وأنه يكفي المؤمنين أن يكون الله وليهم: (? وَكَفَى? بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى? بِاللَّهِ نَصِيرًا) [النساء: 45] .
أما الذين يتخذون من دون الله وليًا فإنهم خاسرون ولا يجدون وليًا أبدًا يرعاهم ويؤيدهم وينصرهم، لهذا نهى الله المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء لهم.
قال تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 28] .
وبين أن صف الكافرين واحد، وأنهم أولياء لبعضهم البعض: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [الأنفال: 73] .
كما بين أنه لا قيمة أبدًا لمن اتخذه الكافرون أولياء، وأنه لا يملك لغيره، بل ولا لنفسه نفعًا ولا ضرًا: (هُ ? قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا) [الرعد: 16] .
لهذا عبر عنهم أنهم ليس لهم ولي: (وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) [الشورى: 8] .
كما بين أن الولاية الحقيقية لمن لا يؤمنون هي ولاية للشيطان: (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 27] .
وقد نفى الإيمان عن الذين يوالون الكافرين: (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَہ) [المائدة: 81] .
وقد شبه الله الذين اتخذوا أولياء من دون الله بالعنكبوت عندما تتخذ بيتًا: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ? وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ? لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: 41] .
وبهذا وصف المتقين بأنهم أولياؤه: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يونس: 62 - 63] .
وقد فسر معنى الأولياء هنا بأنهم: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) .
قال ابن عاشور: «ودل قوله: (وَكَانُوا يَتَّقُونَ) على أن التقوى ملازمة لهم، أخذًا من صيغة (وَكَانُوا) ، وأنها متجددة منهم؛ أخذًا من صيغة المضارع في قوله: (يَتَّقُونَ) » 105.
وقال أبو السعود: «فملاك أمر الولاية هو التقوى» 106.
وقال ابن عاشور: «وهذه الآية هي أقوى ما يعتمد عليه في تفسير حقيقة الولي شرعًا» 107.
وكذلك وصف الله تعالى نفسه أنه ولي المتقين، فقال جل شأنه: إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ? وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) [الجاثية: 19] .
فإنه إذا كان صف الظالمين واحدًا وأنهم أولياء بعضهم فإن صف المتقين صف واحد، والله وليهم جميعًا، فهو متولي أمرهم بتيسير أمورهم ونصرهم وعونهم وتأييدهم.
تدل أصل كلمة الحب على ميل القلب إلى أمر يراه خيرًا ويستلذ به، قال الراغب: «والمحبة: إرادة ما تراه أو تظنه خيرًا، وهي ثلاثة أوجه: محبة للذة؛ كمحبة الرجل المرأة ... ومحبة للنفع؛ كمحبة شيء ينتفع به ... ومحبة فضل؛ كمحبة أهل العلم بعضهم لبعض؛ لأجل العلم. وربما فسرت المحبة بالإرادة في نحو قوله تعالى: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا) [التوبة: 108] .
وليس كذلك، فإن المحبة أبلغ من الإرادة، وقوله تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: 54] .
فمحبة الله تعالى للعبد إنعامه عليه، ومحبة العبد له طلب الزلفى لديه» 108.
وقد تحدث الألوسي عن المحبة ومعناها فقال: «فالمحبة لغة: ميل المتصف بها إلى أمر ملذ» ثم تكلم عن أنها يمكن توفرها في العبد حقيقة ... أما محبة الله للعبد فهي من المتشابهات، فقال: «وأنت تعلم أن ذلك من المتشابه، والمذاهب فيه مشهورة» 109.
وقال البيضاوي: «ومحبة الله تعالى للعباد إرادة الهدى والتوفيق لهم في الدنيا وحسن الثواب في الآخرة» 110.
وذكر ابن القيم عن محبة الله لعبده فقال: «محبة الرب لأوليائه وأنبيائه ورسله صفة زائدة على رحمته وإحسانه وعطائه، فإن ذلك أثر المحبة وموجبها. فإنه لما أحبهم كان نصيبهم من رحمته وبره أتم نصيب» 111.
وعلى كل حال فإن المحبة كما قال ابن القيم: «لا تحد بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء، فحدها وجودها. ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة. وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها» 112.
وقد رسم لنا القرآن الكريم الطريق العام لنيل محبة الله تعالى، فقال جل شأنه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران: 31] .
