أولًا: المعنى اللغوي:
المعية نسبة إلى لفظ: (مع) ، وهو لفظ يقتضي الاجتماع في المكان، أو الزمان، أو الشرف أو الرتبة، كما يقتضي النصرة.
يقول الراغب الأصفهاني: «مع» يقتضي الاجتماع إما في المكان نحو هما معا في الدار، أو في الزمان نحو ولدا معا، أو في المعنى كالمتضايفين نحو الأخ والأب فإن أحدهما صار أخا للآخر في حال صار الآخر أخاه، وإما في الشرف والرتبة نحو: هما معا في العلو 1.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
تستعمل مع للمصاحبة بين أمرين لا يقع بينهما مصاحبةٌ واشتراكٌ إلا في حكمٍ يجمع بينهما ولذلك لا تكون الواو التي بمعنى مع إلا بعد فعلٍ لفظًا أو تقديرًا لتصح المعية. وكمال معنى المعية الاجتماع في الأمر الذي به الاشتراك دون زمانه.
فالأول: يكثر في أفعال الجوارح والعلاج نحو دخلت مع زيدٍ وانطلقت مع عمرٍو وقمنا معًا ومنه قوله تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ} [يوسف:36] .
والثاني: يكثر في الأفعال المعنوية نحو آمنت مع المؤمنين وتبت مع التائبين وفهمت المسألة مع من فهمها ومنه قوله تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) } [آل عمران:43] 2.
وردت الأداة (مع) في القرآن الكريم (164) مرة 3، والمواضع التي وردت متعلقة بالمعية الإلهية بلغ عدد ورودها (38) مرة.
وليس ليها إلا صيغة واحدة (مع) .
وجاءت معية الله في القرآن على ثلاثة وجوه 4:
الأول: العلم والإحاطة: ومنه قوله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} [النساء:108] . يعني: عالم بهم ومحيط بفعلهم.
الثاني: النصر والرعاية: ومنه قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40] . يعني: ينصرنا ويحفظنا ويرعانا.
الثالث: الاقتران: ومنه قوله تعالى: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) } [الشعراء:213] .
الحفظ:
الحفظ لغة:
دارت كلمة الحفظ على معاني الرعاية، وعدم النسيان، والتعهد، وقلة الغفلة، وعدم الضياع أو التفلت، والضبط، والمواظبة، تقول كتب اللغة: (الحاء والفاء والظاء أصلٌ واحدٌ يدل على مراعاة الشيء. يقال: حفظت الشيء حفظًا، قال الليث: الحفظ: نقيض النسيان، وهو التعاهد وقلة الغفلة 5.
الحفظ اصطلاحًا:
(يقال: تارة لهيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي إليه الفهم، وتارة لضبط الشيء في النفس، ويضاده النسيان، وتارة لاستعمال تلك القوة، فيقال: حفظت كذا حفظا، ثم يستعمل في كل تفقد وتعهد ورعاية) 6.
أو هو كما عرفه الجرجاني: (ضبط الصور المدركة) 7.
أو هو (رعاية العمل علما وهيئة ووقتا وإقامة بجميع ما يحصل به أصله، ويتم به عمله وينتهي إليه كماله) 8.
الصلة بين الحفظ والمعية:
واضح من خلال التتبع للمادة اللغوية ودوارنها في اللسان العربي العلاقة بينها وبين المعية، فالحفظ يشترك مع المعية في الرعاية والتعهد والمصاحبة والضبط، وهي معاني موجودة في المعية في جانبها الاصطلاحي.
المصاحبة:
المصاحبة لغة:
والمصاحبة والصحبة تدل على معاني الحفظ والملازمة، والموافقة والمشاركة،(فالمصاحبة: الموافقة والمشاركة في الشيء، ويقال: صحبه الله وأصحبه وصاحبه أي: حفظه. وقال أبو عبيدة: وقوله جل ثناؤه: {وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء:43] .
