذكر من الدخان ظله لمقابلته بالظل الممدود المعد لأصحاب اليمين، في قوله: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} أي: لا ظل لأصحاب الشمال سوى ظل اليحموم، وهذا من قبيل التهكم 119.
ورد ذكر الظل والظلال في العديد من الآيات القرآنية على أنه نعمة على قوم، ونقمة على آخرين، ولعل في التدبر في ظاهرة الظل والظلال -كإحدى الظواهر اليومية التي يراها الإنسان في كل بقعة من بقاع الأرض- إدراكٌ لبعض جوانب قدرة الله وعظمته سبحانه وتعالى وإليك بيان ذلك.
أولًا: سجود الظلال بالغدو والآصال:
بيّن سبحانه وتعالى أن هذا الكون كله خاضع له، وأنه يسجد له أهل السموات والأرض طوعًا وكرهًا، وتسجد له ظلالهم بالغدو والآصال.
فقال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] .
قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: «يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء؛ ولهذا يسجد له كل شيء طوعًا من المؤمنين، وكرهًا من المشركين، {وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ} أي: البكر، {وَالْآصَالِ} وهو جمع أصيل، وهو آخر النهار» 120.
وقال السعدي: « {وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} أي: ويسجد له ظلال المخلوقات أول النهار وآخره، وسجود كل شيء بحسب حاله، كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] » 121.
وقال ابن الأنباري: «لا يبعد أن يخلق تعالى للظلال عقولًا وأفهامًا تسجد بها، وتخشع كما جعل للجبال أفهامًا حتى اشتغلت بتسبيح الله، وظهر اسم التجلي فيها، كما قال تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} [الأعراف: 143] » 122.
وقيل: سجودها ميلها بقدرة الله أول النهار إلى جهة المغرب، وآخره إلى جهة المشرق، وادعى من قال هذا أن الظل لا حقيقة له؛ لأنه خيال، فلا يمكن منه الإدراك.
قال في اللباب: «وقيل: المراد من سجود الظلال ميلانها من جانب إلى جانب، وطولها بسبب انحطاط الشمس، وقصرها بسبب ارتفاع الشمس، وهي منقادة مستسلمة في طولها، وقصرها وميلها من جانب إلى جانب، وإنما خص الغدو والآصال بالذكر؛ لأن الظلال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين» 123.
وذكر الرازي القولين، ثم قال: «وإنما خصص الغدو والآصال بالذكر؛ لأن الظلال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين» 124.
والصواب القول: إن الله جل وعلا قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يخلق للظل إدراكًا يسجد به لله تعالى سجودًا حقيقيًّا، والقاعدة المقررة عند علماء الأصول: هي حمل نصوص الوحي على ظواهرها، إلا بدليل من كتاب أو سنة.
وحاصل القولين السابقين أمران:
أحدهما: أن السجود شرعي، وعليه فهو في أهل السموات والأرض من العام المخصوص.
والثاني: أن السجود لغوي بمعنى الانقياد والذل والخضوع، وعليه فهو باقٍ على عمومه.
والمقرر في الأصول: أن النص إن دار بين الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية حمل على الشرعية، وهو التحقيق، خلافًا لمن قال بتقديم اللغوية، ولمن قال: يصير اللفظ مجملًا لاحتمال هذا وذاك، وعقد هذه المسألة صاحب (مراقي السعود) بقوله:
واللفظ محمول على الشرعي، إن لم يكن فمطلق العرفي 125.
وإليك بعض عبارات المفسرين في سجود الظل:
قال الطبري: «وهذا كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} [النحل: 48] .
قال: وذلك هو فيئه بالعشي ... ، وقال ابن عباس: يسجد ظل الكافر حين يفيء عن يمينه وشماله» 126. وعن مجاهد: « {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] .
قال: ظل المؤمن يسجد طوعًا، وهو طائع لله، وظل الكافر يسجد كرهًا، وهو كاره» 127.