فهرس الكتاب

الصفحة 1075 من 2431

فعلم من هذا أن دعوة الرسل جميعًا هي: الدعوة إلى توحيد الله تعالى وحده لا شريك له، وكان هذا جواب من النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة حين قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، فقال: (دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له بصرى) 122.

ودعوة الرسل في القرآن الكريم لم تذكر فيها من التفصيلات سوى اليسير، وجلّ ما ذكر عنهم هو الاهتمام بالدعوة إلى توحيد الله تعالى، والكفر بكل الطواغيت التي تعبد من دون الله 123.

وهذا هو الأصل؛ لأن الداعي لا ينتقل إلى الفروع إلا بعد التأكيد على معاني العقيدة، كما فعل الأنبياء في دعوتهم 124.

وسأذكر من الرسل: نوحًا وإبراهيم وموسى ومحمدًا عليهم الصلاة والسلام وذلك فيما يأتي:

-دعوة نوح عليه السلام.

وأهم الآيات التي تتحدث عن دعوته عليه الصلاة والسلام ما يأتي:

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [العنكبوت: 14] .

مع طول مدة الدعوة إلا أنهم لم ينجع فيهم البلاغ والإنذار 125، بسبب كفر قومه.

قال الزمخشري: «فإن قلت: هلا قيل تسعمائة وخمسين سنة؟

قلت: ما أورده الله أحكم، لأنه لو قيل كما قلت، لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره، وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك، وكأنه قيل: تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد، إلا أنّ ذلك أخصر وأعذب لفظًا وأملأ بالفائدة، وفيه نكتة أخرى: وهي أنّ القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح عليه السلام من أمّته وما كابده من طول المصابرة، تسليةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيتًا له، فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه، أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدّة صبره» 126.

وكان الوقت الذي قضاه نوح عليه السلام وقتًا طويلًا، ومع ذلك كان فيه كامل النشاط جادًّا في العمل؛ لأن من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، وهذا مما يوجب على الدعاة بعده الاقتداء به في ذلك.

وفي قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ?) [يونس: 71 - 73] .

بمعنى إن كان الأمر قد بلغ منكم مبلغ الضيق، فلم تعودوا تتحملون بقائي فيكم، ودعوتي لكم، وتذكيري لكم بآيات الله، فأنتم وما تريدون، وأنا ماض في طريقي لا أعتمد إلا على الله، فماذا كان وراء نوح من القوة والعدة؟ وماذا كان معه من قوى الأرض جميعًا؟ كان معه الإيمان، القوة التي تتصاغر أمامها القوى، وتتضاءل أمامها الكثرة، ويعجز أمامها التدبير 127.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گگ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 40 - 43] .

حرص نوح عليه السلام على دعوة قومه عامة، وأهل بيته خاصة.

وتصف الآيات السابقة ما دار بين نوح عليه السلام وابنه، فقد كان ذلك النداء من نوح لابنه خوفًا عليه من الغرق 128، وشفقة الأبوة حملته على ذلك النداء 129؛ لكن الابن كان كافرًا، عَمِل عملًا غير صالح، فخالف أباه في دينه ومذهبه، فهلك مع من هلك، وقد نجا مع أبيه الأجانب في النسب، لما كانوا موافقين في الدين والمذهب 130.

وكانت عاطفة الأبوة ظاهرةً في محاولة إنقاذ نوح لابنه من الغرق في شدة تلاطم الأمواج، وكان أسلوب العاطفة ظاهرًا في مناداة نوح لربه حتى بعد انقضاء الأمر، وتوقف الماء، إضافةً إلى ذلك أنه قد استخدم مع قومه الأسلوب الحسي، فقبل الغرق حثهم على التفكر في مطر السماء والحصول على المال والبنين، والسموات الطباق، ونور القمر وسراج الشمس وغيره، وفي حادثة الغرق أراهم صناعة السفينة وأمرهم بالركوب فيها وحذرهم من الغرق.

وقال تعالى في سورة نوح: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [نوح: 5 - 9] .