أي: لا يحفظون ومنه قولهم: لا صحبه الله أي: لا حفظه. ويقال: بأهله صحبة الله وصاحبه أي: حفظه. وتقول: أصحبت الرجل إذا اتبعته منقادا فأنا مصحب والرجل مصحب. وصاحبته إذا رافقته فهو مصحوب) 9. كما تدل على المنعة، والحماية 10.
المصاحبة اصطلاحًا:
(الموافقة والمشاركة في الشيء، فإن تتابعوا مع ملاقاة واجتماع فأصحاب حقيقة وإن لا فمجاز) 11.
الصلة بين المصاحبة والمعية:
المصاحبة واضح فيها معنى المعية، كما أن المشاركة فيها شيء من الدلالة على العون والنصرة، وهي المعاني ذاتها التي دارت عليها مفردة المعية.
الراصد لآيات القرآن الكريم في المعية والمتتبع لها يجد أنها تدور حول قطبين أساسين أو محورين رئيسين: معية عامة لعموم الخلق، ومعية خاصة يتميز بها بعض عباد الله تعالى بشروط محددة، مقرونة بصفات مبينة.
والمعية لها دلالتان، معية بالذات ومعية بالصفات، ومعية الله تعالى لعباده المقصودة معية بالصفات لإجماع المسلمين سلفا وخلفا على أن معية الذات غير مرادة، وإنما المراد معيته تعالى بصفاته اللائقة بمعنى المعية، كالعلم والحفظ والنصرة ونحوها 12
ويمكننا أن نتتبع هذين النوعين على النحو الآتي:
أولًا: معية عامة:
والمعية العامة تكون لعموم الخلق وهي بالرزق والعلم والتدبير مما يليق به تعالى ويصلح للخلق عامة، وقد وردت آيات كريمة تؤكد هذا المعنى، ومنها قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) } [المجادلة:7] .
والمعنى: (لا يتناجى ثلاثة فيما بينهم، ولا يتكلمون فيما بينهم بكلام الشر إلا هو رابعهم، لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم. ولا خمسة إلا هو سادسهم يعني: كان هو سادسهم، لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم. ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم يعني: عالم بهم وبأحوالهم أين ما كانوا في الأرض. ثم ينبئهم بما عملوا يعني: يخبرهم بما عملوا يوم القيامة من خير أو شر) 13.
(يسمع سرهم ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم {وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} يقول: ولا يكون من نجوى خمسة إلا هو سادسهم كذلك {وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ} يقول: ولا أقل من ثلاثة {وَلَا أَكْثَرَ} من خمسة {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} إذا تناجوا {أَيْنَ مَا كَانُوا} يقول: في أي موضع ومكان كانوا. وعنى بقوله: {هُوَ رَابِعُهُمْ} بمعنى أنه مشاهدهم بعلمه، وهو على عرشه) 14.
وقال أهل المعاني: (يريد: قربة بالعلم) 15.
ومعنى كونه معهم: (أنه يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه، فكأنه مشاهدهم ومحاضرهم، وقد تعالى عن المكان والمشاهدة) 16.
والسر في تخصيص الثلاثة والخمسة؛ لأنها نزلت في المنافقين وكانوا يتحلقون للتناجي مغايظة للمؤمنين على هذين العددين، وقيل: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة ولا أدنى من عدديهم ولا أكثر إلا والله معهم يسمع) 17.
أو أن السر في تخصيص العدد: (أن أهل التناجي في العادة طائفة من أهل الرأي والتجارب، وأول عددهم الاثنان فصاعدًا، إلى خمسة، إلى ستة، إلى ما اقتضته الحال) 18.
ومن لطائف الشيخ السعدي رحمه الله ربطه البديع بين صدر الآية وعجزها، واستنباطه لهذا المعنى اللطيف في المعية وهي أن هذه المعية، معية العلم والاطلاع؛ ولهذا توعد ووعد على المجازاة بالأعمال بقوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: هو تعالى بصير بما يصدر منكم من الأعمال، وما صدرت عنه تلك الأعمال، من بر وفجور، فمجازيكم عليها، وحافظها عليكم) 19.
