وقد نالوا هذه المرتبة حين مدحهم الله سبحانه وتعالى في أواخر سورة آل عمران بقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) } [آل عمران: 190 - 191] .
و (أولو الألباب) هم أصحاب العقول الصافية، والقلوب النيرة، والألباب جمع (لب) ويذكر اللب في مقابل القشر، يقول ابن عاشور: «واللب في الأصل خلاصة الشيء وقلبه، وأطلق هنا على عقل الإنسان؛ لأنه أنفع شيء فيه» 66.
وقد وردت لفظة (أولي الألباب) في القرآن ست عشرة مرة، كلها على سبيل المدح والثناء.
وحاز أولو الألباب هذه المكانة المرموقة في رحاب الله؛ لأنهم تمسكوا بحبلي الذكر والفكر، هذا الذكر الذي ملأ القلوب وفاض على الألسنة، وكان مرافقًا لهم في كل حركاتهم وسكناتهم، ما يدل على استحضارهم للمعية الربانية في كل وقت، وعلى كل حال.
فهم قيام في نهارهم يعملون ويجاهدون ويذكرون الله، وهم قعود وقت الراحة لا ينسون ذكره، بل حتى وهم نيام على جنوبهم يذكرونه.
هذه الحالة الربانية والخوف الشديد من الله جعلهم يرون كل شيء في هذا الكون دليلًا على وجود الله، وبديع خلقه، وعظيم حكمته.
فانطلقوا بأبصارهم يتفكرون ما بين السموات والأرض، فزادهم الانفتاح على كتاب الله المنظور معرفة لأسرار الوجود، وفقهًا لسننه ونظامه الدقيق، فامتلأت قلوبهم بنور الله، وفاضت خشوعًا وإنابة لرب الكون {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] .
لتتفجر ينابيع التسبيح والإقرار بتلك العظمة والقدرة من قلوبهم على ألسنتهم فتلهج بالدعاء، راجين النجاة من عذاب النار، فبعملية التفكر هذه يغذون القلب بالإيمان، ويزيدون فيه نفحة اليقين، كما يصبغونه بصبغة الجمال النابع من جمال الكون وسحره، فتنطبع أقوالهم وأفعالهم ذوقًا وإحسانًا مع الناس، وإبداعًا وإتقانًا في الحياة.
وقد جاء في صحيح ابن حبان عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة -رضي الله عنها- فقالت لعبيد بن عمير: قد آن لك أن تزورنا، فقال: أقول يا أمه، كما قال الأول: (زر غبًا تزدد حبًا) . قال: فقالت: دعونا من رطانتكم هذه، قال ابن عمير: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فسكتت، ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي قال: (يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي) قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما سرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله لم تبك وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت علي الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 190] ) 67.
وفي وصف السيدة عائشة رضي الله عنها لحالة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية، بيانٌ لأسمى نموذج للمتفكرين في ملكوت الله سبحانه وتعالى، وفي هذه صورة لما ينتج عن التفكر من زيادة في العبادة، وسمو في الإيمان.
والظاهر أن الذكر الوارد في الآية على العموم، ويشمل الصلاة، وهو ذكر باللسان، وحضور القلب، فهم «الذين لا يغفلون عنه تعالى في عامة أوقاتهم باطمئنان قلوبهم بذكره واستغراق سرائرهم في مراقبته» 68.
ولما وصفهم تعالى بالذكر، ثنى بعدها بالفكر؛ لأن الذكر لا يكمل إلا مع الفكر.
وفي هذا يقول الألوسي: «قدم الذكر على الدوام على التفكر للتنبيه على أن العقل لا يفي بالهداية ما لم يتنور بنور ذكر الله تعالى وهدايته، فلا بد للمتفكر من الرجوع إلى الله تعالى ورعاية ما شرع له» 69.
يقول الرازي في تفسيره: «في هذه الآية جمع لأصناف العبودية الثلاث، وتحقيق لمعنى الإيمان الذي هو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، فقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ} [آل عمران: 191] .
إشارة إلى عبودية اللسان، وقوله: {قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} إشارة إلى عبودية الجوارح والأعضاء، وقوله: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إشارة إلى عبودية القلب والفكر والروح، والإنسان ليس إلا هذا المجموع» 70.
