والحاكم العادل وعده النبي صلى الله عليه وسلم أنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله 104.
والناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده ليعجب أشد العجب من تعاملهم مع تحمل المسئوليات، وكيف كانوا يعتبرونها حملًا ثقيلًا، وعبئًا يودون أن يرفع عنهم بأسرع وقت، وكيف كانوا يخافون من هذا الأمر أشد الخوف، ويزداد العجب عندما نسمع لواحد من هؤلاء الأفذاذ وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرفض أن يستخلف ابنه من بعده، ويقول قولته المأثورة: «حسب آل الخطاب ما تحملوا منها! إن عبد الله لم يحسن يطلق امرأته» 105.
ومن الأمانة في الحكم إقامته على الشريف والوضيع والضعيف، ولا يحل تعطيله لا بشفاعة ولا بهدية ولا بغيرهما، ولا تحل الشفاعة فيه، ومن عطله لذلك وهو قادر على إقامته فهو عاصٍ لله، وممن اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا.
والأولى للقاضي والحاكم ألا يقبل الهدايا التي قد تؤثر على حكمه، هكذا كان السلف رحمهم الله، فهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لما رد الهدية، قيل له: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية، فقال عمر: «كانت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية، ولنا رشوة» 106؛ لأن المسلمين كانوا يتقربون بهذه الهدية للنبي صلى الله عليه وسلم لنبوته؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم معصوم مما يخاف من الهدية على غيره، ويقاس على الهدية كل منفعة يقدمها إليه أهل البلد الذي يقضي فيه.
وليس من الأمانة أن يؤثر القاضي والحاكم الأغرار الضعفاء والخائنين على الأقوياء الأمناء، فالحاكم يجب أن يتصف بصفتين، أن يكون قويًا حازمًا، وأن يكون أمينًا؛ إذ إن صفتي القوة والأمانة من المؤهلات الضرورية لمن يلي أمر الناس.
فهذا زياد ابن أبيه كان إذا ولى رجلًا قال له: «خذ عهدك، وسر إلى عملك، واعلم أنك مصروفٌ رأس سنتك، وأنك تصير إلى أربع خلال، فاختر لنفسك: إنا إن وجدناك أمينًا ضعيفًا استبدلنا بك؛ لضعفك، وسلمتك من معرتنا أمانتك، وإن وجدناك خائنًا قويًا استهنا بقوتك، وأحسنا على خيانتك أدبك، فأوجعنا ظهرك، وأثقلنا غرمك، وإن جمعت علينا الجرمين جمعنا عليك المضرتين، وإن وجدناك أمينًا قويًا زدناك في عملك، ورفعنا لك ذكرك، وكثرنا مالك، وأوطأنا عقبك» 107.
فتولي الولايات العامة تكليف كبير، ومسئولية عظمى؛ لما يترتب عليها من عظم التبعة، ودقة المسئولية، فالمناصب العامة في الإسلام ليست وجاهة، ولا بابًا لكسب الأموال والثراء، وإنما هي أمانة ومسئولية هدفها خدمة الدين، وإعلاء الشريعة، وتحقيق مصالح المسلمين.
ومن مجالات الأمانة: الأمانة في الأموال والودائع، فالأمانة في المال من أعظم الأمانات؛ لأن المال محبوبٌ للإنسان.
قال تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات:8] .
وقال عز وجل: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر:20] .
وقال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} [آل عمران:14] .
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال) 108.
ومما يدل على أن الإنسان فطر على حب المال ما ورد عن نبي الله أيوب عليه السلام أنه لما كان يغتسل خر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه، فناداه ربه: (يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك) 109.
فالأموال تغري الإنسان على أخذها إذا تيسرت بين يديه، والأمانة ثقيلة وبخاصة في موطن الضعف في الأموال والشهوات.