فمعية الله تعالى العامة للناس معية علم واطلاع وانكشاف ومشاهدة.
ثانيًا: معية خاصة:
وإذا كنا قد عرفنا المعية العامة التي تعني العلم والإحاطة، والرزق والتدبير والرعاية، فإن هناك معية أخرى خاصة يمنحها الله تعالى لعباده المؤمنين الذين استجمعوا صفات يحبها الله ويدعوهم إليها، وهي عندئذ تعني النصر، والمعونة، والتأييد، والرعاية، والرحمة، والعناية، أو رفع الدرجات أو تكفير السيئات، أو الإكرام في الحياة، ونحو ذلك مما يستحقه المؤمنون الصالحون، وتنوع ورود هذا اللون من المعية في القرآن الكريم، كما سيأتي، ويضاف إلى هؤلاء المكرمين المنعم عليهم بهذه المعية الخاصة أصناف أخرى، منها:
-معيته تعالى للأنبياء عليهم السلام، ومنه قوله تعالى: لموسى وهارون عليهما السلام: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى?) [طه:46] . والآيات في معية الله تعالى للأنبياء كثيرة وسيأتي مزيد بيان لمعية الله تعالى للرسل في مبحث خاص.
-معيته تعالى للملائكة.
-معيته تعالى لعباده المؤمنين.
وهنا فلنتتبع معية الله تعالى لملائكته ولعباده المؤمنين على النحو الآتي:
1.معية الله تعالى للملائكة.
والمعية هنا معية الإعانة والنصر والتثبيت والتأييد، كما قال تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ?) [الأنفال:12] .
يعني: (ألهم ربك الملائكة،(أَنِّي مَعَكُمْ) أي: معينكم وناصركم، (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) يعني: بشروا المؤمنين بالنصرة، فكان الملك يمشي أمام الصف فيقول: أبشروا فإنكم كثير وعدوكم قليل، والله تعالى ناصركم) 20.
لكن كيف يكون إيحاء الملائكة إلى المؤمنين، إما أن يكون عن طريق الظهور المباشر في صورة رجال، وإما عن طريق الإلهام، يقول القشيري في لطائفه: (قيل كانوا يظهرون للمسلمين في صور الرجال يخاطبونهم بالإخبار عن قلة عدد المشركين واستيلاء المسلمين عليهم، وهم لا يعرفون أنهم ملائكة.
وقيل: تثبيتهم إياهم بأن كانوا يلقون في قلوبهم ذلك من جهة الخواطر، ثم إن الله يخلق لهم فيها ذلك، فكما يوصل الحق سبحانه وساوس الشيطان إلى القلوب يوصل خواطر الملك، وأيدهم بإلقاء الخوف والرعب في قلوب الكفار 21.
وإلقاء الرعب في نفوس المشركين فيه نصر للمؤمنين وتأييد لهم، فلا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم. واجتماعهما غاية النصرة. ويجوز أن يكون غير تفسير، وأن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم في القتال، وأن يظهروا ما يتيقنون به أنهم ممدون بالملائكة 22.
أو يكون التثبيت بحضورهم معهم الحرب وتكثير سوادهم، أو محاربتهم معهم، أو طمأنتهم وقولهم لا بأس عليكم ولا خوف من عدوكم، فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل ويقول: سيروا فإن الله ناصركم. ويظن المسلمون أنه منهم 23.
2.معية الله تعالى للمؤمنين.
وقد وردت آيات القرآن الكريم تبين معية الله تعالى الخاصة لعباده المؤمنين الذين لهم صفات تؤهلهم لهذه المعية مثل الصبر والإحسان والتقوى ونحو ذلك من صفات تعينهم على أن يكونوا أهلا لمعية الملك سبحانه، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) } [البقرة:153] .