ولنا في قصص السلف الصالح عبرة ومثل، فقد قال الشيخ أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة، أو لي فيه عبرة 71. وأخرج ابن المنذر 72 عن عون قال: سألت أم الدرداء: ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: التفكر والاعتبار.
فـ (أولو الألباب) ناس ارتقوا بقلوبهم وعقولهم عن براثن الأرض، فلم تعد تلامسها، وحلقوا ما بين السموات والأرض في رحلة فكرية قلبية، وصلوا من خلالها إلى عمق الأشياء، وانقلبت عقولهم من حالها إلى حال اللب، وهو أكمل وأخلص الأحوال، رأوا من خلالها غاية الوجود وحكمه العجيبة، وأسراره العظيمة، فنادوا ربنا ما خلقت هذا باطلًا، فكانت نتيجة هذا التواصل اعترافًا بالربوبية وتنزيها عن العبثية، منبعها الذكر الكثير والفكر الرصين؛ لينتهوا من هذه الرحلة الإيمانية بإدراك عظم ذنوبهم وتقصيرهم أمام نعم الله فاختاروا الآخرة، وطمعوا في الوقاية من عذاب النار.
1.تعددت مجالات التفكر في القرآن وسوف نتناولها فيما يأتي بالبيان:
أولًا: التفكر في الآفاق:
يعتبر الكون مجالًا واسعًا ورحبًا تدور فيه أنظار الناس، ويعملون فيه عقولهم، ما جعل ميدان الآفاق أوسع مجالات في موضوع التفكر حتى غلب عليه، وأصبح إذا أطلق مصطلح التفكر أريد به آيات الله المنظورة المنتشرة في الكون، فكان مجالًا تنوعت فيه الصور والمظاهر، وتعددت حوله الآيات والدلائل، وكثرت داخله الأسرار والحكم.
والتفكر في الكون يكون تفكرًا في خلق الله من جهة دلالته على خالقه؛ لهذا استعمل لفظ (خلق) في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] .
فالتفكر ليس مقصودًا لذاته، بل الهدف منه بيان سر الإعجاز والقدرة، ومعرفة عظمة الخلق والخالق، والتفكر في خلق السموات يكون من جهة ارتفاعها بغير عمد ورحابة آفاقها، وإحكام صنعها، وشدة إتقانها، ودقة نظامها، وثبات نواميسها بما يوافق حياة الإنسان، وما حوته من كواكب كالشمس والقمر وغيرها، ونجوم مسخرات، وفي كل ذلك آية على صنع القدير، فلو أن الشمس تبتعد عن الأرض لتجمد كل شيء، ولو أنها تقترب منها لاحترق كل شيء، فكل قوانين الكون مبنية على نسب كمية وكيفية تناسب وجود الإنسان وتسهيل مهمته على الأرض، ففي اختلاف الليل والنهار من جهة الظلام والنور مراعاة لتحقيق الراحة والهدوء في الليل، والحاجة للضوء في النهار سعيًا للعمل.
والتفكر في الأرض وما حوته من آيات وعجائب تعجز الألباب عن حصرها، من تنوع للكائنات إلى عظم الجبال وشق الأنهار واتساع البحار، وما تحويه من معادن، وفي كل منها عالم دقيق كبير المعاني كثير الغرائب تعجز العقول عن إدراكه؛ لذلك خصها الله سبحانه وتعالى بالتفصيل، وهي أقرب للإنسان من عالم السماء، فآفاق الكون لا يستطيع معرفة كنهها عوام الناس.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] .
فالأرض بسيطة للإنسان يسير فيها ويتقلب بين جنباتها، منها خلق، وفيها يعاد، وبها معاشه، جعلها الله قرارًا للإنسان، وسخر له ما فيها؛ ليقيم شئونه عليها، فمدها فيه تسهيل لعمل الإنسان من إقامة الزراعة على سطحها التي هي عماد أكله وحياته، وبسطها طولًا وعرضًا يسهل الانتقال في أجزائها شرقًا وغربًا شمالًا وجنوبًا، ومن عظيم آيات الله فيها تثبيت تربتها بالجبال الرواسي، وشق الأنهار فيها، وجعل فيها المياه الباطنية قريبة من سطح الأرض؛ ليسهل على الإنسان استغلالها، فلو كان على الإنسان إحضار المياه من البحار لما قامت زراعة ولا تجارة ولا حضارة، وذكر الأنهار بعد الجبال؛ لأن ماء النهر عادة ما يكون من ذوبان ثلج الجبل، فهذه آيات عظيمة على الإنسان الانتباه لها.