فإن الطريق لنيل محبة الله اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله.
وكذلك بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم الطريق لنيل محبة الله تعالى، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) 113.
وإذا أحب الله تعالى عبدًا من عباده فإنه يوقع له المحبة من أهل السماء وأهل الأرض. ففي الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحببه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض .. وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض) 114.
وكذلك إذا أحب الله تعالى عبده فإنه يؤيده وينصره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه) 115.
لذلك قال الله تعالى في ذكر بعض ثمرات التقوى: (بَلَى? مَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى? فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 76] .
والتقوى صفة من جملة الصفات التي إن تحلى بها المرء نال حب الله تعالى، فقد ذكر القرآن أن الله يحب من اتصف بصفات معينة، وهذه الصفات هي أمهات الفضائل: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [المائدة: 42] .
وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159] .
وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة: 13] .
وقال تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: 146] .
وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: 222] .
وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) [الصف: 4] .
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم: (إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي) 116.
فالتقوى صفة من الصفات التي يحب الله من اتصف بها.
ومن ثمرات التقوى نيل رحمة الله تعالى.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) [الحديد: 28] .
ومعنى رحمة الله تعالى لعباده هي: العطف والإنعام والإحسان والرأفة.
والله رحيم بهذا الإنسان يرعاه ويعينه في كل لحظة من لحظات حياته، ولولا رحمة الله بهذا الإنسان لما استطاع العيش ولا للحظة واحدة، إنه المخلوق الضعيف الذي يحتاج إلى الرعاية والعناية.
ورحمة الله واسعة لا تشمل الإنسان فحسب، بل تشمل كل مخلوق خلقه الله تعالى.
قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ? [الأعراف: 156] .
وقال تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى? نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ?) [الأنعام: 54] .
فالله تعالى هو المتصرف في شئون هذا الكون، وكل ما في الكون ملك له، والإنسان وغيره مخلوقات ضعيفة منقادون لله تعالى، ومع هذا فإن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة؛ تفضلًا وتكرمًا، وهذه نعمة عظيمة على المرء أن لا يغفل عنها.
وإذا كانت رحمة الله تعالى تقتضي الإحسان والتخفيف والرأفة على هذا المخلوق الضعيف، وأنها تشمل المؤمن والكافر، إلا أن هناك رحمات خاصة يخص بها عباده المؤمنين الطائعين، وهذه الرحمة تعني: زيادة العطف والعناية والرأفة بهؤلاء المؤمنين، فالله يحيطهم برحمة خاصة، كما قال الله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف: 56] .
وقد رسم لنا القرآن الطريق لنيل رحمة الله التي خص بها عباده، فمن هذه الطرق:
••تلاوة القرآن الكريم والاستماع مع الإنصات، قال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف: 204] .
••إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله والرسول: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النور: 56] . وقوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [آل عمران: 132] .
••الاستغفار: (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النمل: 46] .
••الإصلاح مع التقوى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: 10] .
والملاحظ في هذه الآيات وغيرها أن الله تعالى يعبر عن نيل رحمته بـ (لعل) كما قال: (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وهذا يفيد الرجاء، أي: رجاء أن ترحموا. وفي هذا التعبير دلالة على أن الرحمة من الله يعطيها لمن يشاء، فلتطلب الرحمة من طرقها مع رجاء الله في نيل رحمته، أي: إن من أهم طرق الرحمة هو: رجاء الله في نيلها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يدخل هو الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته. فرجاء رحمته تعالى هي أهم شيء في طلبها.
قال تعالى: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ ? وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) [العنكبوت: 21] .
(وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ) [البقرة: 105] .
ولهذا نجد القرآن الكريم يحثنا كثيرًا على طلب رحمة الله وعدم القنوط من رحمته تبارك وتعالى التي وسعت كل شيء، وسعت الإنسان مهما عمل من المعاصي إذا تاب.
قال تعالى: (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) [الحجر: 56] .
وقال تعالى: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الزمر: 35] .
والله تعالى يختص برحمته من يشاء، وقد خص بها أصنافًا من المؤمنين، ومن هؤلاء الأصناف: المتقون.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الحديد: 28] .
ففي هذه الآية نجد أن من يتقي الله فإن الله يؤتيه كفلين من رحمته. وأصل الكفل: الحظ الذي فيه الكفاية، أي: يؤتكم نصيبين من رحمته.