ومعنى المعية هنا النصر والمعونة، والمظاهرة، فإن من كان الله معه فهو ناصره وظهيره وراض بفعله، كقول القائل: «افعل يا فلان كذا وأنا معك» ، يعني: إني ناصرك على فعلك ذلك ومعينك عليه 24.
وعلى الرغم من أن الله تعالى مع كل أحد معية عامة إلا أنه مع الصابرين معية خاصة، وقد خصهم بالمعية حتى يعلموا أن الله سبحانه وتعالى بمعيته لهم يفرج عنهم، وينصرهم، لقد استوجبوا نهاية الذخر، وعلو القدر حيث نالوا معية الله 25.
قال الإمام ابن تيمية (في شرح حديث النزول) : لفظ المعية في كتاب الله جاء عاما كما في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد:4] .
وفي قوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة:7] .
إلى قوله: {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} وجاء خاصا كما في قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) } [النحل:128] .
وقوله: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه:46] .
وقوله: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40] .
فلو كان المراد بذاته مع كل شيء لكان التعميم يناقض التخصيص. فإنه قد علم أن قوله: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} أراد به تخصيص نفسه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار.
وكذلك قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) } خصهم بذلك دون الظالمين والفجار.
وأيضًا فلفظ المعية ليست في لغة العرب ولا في شيء من القرآن أن يراد بها اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى. كما في قوله {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الفتح:29] .
وقوله: {فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء:146] .
وقوله: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119] .
وقوله: {وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ} [الأنفال:75] .
ومثل هذا كثير. فامتنع أن يكون قوله {وَهُوَ مَعَكُمْ} يدل على أن تكون ذاته مختلطة بذوات الخلق. وقد بسط الكلام عليه في موضع آخر وبين أن لفظ المعية في اللغة، وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة، فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على عرشه. ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه. فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان. ويخص بعضهم بالإعانة والنصرة والتأييد 26.
وهذه المعية المقتضية للنصر والعون والإمداد معية خاصة كما سبق،(فالله ناصرهم ومجيب دعوتهم، ومن كان الله ناصره فلا غالب له، أما الجازع فقلبه لاه عن ذكر الله، والقلب اللاهي ممتلئ بهموم الدنيا وأكدارها، وإن حاز الدنيا بحذافيرها.
وقد جرت سنة الله أن الأعمال العظيمة لا تنجح إلا بالثبات والدأب عليها، ومدار ذلك كله الصبر، فمن صبر فهو على سنة الله والله معه، فيسهل له العسير من أمره، ويجعل له فرجا من ضيقه، ومن لم يصبر فليس الله معه، لأنه تنكب عن سنته، فلن يبلغ قصده وغايته)27.
وكما أن الله تعالى مع الصابرين والمحسنين فهو كذلك مع المتقين.
قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة:194] .
قال ابن عباس: «يريد مع أوليائه الذين يخافونه فيما كلفهم من أمره ونهيه» ، قال الزجاج: «تأويله أنه ضامن لهم النصر» ) 28.
وكما تكون المعية بالتأييد تكون كذلك من الظلم بالنصرة والظفر بالمعونة والحفظ والعلم 29.
وتبدو السننية في هذه المعية الكريمة في تركيبة الآية إذ عبر فيها بالمشتق، كما هي صور ورود السنن في القرآن الكريم.
تعددت أساليب القرآن الكريم في بيان نفي أن يكون مع الله آلهة أخرى، فمرة يأتي البيان في صورة النفي ومرة في صورة النهي، وثالثة في صورة الخبر التهديدي، وأخرى في صورة الشرط، وأخرى في صورة الاستفهام الإنكاري، وفي الصفحات الآتية نحاول أن نتتبع هذه الصور على النحو الآتي:
أولًا: النفي الصريح:
وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تنهى نهيا صريحا عن اتخاذ آلهة مع الله تعالى، ومن المواطن التي ورد فيها ذلك في مقام بيان وعد الله تعالى بالاستخلاف للمؤمنين قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) } [النور:55] .
