وهذا يستلزم من الحاكم معرفة العدل ليحكم به. فعناصر العدل في الحكم هي فهم الحادثة من جميع جوانبها، ثم معرفة الحكم من مصدره التشريعي، ثم تحري انطباق الحكم على الحادثة، كل ذلك مع التسوية بين الخصوم في مجلس القضاء 96.
وعليه قبل أن يفصل في القضايا وقبل أن يبدأ في فض النزاع والقضاء بين المتخاصمين التذكير بالله تعالى، وقد كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، ففي قصة المتلاعنين قبل أن يقضي بينهما. قال لهما: (الله أعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟) 97.
وفي سائر قضاياه كان يقول للمتخاصمين قبل الحكم: (إنكم تختصمون لدي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من أخيه، فأقضي له بحق أخيه، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقتطع له قطعة من نار) 98.
وهذا كله من باب التذكير بالله تعالى.
ولابد أن يكون قويًا في الحكم، والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام، والأمانة ترجع إلى خشية الله وألا يشتري بآياته ثمنًا قليلًا، وترك خشية الناس، وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل حاكم على الناس، في قوله تعالى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] .
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (القضاة ثلاثة، واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار) 99.
و (القاضي) : اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما، سواء كان خليفة أو سلطانًا أو نائبًا أو واليًا، أو كان منصوبًا ليقضي بالشرع، أو نائبًا له حتى يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا، هكذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ظاهر 100.
والمقصود أن الحكم في الإسلام مسئولية عظيمة، وأمانة ثقيلة، يوجل منها الأقوياء فكيف بالضعفاء؟! وهو مبني على العدل، وقد جعله الإسلام من أعظم الأمانات، فثمة علاقة وثيقة بين العدل وأداء الأمانة؛ إذ هما أمران متلازمان، فأداء الأمانة إلى أهلها عين العدل، وجحدها على صاحبها هو عين الجور، وأيضًا فإن الحكم بين الناس بالعدل هو أداء للأمانة التي حملها الحاكم، وبالمقابل فإن ظلم العباد هو جحد للأمانة، وتفريط فيها.
والعدل في الحكم يعد من القيم الإنسانية الأساسية التي جاء بها الإسلام، وجعلها من مقومات الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية، حتى جعل القرآن إقامة القسط - أي: العدل- بين الناس هو هدف الرسالات السماوية كلها، ومن هنا كان لابد من الرجوع إلى شرع الله في الحكم على كل أمر من هذه الأمور؛ حتى يتم تأدية الأمانات إلى أهلها دون أدنى تقصير، ويتم الحكم بين الناس بالعدل دون أدنى قدر من الجور أو الظلم.
والحاكم في الحقيقة أجير عند جمهور المسلمين، يرعى مصالحهم الدينية والمدنية، وحكمه بالحق يتطلب علمًا ويقينًا وإخلاصًا، كما يتطلب خبرة بالحياة والناس والأصدقاء والخصوم، وعليه أن يسمع النصيحة، ويستشير أهل الخبرة الأمناء، وألا يضيق صدره بالنقد البناء، وأن يستوعب كل الآراء، وألا يقصي أحدًا على حساب أحد، وألا يظلم أحدًا بسبب اختلاف العقيدة.
والحكم يحتاج إلى رجال أقوياء في الحق، رحماء بالناس، أمناء على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وقد جاء عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي، ثم قال: (يا أبا ذر إنك رجل ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها) 101.
ومن هو أبو ذر هذا؟! إنه الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: (ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر) 102.
وليعلم الحاكم أن الله سائله يوم القيامة عن رعيته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) 103.