قال ابن عاشور: «والكفل -بكسر الكاف وسكون الفاء-: النصيب، وأصله: الأجر المضاعف، أي: يؤتكم أجرين عظيمين، وكل أجر منهما هو ضعف الآخر مماثل له، فلذلك ثني كفلين» 117.
وقال سيد قطب: «أي: يعطكم نصيبين من رحمته، وهو تعبير عجيب، فرحمة الله لا تتجزأ، ومجرد مسها الإنسان يمنحه حقيقتها، ولكن في هذا التعبير زيادة امتداد للرحمة وزيادة فيض» 118.
وقال تعالى: (رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ? فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 156] .
والرحمة هنا ذكرت مقابل العذاب: «قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء» ففي مقابل العذاب جاء ذكر الرحمة؛ لبيان أن الرحمة تسبق العذاب، كما ورد في الحديث القدسي: (إن رحمتي تغلب غضبي) .
قال أبو السعود: «وفي نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارع ونسبة السعة إلى الرحمة بصيغة الماضي إيذان بأن الرحمة مقتضى الذات. وأما العذاب فبمقتضى معاصي العباد» 119. وقد كانت الرحمة هنا أولًا للذين يتقون.
وقبول العمل يعني: أخذه مع إعطاء الثواب عليه، أو الرضا به مع إثابة العامل.
وقد امتن الله على المؤمنين بأن أثابهم على استقامتهم بقبول أفضل أعمالهم، حيث قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأحقاف: 13] .
ثم قال عنهم: (أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ? وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) [الأحقاف: 16] .
وقبول العمل عطاء من الله تعالى، ولهذا ورد الدعاء بقبول العمل. فهذا إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام يأمرهما الله تعالى ببناء الكعبة المشرفة، فيقومان بعملهما؛ امتثالًا لأمره تبارك وتعالى، ثم يدعوان الله أن يتقبل عملهما.
قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ? إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [البقرة: 127] .
وهذه امرأة عمران تدعو الله تعالى أن يتقبل منها نذرها، فيكرمها الله تعالى بقبول نذرها.
قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ?35? فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى? وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى? وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ?36? فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) [آل عمران: 35 - 37] .
وهنا نقدر قيمة ما أعطى الله تعالى للمتقين من قبول العمل، حيث قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة: 27] .
وذلك أن ابني آدم عليه السلام قربا قربانًا فقبل الله من أحدهما ولم يقبل من الآخر، فأراد الآخر قتل أخيه، فأخبره أن عدم قبوله؛ لانسلاخ نفسه من التقوى.
قال الله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ? قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة: 27] .
قال أبو السعود: « (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) لا من غيرهم، وإنما تقبل قرباني ورد قربانك؛ لما فينا من التقوى وعدمه، أي: إنما أتيت من قبل نفسك لا من قبلي، فلم تقتلني؟! خلا أنه لم يصرح بذلك بل سلك مسلك التعريض؛ حذرًا من تهيج غضبه، وحملًا له على التقوى، والإقلاع عما نواه» 120.
وقال الزمخشري: «إنما أتيت من قبل نفسك؛ لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلي فلم تقتلني؟ وما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان. وفيه دليل على أن الله تعالى لا يقبل طاعةً إلا من مؤمن متقٍ» 121.
خصلة التقوى هي التي يتم بها التفاضل عند الله تبارك وتعالى، فأكرم الناس عنده من كان تقيًا. ولا فضل لأي إنسان، ملكًا كان أو أميرًا، صاحب مال أوجاه أو سلطان على غيره من الضعفاء والفقراء.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى? وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ? إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13] .
فهو ميزان التفاضل الحقيقي الذي يضع الناس في أماكنهم، ويجعل تقييمهم حسب المبادئ والقيم والأخلاق. وليس حسب مقاييس اجتماعية براقة كاذبة خداعة. المقاييس التي تجعل من الناس طبقات يتسلط فيها القوي على الضعيف، والغني على الفقير، يتسلط فيها أصحاب الفساد في المجتمعات، فتشترى الذمم وتنتشر الرذائل.
والكرم: اسم للأخلاق والأفعال المحمودة، ويقال: لفظ الكرم لمن ينفق في المحاسن الكبيرة، كمن ينفق مالًا؛ ليجهز جيشًا في سبيل الله، أو يتحمل حمالة تحقن دماء قوم من الناس 122.