ولأن الإنسان بطبعه يكره البقاء على نمط واحد كان تنوع الثمار وكثرتها آية أخرى، وجعل من هذه الأنواع زوجين اثنين الحلو والحامض، الأبيض والأسود ... ، كما أن فيه إشارة إلى وجود الذكر والأنثى في كل نبات، فبهما يتحقق معنى الزوجية، ويتكاثر النبات.
«ومن هذا يتبين أن كلمة زوجين تتضمن التقابل الذي يعم التقابل بين الذكر والأنثى، والتقابل في الألوان، والتقابل في الطعم، والتقابل في الصغر والكبر، وهذا كله في أرض واحدة، وكان في اتحاد الأرض واتحاد الماء أن تكون شيئًا واحدًا في لونه أو طعمه ... ، ولكن تعددت وتخالفت، فدل هذا على وحدة الصانع الحكيم العليم المريد الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى» 73.
وأشار إلى سنة التسخير، وهي سنة لها ارتباط وثيق بموضوع التفكر؛ لأنها تدخل ضمن إطار مهمة الإنسان على الأرض، وجاء البيان الإلهي عامًا شاملًا في قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13] ؛ ليطلب من الإنسان «أن يحلق في فضاء السموات وأن يغوص في أعماق الأرض بفكره ولما تفيده (ما) من الإبهام، فإنها تدفع الإنسان إلى التعمق في اكتشاف أسرار ما في السموات وما في الأرض، فهي شاملة للباطن المخفي، وللظاهر المشاهد من أسباب التسخير؛ لاستثماره في نفع الإنسان» 74.
فإبهام الآيات يشير إلى كثرتها وتنوعها «وذلك؛ لأن فيها من الآيات العجيبة ما يبهر الناظرين، ويقنع المتفكرين، ويجذب أفئدة الصادقين، وينبه العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية» 75.
كما أن في تنكيرها دلالة على الكثرة والتعظيم، فكل ذلك يتناسق مع العموم المدلول عليه بقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13] .
ولأن التسخير بعيد الإدراك والمشاهدة جيء بالتفكر الذي يغوص في معاني ودلائل الأشياء، وكل إنسان على قدر علمه وفهمه وتركيزه يصل إلى إدراك المطلوب.
وبالمقابل من ذكر التفكر في الأمور الكبيرة في الكون جاءت الإشارة إلى الأمور الصغيرة والتي قد يغفل عنها كثير من الناس، والتي تمثل في حد ذاتها معجزة من معجزات الخلق.
قال تعالى: {ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 69] .
قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: إن في إلهام الله لهذه الدواب الضعيفة الخلقة إلى السلوك في هذه المهام والاجتناء من سائر الثمار، ثم جمعها للشمع والعسل وهو من أطيب الأشياء، لآية لقوم يتفكرون في عظمة خالقها ومقدرها ومسخرها وميسرها، فيستدلون بذلك على أنه الفاعل القادر الحكيم العليم الكريم الرحيم 76.
فجاء لفت الانتباه في القرآن إلى عالم النحل، هذه المملكة الحصينة التي تحكمها قواعد وأركان يستحق أن يعي الإنسان نظامها ويحتذي به، والعجيب من أمرها أنها تسير بدقة متناهية لا ترى فيها عوجًا أبدًا، فتختار مكانًا آمنًا في الجبال، وعلى الشجر؛ لتبني فيه خليتها حتى لا تصلها الحيوانات، ولا تطالها الأيدي، وتهندسه في أشكال سداسية؛ لتضمن استغلالًا تامًا للمكان يساعدها على وضع البيض والاعتناء به، كما أن كل فرد في هذه الخلية مكلف بمهام يدركها منذ فقسه، إضافة إلى أن النحل مضرب المثل للتفاني في الجد والنشاط، ودليل ذلك الشراب المعجز الذي شهد له القرآن الحكيم بالنفع والشفاء.