بينت هذه الآيات شيئًا من معالم دعوة نوح عليه السلام، فهو يدعو قومه دائمًا بلا فتور ولا توان 131، ويدعوهم على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة، فلم ينجع ذلك فيهم 132.

ونبيّ الله نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بذل كل ما يمكنه في سبيل الدعوة إلى الله 133، وهذه السورة كلها تقص قصة نوح عليه السلام مع قومه، وتصف تجربةً من تجارب الدعوة في الأرض، وتمثل دورةً من دورات العلاج الدائم الثابت المتكرر للبشرية، وشوطًا من أشواط المعركة الخالدة بين الخير والشر، والهدى والضلال، والحق والباطل ثم هي بعد هذا وذلك، تعرض صورةً من صور الجهد المضني، والعناء المرهق، والصبر الجميل، والإصرار الكريم من جانب الرسل صلوات الله عليهم لهداية هذه البشرية الضالة العنيدة العصية الجامحة، وهي حصيلة مريرة.

ولكن الرسالة هي الرسالة، وهذه التجربة المريرة تعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي انتهت إليه أمانة دعوة الله في الأرض كلها في آخر الزمان، واضطلع بأكبر عبء كلّفه رسول، يرى فيها صورة الكفاح النبيل الطويل لأخ له من قبل، لإقرار حقيقة الإيمان في الأرض، ويطلع منها على عناد البشرية أمام دعوة الحق، وفساد القيادة الضالة، وغلبتها على القيادة الراشدة.

ثم إرادة الله في إرسال الرسل تترى بعد هذا العناد والضلال منذ فجر البشرية على يدي جدّها نوح عليه السلام، وتعرض على الجماعة المسلمة في مكة، وعلى الأمة المسلمة بعامة، وهي الوارثة لدعوة الله في الأرض، وللمنهج الإلهي المنبثق من هذه الدعوة، القائمة عليه في وسط الجاهلية المشتركة يومذاك، وفي وسط كل جاهلية تالية، ترى فيها صورة الكفاح والإصرار والثبات هذا المدى الطويل من أبي البشرية الثاني، كما ترى فيها عناية الله بالقلة المؤمنة، وإنجاءها من الهلاك الشامل في ذلك الحين 134.

فهل يتعظ بذلك الدعاة الذين سرعان ما يستولي اليأس على نفوسهم، ويسيئون الظن بأقوامهم، فيتسرعون في إصدار الأحكام الظالمة عليهم، وينهزمون أمام أية صدمة يتعرضون لها 135، وبالفعل فإن دعوة نوح دائمًا ما تكون منطلقًا للدعاة إلى الله في الأخذ بمتطلبات الدعوة؛ خاصة في عدم الاستعجال.

-دعوة إبراهيم عليه السلام.

وأهم الآيات التي تتحدث عن دعوته عليه الصلاة والسلام ما يأتي:

قال تعالى: (? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 130 - 132] .

فدعوته عليه السلام أساسها التوحيد، وبنيانها الإخلاص لله عز وجل.

وقال تعالى: (? ? ? ژ ژ ڑڑ ک ک ک ک گ) [النحل: 123] .

فهذا إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم، وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك تعريض بمعاندي أهل الكتاب والمشركين، أي لا يرغب عن ملته الواضحة الغراء إلا من سفه نفسه، أي: حملها على السفه وهو الجهل 136.

وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خالف إبراهيم فيما سن لمن بعده، فهو لله مخالف، وإعلام منه لخلقه أن من خالف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهو لإبراهيم مخالف، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أنه اصطفاه لخلته، وجعله للناس إمامًا، وأخبر أن دينه كان الحنيفية المسلمة، ففي ذلك أوضح البيان من الله تعالى ذكره عن أن من خالفه فهو لله عدو لمخالفته الإمام الذي نصبه الله لعباده 137، ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه، أنا أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين 138، فأصل الدعوة وأساسها دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى ملة التوحيد والتي أكّدها وختمها محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد بين القرآن الكريم أن من الأساليب الدعوية التي استعملها إبراهيم عليه السلام: أسلوب الجدل والمناظرة.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گگ گ ? ? ? ? ?) [البقرة: 258] .