وأكرم الأفعال وأشرفها ما يقصد به وجه الله تعالى، وأشرفها التقوى، لذلك قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13] .
يقول سيد قطب في بيان معنى الآية: « (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ) والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم من ذكر وأنثى ... وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم شعوبًا وقبائل، إنها ليست التناحر والخصام، إنما هي التعارف والوئام. فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والاخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون؛ للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات. وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله، إنما هنالك ميزان واحد تتحد به القيم، ويعرف به فضل الناس: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) .. والكريم حقًا هو الكريم عند الله» 123.
والتقوى طريق لتحصيل العلم، حيث قرن القرآن الكريم بين العلم وتقوى الله تعالى، فقال سبحانه: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ? وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ?) [البقرة: 282] .
والعلم الحقيقي هو العلم الموصل إلى الهداية؛ لأن كل ذرة في هذا الكون تشهد بأن الله هو خالق هذا الكون، فمخلوقات الله تشهد على خالقها، وهذا النوع حث القرآن على النظر فيه والتفكر في شأن السماوات والأرض.
فإذا لم يكن العلم موصلًا إلى الهداية ومؤكدًا لحقيقة الإيمان بالله تبارك وتعالى، فليس هو العلم الذي دعا إليه القرآن الكريم وحث على التعلم فيه، لذلك نجد كثيرًا ممن لا تزيدهم علومهم إلا جهلًا بالحقيقة وابتعادًا عن الإيمان بالله تعالى وهم قلة، وقد قص علينا القرآن مثال الذي آتاه الله علمًا فأضله الله على علم: (قالَ المَلَأُ الَّذينَ استَكبَروا مِن قَومِهِ لِلَّذينَ استُضعِفوا لِمَن آمَنَ مِنهُم أَتَعلَمونَ أَنَّ صالِحًا مُرسَلٌ مِن رَبِّهِ قالوا إِنّا بِما أُرسِلَ بِهِ مُؤمِنونَ ?75? قالَ الَّذينَ استَكبَروا إِنّا بِالَّذي آمَنتُم بِهِ كافِرونَ) [الأعراف: 175 - 176] .
والعلم الحقيقي هو الذي يبتغي به الإنسان وجه الله، ويكون سببًا في هداية المرء وتعرفه على مخلوقات الله، فيعرف الله سبحانه وتعالى من معرفة مخلوقاته، ولهذا نجد أن القرآن الكريم يمتدح الذين يعقلون والذين يتفكرون في مخلوقاته، وينعى باللائمة على الذين لا يعقلون والذين لا يتدبرون.
ولهذا أشار القرآن إلى أن العلماء هم الذين يخشون الله حق خشيته، وقد خصهم بخشيته فقال: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28] .
ويدخل في إطار العلماء كل من كان له علم حقيقي، سواء كانوا عالمين بالله وبصفاته وبقدرته أم بمخلوقاته وأسرار خلقه من علم بأمور الطبيعة والكون، فالكون هو كتاب الله المنظور الذي يدل على أن الله خالقه ومبدعه. والله جعل في هذا الكون دلائل قدرته وأظهر فيه بدائع صنعه، لذا كانت العلوم الكونية موصلة إلى معرفة أسرار المخلوقات الدالة على خالقها.
وعلى هذا فالعلم الحقيقي موصل إلى الهداية، ومعرف بالحقيقة الأزلية؛ حقيقة خلق الله للأشياء وقدرته وإبداعه، والعلم بهذه الصفات عطاء إلهي، فمنها ما يتوصل إليه بأسباب، ومنها ما لا يكون للوصول إليها إلا بإرادة الله تعالى، ولهذا نجد أن الله تعالى أعطى العبد الصالح -صاحب موسى عليه السلام- من العلم ما لم يعطه لموسى عليه السلام نفسه، وهو نبيه ورسوله، والذي جاء خبره في سورة الكهف، حيث قال تعالى عن العبد الصالح: (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف: 65] .
وقد أوحى الله إلى موسى أن هناك عبدًا أعلم منه، وأرشده للذهاب إلى لقياه والتعلم منه 124.
وقد جعل القرآن بعض الأمور سببًا في منح شيء من علم الله لهم منها التقوى، فقد جعل القرآن التقوى سببًا من أسباب منحهم شيئًا من علمه تبارك وتعالى.
قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ? وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة: 282] .
فقوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ? وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) ينبئ عن أن التقوى تثمر العلم.
يقول رشيد رضا: «أي: اتقوا الله في جميع ما أمركم به ونهاكم عنه، وهو يعلمكم ما فيه قيام مصالحكم وحفظ أموالكم وتقوية رابطتكم، فإنكم لولا هدايته لا تعلمون بذلك» 125.
ويقول سيد قطب: «ثم -وعلى عادة القرآن في إيقاظ الضمير، لا من مجرد ضغط النص- يدعو المؤمنين إلى تقوى الله في النهاية، وذكرهم بأن الله هو المتفضل عليهم، وهو الذي يعلمهم ويرشدهم، وأن تقواه تفتح قلوبهم للمعرفة وتهيء أرواحهم للتعليم؛ ليقوموا بحق هذا الإنعام بالطاعة والرضى والإذعان» 126.
ويقول ابن عاشور: «وقوله: (وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) تذكير بنعمة الإسلام الذي أخرجهم من الجهالة إلى العلم بالشريعة، ونظام العالم الذي هو أكبر العلوم وأنفعها، ووعدٌ بدوام ذلك؛ لأنه جيء فيه بالمضارع.
وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيماء إلى أن التقوى سبب إفاضة العلوم، حتى قيل: إن الواو فيه للتعليل، أي: ليعلمكم» 127.
فالتقوى سبب إفاضة العلوم على الإنسان، فإن من ابتعد عن معاصي الله تعالى ورثه علم ما لم يعلم. وهذا كما قال الإمام الشافعي 128:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي
فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور
ونور الله لا يهدى لعاصي
ومن ثمرات التقوى: الرزق، فإن من يتق الله فينتهي عما نهى عنه، ويعمل بما أمره به، فالله يرزقه من حيث لا يحتسب.
قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق: 2 - 3] .
والرزق من القضايا التي استأثر الله بها وأعطى منها الإنسان بما يشاء تبارك وتعالى وكيف يشاء.
والله وصف نفسه بأنه هو الرزاق: (نَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 58] .
ومعنى ذلك: أنه هو الذي خلق الأرزاق وجعل في الأحياء الباعث على اكتسابها، وخلق فيهم أسباب التمتع بها. لذا كان الرزق من الله وحده، يعطيه لمن يشاء.
قال تعالى: (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [البقرة: 212] .
والله تبارك وتعالى قسم الرزق بين عباده فأعطى كلًا منهم بما يشاء، أعطاه لحكمة يعلمها هو تبارك وتعالى: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَھ) [سبأ: 36] .
فمسألة بسط الرزق وتقديره تتعلق بحكمة من عند الله تبارك وتعالى فهو يوسع على من يشاء ويقدر على من يشاء، فقد يغدق على أهل الخير أو على أهل الشر، وقد يضيق عليهم، كل ذلك؛ ليبتليهم بأمرٍ هذا الرزق.
وبسط الرزق وتقديره يرجع لحكمة، فيعطي الله تعالى كل إنسان بما يشاء وبالقدر الذي يكون أفضل للإنسان المؤمن، فالله تعالى يعلم من أحوال بعض المؤمنين أن قلة المال أفضل لهم حتى لا يشغلهم المال عن ربهم فيضيق عليهم. والمال في حد ذاته فتنة: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) [التغابن: 15] .
إلا من عصمه الله تبارك وتعالى، ولهذا يضيق الله على بعض المؤمنين حتى لا تكون فتنة لهم: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) [الشورى: 27] .
ويقول تعالى: (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ?33? وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ?34? وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) [الزخرف: 33 - 35] .
فلولا الخشية رحمة بالمؤمنين من أن يكون المال فتنة لهم لكان علامة الكافرين أن يغدق عليهم المال الكثير.
والله تبارك وتعالى جعل للزرق أسبابًا معينة وربط بها الرزق، وحث على طلب الرزق في مظانه، ومن جملة هذا الأسباب:
فقد أمر الله تعالى الإنسان أن يسعى في طلب رزقه، فقال: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ?) [الملك: 15] .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للسائل: «إن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة» .
وينبغي أن يكون مع السعي توكل على الله تعالى واعتماد على أنه هو مصدر الرزق، فيسعى للرزق وقلبه معلق بالرزاق يدعوه مبتغيًا منه الرزق.
قال تعالى: (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ) [العنكبوت: 17] .