يقول الألوسي: «إن من تفكر في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة التي مرت الإشارة إليها، وخروج هذا الشراب الحلو المختلف الألوان، وتضمنه الشفاء جزم قطعًا أن لها ربًا حكيمًا قادرًا، ألهمها ما ألهم وأودع فيها ما أودع، ولما كان شأنها في ذلك عجيبًا يحتاج إلى مزيد تأمل ختم سبحانه الآية بالتفكر» 77.
ومن حكم المولى أنه بين أن التفاضل بين الخلق ليس من جهة الفضل والاستحقاق؛ إذ إنه لا ميزة للنحل في الطول أو العرض أو الجمال، لكن بعمله وجهده وإتقانه نال العسل، وفوقها اختصاصه بسورة تتلى إلى يوم القيامة، وفي هذا لفت لعقول الناس، ألا يحقروا خلق الله، أو يحقروا أنفسهم، فكل ميسر لما خلق له.
فنظرة القرآن للكون جاءت مناقضة لما شاع في فكر الإنسان القديم، من أن الكون والطبيعة مضادة تمامًا «للتصورات الكونية الميثولوجية القديمة التي جعلت الإنسان البدائي يستشعر الخوف من الكون، ويعتبره خارجًا تمامًا عن نطاق عمله وقدرته، ويفسر ظواهره المختلفة بعلل وهمية خيرة أو شريرة، أو آلهة يسترضيها بألوان الطقوس البدائية» 78. بل جعل منها دلائل على قضايا مصيرية؛ ليكون ذلك أزيد في إيمانه بالاعتماد على العلم واليقين، ويحسن التصرف في هذا الكون.
ثانيًا: التفكر في الأحكام الشرعية:
قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219] .
أي: كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده، لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها 79.
قال ابن عاشور رحمه الله: «ولا يخفى أن الذي يصلح للتفكر هو الحكم المنوط بالعلة، وهو حكم الخمر والميسر» 80.
من أدب المؤمن مع ربه التفكير في أحكامه الشرعية، واليقين بأن المصالح متحققة يقينًا بالأخذ بأحكامه سبحانه وتعالى، وما أصاب الأمة من بؤس وانحطاط إلا بالبعد عن تطبيق الأحكام الشرعية.
ثالثًا: التفكر في النفس الإنسانية:
إن النفس البشرية مجال صغير من مجالات التفكر في الخلق، لكنه عظيم عظم ما يحويه من آيات ودلائل على قدرة المولى -جل وعلا-، ودعوة القرآن للتفكر في النفس تعمل على إثارة العقل للبحث في آفاقها، وتجلية كنهها واكتشاف أسرارها، وجاء الحديث عن النفس في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا الَّذِينَ مِنْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم: 8] .
وفيه توبيخ للكفار الذين قصرت مداركهم على الحياة الدنيا وشواغلها ونسوا العمل للآخرة، وفي خضم هذه الحياة تكون النفس البشرية مجالًا قريب التأمل، فلو تفكر الإنسان في أصله ونشأته 81 ومراحل خلقه، أطوارًا في بطن أمه يتقلب ما بين النطفة والعلقة والمضغة؛ ليتشكل جنينًا، ويخرج من الرحم وليدًا، لا قدرة له على الإدراك أو التعقل ولا طاقة له بأي عمل، ثم يصير طفلًا فشابًا يافعًا، ثم شيخًا هرمًا، نفذت قوته، وساءت حاله؛ ليستقبله بعدها القبر، لأدرك قصر هذه الدنيا وفناء لذاتها، ما يبعث على إعادة النظر في حياته وتصرفاته؛ ليجعل منها دربًا موصلًا إلى الجنة.