وفيها بيان للعلاقة بين عدم الشرك بالله والاستخلاف في الأرض كما هو واضح في الآية، وورد كذلك في مقام بيان صفات المؤمنين قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) } [المؤمنون:59] .
ومنها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) } [الفرقان:68] .
والمعنى: لا يشركون به شيئا، بل يوحدونه ويخلصون له العبادة والدعوة 30.
وقد ورد في السنة في هذا المعنى: عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله، قال: (قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك(فأنزل تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} [الفرقان:68] الآية) 31.
كما ورد النفي في القرآن في موضع آخر في قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) } [المؤمنون:91] .
ونلمح في سياق الآية الكريمة مع النفي ترتيبا عجيبا يغري العقل بالتفكر، والذهن بالعمل، والمنطق بالتحرر والانطلاق، وهو ترتيب الانفصام والانفصال بين هذه الآلهة المزعومة إن وجدت وبين وجودها، وهذا ما اعتمده علماء العقيدة في أدلة وبراهين نفي الشركاء والآلهة عن الله تعالى.
ثانيًا: النهي الصريح:
ومن أساليب القرآن في نفي المعية عن الله تعالى: النهي الصريح، وهذا أشد في نفي المعية وأقوى، ومن هذه المواضع التي ورد فيها قوله تعالى: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22) } [الإسراء:22] .
والمعنى لا تتخذ مع الله إلها آخر فتصير إلى الذم لأنك أسندت النعمة إلى غير منعمها وحمدت من لا يستحق الحمد وغمط صاحب الفضل والنعمة وساعتها تصير مذموما لاختلال النظر لديك وفساد الحكم في ناظريك، ومخذولا لأن صاحب النعمة والمنة سيكلك إلى من تألهت له وتعبدت فيه، وليس هو من ينصر ولا يعين.
وقوله: (تقعد) من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت، كأنها حربة بمعنى صارت، يعنى: فتصير جامعا على نفسك الذم وما يتبعه من الهلاك من إلهك، والخذلان والعجز عن النصرة ممن جعلته شريكا له 32.
ويبين الإمام الرازي سبب هذه العقوبة الشديدة والجزاء الوفاق الذي يتناسب مع هذه الجريمة النكراء والعمل الكالح بصورة منطقية عقلية فيرى أن من أشرك بالله كان مذموما مخذولا، والذي يدل على أن الأمر كذلك وجوه:
الأول: أن المشرك كاذب والكاذب يستوجب الذم والخذلان.
الثاني: أنه لما ثبت بالدليل أنه لا إله ولا مدبر ولا مقدر إلا الواحد الأحد، فعلى هذا التقدير تكون جميع النعم حاصلة من الله تعالى، فمن أشرك بالله فقد أضاف بعض تلك النعم إلى غير الله تعالى، مع أن الحق أن كلها من الله، فحينئذ يستحق الذم، لأن الخالق تعالى استحق الشكر بإعطاء تلك النعم فلما جحد كونها من الله، فقد قابل إحسان الله تعالى بالإساءة والجحود والكفران فاستوجب الذم وإنما قلنا إنه يستحق الخذلان، لأنه لما أثبت شريكا لله تعالى استحق أن يفوض أمره إلى ذلك الشريك، فلما كان ذلك الشريك معدوما بقي بلا ناصر ولا حافظ ولا معين. وذلك عين الخذلان.
الثالث: أن الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة، فمن أثبت الشريك فقد وقع في جانب النقصان واستوجب الذم والخذلان، واعلم أنه لما دل لفظ الآية على أن المشرك مذموم مخذول وجب بحكم الآية أن يكون الموحد ممدوحًا منصورًا 33.