أي: إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته، وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما ادعيت تحيي وتميت، فأت بها من المغرب؟ فلما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام؛ بهت: أي: أخرس، فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة 139، وكانت هذه المناظرة دعوة من إبراهيم عليه السلام إلى توحيد الله تعالى والكفر بكل ما يدعى من دون الله، وبيان بطلانه والمجادلة في ذلك.

وفي قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 74 - 81] 140.

يقول تعالى: واذكر قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، مثنيًا عليه ومعظمًا حاله لدعوته إلى التوحيد، ونهيه عن الشرك 141.

وقد شرح فرق المشركين - الذين تجب دعوتهم- في هذه السورة على أحسن الوجوه؛ وذلك لأن طائفة من المشركين يجعلون الأصنام شركاء لله تعالى، وإليهم الإشارة بقوله حكاية عن إبراهيم 142.

ولقد كانت هذه هي الحجة التي ألهمها الله إبراهيم ليدحض بها حجتهم التي جاءوا بها يجادلونه، ولقد كشف لهم عن وهن ما هم عليه من تصورهم أن هذه الآلهة تملك أن تسيء إليه، وواضح أنهم ما كانوا يجحدون وجود الله، ولا أنه هو صاحب القوة والسلطان في الكون، ولكنهم كانوا يشركون به هذه الآلهة، فلما واجههم إبراهيم، بأن من كان يخلص نفسه لله لا يخاف من دونه، فأما من يشرك بالله فهو أحق بالمخافة، لما واجههم بهذه الحجة التي آتاها الله له وألهمه إياها، سقطت حجتهم، وعلت حجته، وارتفع إبراهيم على قومه عقيدةً وحجةً ومنزلةً 143، كان أسلوبه قويًّا واضحًا استطاع من خلاله أن يوقعهم في معرفة بطلان دعوتهم.

قال تعالى: (? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 51 - 70] .

تبين هذه الآيات أن من الأساليب الدعوية التي استعملها إبراهيم عليه السلام: المواجهة المباشرة، والتغيير باليد.

وهذا أسلوب دعوي عملي وهو: إزالة المنكر فعلًا 144.

فيخبر تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه آتاه رشده من قبل، أي: من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه 145، فجمع لهم بين الدليل العقلي، والدليل السمعي، أما الدليل العقلي فإنه قد علم كل أحد حتى هؤلاء الذين جادلهم إبراهيم أن الله وحده، الخالق لجميع المخلوقات، من بني آدم، والملائكة، والجن، والبهائم، والسماوات، والأرض، المدبر لهن، بجميع أنواع التدبير، فيكون كل مخلوق مفطورًا مدبرًا متصرفًا فيه، ودخل في ذلك، جميع ما عبد من دون الله، أفيليق عند من له أدنى مسكة من عقل وتمييز، أن يعبد مخلوقًا متصرفًا فيه، لا يملك نفعًا، ولا ضرًّا، ولا موتًا، ولا حياةً، ولا نشورًا، ويدع عبادة الخالق الرازق المدبر؟ وأما الدليل السمعي فهو المنقول عن الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن ما جاءوا به معصوم لا يغلط ولا يخبر بغير الحق، ومن أنواع هذا القسم: شهادة أحد من الرسل على ذلك، فلهذا قال إبراهيم: (? ? ?) أي: أن الله وحده المعبود وأن عبادة ما سواه باطل (? ?) ، وأي شهادة بعد شهادة الله أعلى من شهادة الرسل؟ خصوصًا أولي العزم منهم خصوصًا خليل الرحمن 146.