وجاءت آيات كثيرة تنبئ الإنسان بحقيقة نشأته وتذكره بأصله، حتى لا تأخذه العزة بنفسه وقوتها وجمالها وينسى فضل الخالق عليه وما أمره به من تكاليف، وتفرقت آيات الخلقة في القرآن وتشعبت الدلائل في كل آية بما يخدم السياق القرآني في كل سورة، وليعظم الأثر في القلب، ويحصل الإدراك الواعي بالمعجزات البينات، فيعترف القلب والعقل بقدرة الخالق وإعجازه.
فشكل الإنسان وجمال صورته واستواء أعضائه ووظائفها على هذه الهيئة المعتدلة «أمر يستحق التدبر الطويل، والشكر العميق، والأدب الجم، والحب لربه الكريم، الذي أكرمه بهذه الخلقة تفضلًا منه ورعاية ومنة ... ، وإن عجائب الإبداع في خلقه لأضخم من إدراكه هو، وأعجب من كل ما يراه حوله» 82.
كما أن هناك من الحقائق التي تعيش في داخل الإنسان وهو غير قادر عن إدراكها كماهية العقل والروح، ولا يمكنه الاستغناء عنها «فهي وإن كانت من مكونات الإنسان التي بها صار إنسانًا إلا أنها ليست مادية، ولا يمكن حصرها بين فكي الزمان والمكان اللذين لا قدرة للعقل البشري على الإدراك خارج نطاقهما، فهذا في حد ذاته أكبر تحد يدعو الإنسان للتواضع والإذعان» 83، وعدم قدرته للوصول إلى حقيقة الأشياء نابعة من كونه بعيدًا عن منهج الحق والإيمان.
والتفكر في النفس ينبه إلى التفكر في صفاتها وأعمالها، فالنفس كما يقول ابن القيم: «النفس دنيئة وطبيعتها أنها أمارة بالسوء» ، وأمارة من صيغ المبالغة الدالة على الكثرة والاستمرار، فإذا عرف الإنسان طبيعة النفس حاول تغييرها ومجاهدتها وعدم الخضوع لطلباتها.
قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 - 41] .
لذا يبين ابن القيم أن أصل أفعال الإنسان نابع من أفكاره وخواطره التي تركها تجول في نفسه ولم يمحصها ويدافعها، وفي هذا يقول: «دافع الخطرة، فإن لم تفعل صارت فكرة، ودافع الفكرة فإن لم تفعل صارت شهوة، فحاربها، فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة، فإن لم تدافعها صارت فعلًا، فإن لم تتداركه بضده صار عادة فيصعب عليك الانتقال عنها» 84.
وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم: 8] .
فيه دعوة للنظر في النفس من جانبين؛ جانب خلقها وعجائب صفاتها وسيرورة أجهزتها، وجانب النظر في أفعالها ومقاربتها للصواب، وصفاتها وكيفية تهذيبها.
وجعل أبو حامد الغزالي مجاري الفكر تصب كلها بما يزكي النفس ويهذبها، فهي أربعة عنده: الطاعات، المعاصي، الصفات المهلكات والصفات المنجيات، ثم يفصل في كيفية استشعار هذه المعاني الروحية بواسطة التفكر في كل نوع على حدة، نذكر مثالًا منها، يقول فيه: «فليتفكر كل يوم في قلبه ما الذي يعوزه من هذه الصفات التي هي المقربة إلى الله، فإذا افتقر إلى شيء منها فليعلم أنها أحوال لا يثمرها إلا علوم، وإن العلوم لا يثمرها إلا أفكار، فإذا أراد أن يكتب لنفسه أحوال التوبة والندم فليفتش في ذنوبه أولًا، وليتفكر فيها، وليجمعها على نفسه، وليعظمها في قلبه، ثم لينظر في الوعيد الشديد الذي ورد في الشرع فيها، وليتحقق عند نفسه أنه متعرض لمقت الله تعالى حتى ينبعث له حال الندم» 85.
وقلما ينتبه الإنسان إلى فضل المولى عليه في منحه نعمة الزوجية، وكونها من نفسه؛ ليسهل التقارب والتوافق، وجعل في تلك العلاقة التي بين الجنسين «سكنًا للنفس والعصب، وراحة للجسم والقلب، واستقرارًا للحياة والمعاش، وأنسًا للأرواح والضمائر، واطمئنانًا للرجل والمرأة على السواء» 86.