وحقًّا لقد كانت الأولى رجعةً إلى النفوس، وكانت الثانية نكسةً على الرؤوس كما يقول التعبير القرآني المصور العجيب، كانت الأولى حركةً في النفس للنظر والتدبر، أما الثانية فكانت انقلابًا على الرأس فلا عقل ولا تفكير، وإلا فإن قولهم هذا الأخير هو الحجة عليهم. وأية حجة لإبراهيم أقوى من أن هؤلاء لا ينطقون؟! ومن ثم يجبهم بعنف وضيق على غير عادته وهو الصبور الحليم؛ لأن السخف هنا يجاوز صبر الحليم 147، فها هو خليل الرحمن برشده وحسن دعوته يستخدم أسلوبًا عمليًا مؤيدًا بالعقل والسمع في بيان سلامة دعوته، وإبطال دعوة قومه.

وقال تعالى: (ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [مريم: 41 - 50] .

فقال لأبيه متلطفًا في دعوته إلى التوحيد ونهيه عن عبادة الأصنام: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا؟ 148.

بهذا اللطف في الخطاب يتوجه إبراهيم إلى أبيه، يحاول أن يهديه إلى الخير الذي هداه الله إليه، وعلمه إياه وهو يتحبب إليه فيخاطبه: (?) هذه هي اللمسة الأولى التي يبدأ بها إبراهيم دعوته لأبيه، ثم يتبعها بأنه لا يقول هذا من نفسه، إنما هو العلم الذي جاءه من الله فهداه، ولو أنه أصغر من أبيه سنًّا وأقل تجربةً، ولكن المدد العلوي جعله يفقه ويعرف الحق فهو ينصح أباه الذي لم يتلق هذا العلم، ليتبعه في الطريق الذي هدي إليه 149.

ولهذا كثيرًا ما يبدئ ويعيد في قصص الأنبياء، الذين فضلهم على غيرهم، ورفع قدرهم، وأعلى أمرهم، بسبب ما قاموا به، من عبادة الله ومحبته، والإنابة إليه، والقيام بحقوقه، وحقوق العباد، ودعوة الخلق إلى الله، والصبر على ذلك، والمقامات الفاخرة، والمنازل العالية، فذكر الله في هذه السورة جملةً من الأنبياء، يأمر الله رسوله أن يذكرهم، لأن في ذكرهم إظهار الثناء على الله وعليهم، وبيان فضله وإحسانه إليهم، وفيه الحث على الإيمان بهم ومحبتهم، والاقتداء بهم 150.

لذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر في الكتاب الذي هو القرآن العظيم المنزل إليه من الله (إبراهيم) عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ويتلو على الناس في القرآن نبأه مع قومه، ودعوته لهم إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، وكرر هذا المعنى المذكور في هذه الآيات في آيات أخر من كتابه جل وعلا 151، فاستخدم عليه السلام الأسلوب العاطفي الرائع الذي يدل على عظيم حلم وكثير كرم، لكن أباه الكافر رفض دعوته.

-دعوة موسى عليه الصلاة والسلام.

وأهم الآيات التي تتحدث عن دعوته عليه الصلاة والسلام ما يأتي:

قال تعالى: (ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [إبراهيم: 5] .

أي: أمرناه قائلين له أخرج قومك من الظلمات إلى النور، أي: ادعهم إلى الخير؛ ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال إلى نور الهدى وبصيرة الإيمان 152.

وقوله تعالى: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ?) [طه: 9 - 24] .

يقول تعالى ذكره: إنني أنا المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، لا إله إلا أنا فلا تعبد غيري، فإنه لا معبود تجوز أو تصلح له العبادة سواي 153.

ولما أوحى الله إلى موسى، ونبّأه، وأراه الآيات الباهرات، أرسله إلى فرعون، ملك مصر، فقال: (? ? ? ? ?) أي: تمرّد وزاد على الحد في الكفر والفساد والعلو في الأرض، والقهر للضعفاء، حتى إنه ادعى الربوبية والألوهية -قبحه الله- أي: وطغيانه سبب لهلاكه، ولكن من رحمة الله وحكمته وعدله، أنه لا يعذب أحدًا، إلا بعد قيام الحجة بالرسل، فحينئذ علم موسى عليه السلام أنه تحمل حملًا عظيمًا، حيث أرسل إلى هذا الجبار العنيد، الذي ليس له منازع في مصر من الخلق، وموسى عليه السلام وحده، وقد جرى منه ما جرى من القتل، فامتثل أمر ربه، وتلقاه بالانشراح والقبول، وسأله المعونة وتيسير الأسباب، التي هي من تمام الدعوة، فقال: (? ? ? ?) أي: وسّعه وأفسحه؛ لأتحمل الأذى القولي والفعلي، ولا يتكدر قلبي بذلك، ولا يضيق صدري، فإن الصدر إذا ضاق لم يصلح صاحبه لهداية الخلق ودعوتهم 154.

والذهاب المأمور به ذهاب خاص، قد فهمه موسى من مقدمات الإخبار باختياره، وإظهار المعجزات له، أو صرّح له به وطوي ذكره هنا على طريقة الإيجاز، على أنّ التّعليل الواقع بعده ينبئ به 155؛ ولما آنسه بالعصا واليد، وأراه ما يدل على أنه رسول، أمره بالذهاب إلى فرعون، وأن يدعوه 156.

ويؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون بالرّفق واللّين، لا بالقسوة والشدة والعنف 157.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 104 - 120] .

يخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون وإلجامه إياه بالحجة وإظهاره الآيات البيّنات بحضرة فرعون وقومه من قبط مصر، مظهرًا بأنه لا يقول على الله إلا الحق، أي: جدير بذلك وحري به، فحق عليّ أن لا أخبر عنه إلا بما هو حق وصدق، لما أعلم من عز جلاله وعظيم شأنه (? ? ? ? ?) أي: بحجة قاطعة من الله، أعطانيها دليلًا على صدقي فيما جئتكم به (? ? ? ?) أي: أطلقهم من أسرك وقهرك، ودعهم وعبادة ربك وربهم فإنهم من سلالة نبي كريم 158.

وفي سورة الشعراء: جرت في دعوة موسى المجادلة والتحاور، واستخدم موسى الأدلة العقلية كأسلوب في دعوته لفرعون وقومه: فقال فرعون لقومه: (ژ ڑ ڑ ک ک ک) [الشعراء: 27] .

يقول: إن رسولكم هذا الذي يزعم أنه أرسل إليكم لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولًا لا نعرفه ولا نفهمه، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان عنده وعند قومه أنه لا رب غيره يعبد، وأن الذي يدعوه إليه موسى باطل ليست له حقيقة، فقال موسى عند ذلك محتجًّا عليهم، ومعرفهم ربهم بصفته وأدلته، إذ كان عند قوم فرعون أن الذي يعرفونه ربًّا لهم في ذلك الوقت هو فرعون فلما أخبرهم عليه السلام بالأمر الذي علموا أنه الحق الواضح، إذ كان فرعون ومن قبله من ملوك مصر لم يجاوز ملكهم عريش مصر، وتبين لفرعون ومن حوله من قومه أن الذي يدعوهم موسى إلى عبادته، هو الملك الذي يملك الملوك، قال فرعون حينئذ استكبارًا عن الحق، وتماديًا في الغي لموسى: (ں ں ? ?) [الشعراء: 29] .

يقول: لئن أقررت بمعبود سواي (? ? ?) [الشعراء: 29] 159.

يريد أن يتهكّم على مسألة الرسالة في ذاتها؛ فيبعد القلوب عن تصديقها بهذا التهكم، لا أنه يريد الإقرار بها والاعتراف بإمكانها، ويتهم موسى عليه السلام بالجنون؛ ليذهب أثر مقالته التي تطعن وضع فرعون السياسي والديني في الصميم. وترد الناس إلى الله ربهم ورب آبائهم الأولين، ولكن هذا التهكم وهذا القذف لا يفت في عضد موسى، فيمضي في طريقه يصدع بكلمة الحق التي تزلزل الطغاة والمتجبرين 160.

وقال تعالى: (ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) [البقرة: 54] .

وفي قوله هاهنا: (? ?) تنبيهٌ على عظم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره 161، فدعاهم إلى التوبة من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت